روسيا تغيّر قواعد اللعبة فى سوريا

16/09/2015 - 1:05:10

السفير رضا شحاتة

لاشك أن دوائر صنع القرار على المستويين الاستراتيجى والعسكرى والسياسى أيضاً، قد استشعرت دقات أجراس الإنذار تدوى فى قاعات البيت الأبيض والكونجرس والبنتاجون، والخارجية، ووكالة المخابرات المركزية عندما تجمعت لديها الأدلة والقرائن القاطعة بأن موسكو، طبقاً لرواية مسئولين سوريين عسكريين، قد بدأت تتواجد بشكل ظاهر ومكثف فى الأراضى السورية خلال الشهور القليلة الماضية من هذا العام .. ومع أن المستشارين والخبراء العسكريين الروس لم يغيبوا يوماً عن المؤسسة العسكرية السورية وأفرعها، فإن هذا التواجد قد تصاعد، وهو ما دفع بوزير الخارجية الأمريكى “جون كيرى” لأن يجرى اتصالاً عاجلاً بوزير الخارجية الروسى “سيرجى لافروف” منذ أيام محذراً من عواقب توسيع الدور العسكرى الروسى فى سوريا، لكن موسكو عقبت على هذا الاتصال أنه طالما وقفت موسكو تقدم الدعم العسكرى للحكومة السورية فى قتالها ضد المتطرفين ومن ثم فهى تعرب عن اندهاشها لتحذيرات وزير الخارجية الأمريكى.


ـ وتفيد التقارير الاستخباراتية أن روسيا قد بدأت تجهّز لنشر المستشارين والأفراد العسكريين فى إحدى القواعد العسكرية المتقدمة جنوب ميناء اللاذقية بهدف إرسال الطائرات والإقلاع من هذا المطار المتقدم لتوجيه الضربات الجوية ضد القوى المتطرفة المعادية لنظام بشار الأسد، وتضيف هذه التقارير أن طائرات “الكوندور” العملاقة للنقل قد قامت بشحن الإمدادات والمعدات من إحدى القواعد العسكرية جنوب روسيا (فى جنوب القوقاز) عبوراً للممرات الجوية من إيران والعراق إلى ميناء وقاعدة اللاذقية، وهى قاعدة عمليات متقدمة للضربات الجوية.


ـ هذا التوسع والتصعيد للدور العسكرى الروسى على هذا النحو المعلن والمكشوف سوف يؤدى دون شك إلى تغيير قواعد اللعبة العسكرية فى سوريا بدءًا بتوسيع وتحديث قاعدة الأسطول الروسى فى ميناء طرطوس، مع تحويل موقع “الجبلة” القريب من ميناء اللاذقية إلى قاعدة جوية وقاعدة بحرية متكاملة شرقى المتوسط بالقرب من مضايق البوسفور التركية.


ـ وسوف يترتب على هذا التطوير عمليات عسكرية مكثفة توجه ضربات قاصمة لجماعات “الجهاديين” التى تحاصر دمشق ومن ثم تخفيف عنف الحصار وأعبائه ودرجة الخطر التى يتعرض لها نظام بشار الأسد.


ـ وتقدر بعض المصادر الإسرائيلية أن الأسابيع القادمة سوف تشهد وصول الآلاف من العسكريين الروس إلى سوريا (رغم نفى موسكو لهذه الأخبار) بيد أن نفس المصادر الإسرائيلية ترى أن الحرب المعلنة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” سوف يتيح غطاءً سياسياً لهذه العملية الروسية الكبيرة.


ـ هذا التحول الواضح فى الاستراتيجية الروسية للدفاع بشكل أقوى وأكثر تحديداً عن نظام الأسد يعنى أن موسكو قد اتخذت قرارها بالتدخل العسكرى بعد تقديرات دقيقة للموقف والقدرات السورية، وربما ساعد هذا القرار على إنقاذ سوريا من الانهيار الكامل، وربما أوقف تدفقات اللاجئين بعشرات الآلاف إلى الدول الأوربية.


ـ وفى إطار هذه الاستراتيجية الروسية المطورة، فإن وزير الخارجية الروسى “لافروف” حرص على أن يضعها فى إطار أشمل وأوسع باقتراح تشكيل تحالف جديد وأوسع للتصدى لعناصر داعش بحيث يضم التحالف قوات الأسد، لكن السعودية وبعض مصادر المعارضة السورية ترفض هذا الاقتراح، كما أن الأطراف الخليجية العربية، بتأييد من السعودية، لن توافق على الانضمام لقوات يشارك فيها جيش الأسد.


ـ الاعتبار الاستراتيجى الأهم أن موسكو تساورها أعمق الهواجس والمخاوف من النجاحات التى حققها تنظيم “داعش” مع استمرار عملياتها القتالية ونزوح الآلاف من المسيحيين الذين تعتبر روسيا نفسها هى الحامية لهم، المدافعة عن حقوقهم، كما تخشى روسيا أشد الخشية من انتشار عمليات داعش فى الأقاليم الإسلامية جنوب روسيا ـ شمال القوقاز وفى مناطق نهر الفولجا فضلاً عن ضعف وقصور قدرات التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة ضد داعش.


ـ ومع أن الولايات المتحدة ـ وتركيا كذلك منخرطتان فى الحرب ضد داعش بدرجة ما، فإن لكل منها دوافعها ومصالحها الذاتية التى تحركها فى انتهاج هذه السياسة، فتركيا فى الأساس تحارب الأكراد، والولايات المتحدة تتخذ من الحرب ضد داعش ستاراً من الدخان للحرب ضد نظام بشار الأسد نفسه، وتروى بعض المصادر أن “قوى إرهابية” فى سوريا قد تسلمت عتاداً وتلقت تدريباً على يد بعض الخبراء الأميركيين ـ حتى أن الجنرال” ديفيد بيتر يوس” القائد العام السابق للقيادة المركزية للقوات الأمريكية فى الشرق الأوسط كان يدعو لتسليح قوات “جبهة النصرة” لتمكينهم من قتال عناصر “داعش”.


ـ وتكاد التقديرات الغربية تجمع على أن الاستراتيجيات الأميركية، واستراتيجيات حلفائها قد جلبت الدمار والفوضى لسوريا، أما أوروبا فهى تعانى من تدفقات اللاجئين، وخسرت تركيا جولات كثيرة إذ إن الارهاب والتطرف قد أصابها بالكثير من الويلات، وانهارت شعبية الرئيس أردوغان.


ـ وإذا بروسيا تقتنص هذه الفرصة التاريخية المتاحة بالفشل المركب لأردغان ولأوباما وجون كيرى ولحلفائهم، بعد أن ظنوا أن بوتين سوف يتخلى في النهاية عن الأسد، فإذا بالجميع يستيقظ ويفيق من أوهام وأخطاء فادحة فى التقديرات الاستراتيجية، ومع أن روسيا لم تتخذ قراراً بأن تخوض حرباً مباشرة دفاعاً عن الأسد، لكنها لم تزل تؤكد وتكرر أن الشعب السورى وحده هو الذى ييقرر بقاء أو رحيل بشار الأسد، فتلك مسألة سورية داخلية.


ـ وتحاول روسيا فى كل الأحوال أن تعمل وأن تكون سياساتها فى إطار القانون الدولى خلافاً لما وقع فى مواجهة المغامرة الصدامية فى غزو الكويت فى التسعينيات. ففى الموقف السائد حالياً فى سوريا، تقوم الولايات المتحدة وتركيا بقصف مواقع كثيرة فى سوريا دون أن تكون على علاقة ما بحكومتها الشرعية أو سلطاتها الحاكمة فى دمشق، وروسيا ترى أنها تتدخل بدعوة من السلطات السورية باعتبار روسيا حليفة لها فضلاً عن وجود اتفاق للدفاع المشترك بين سوريا وروسيا، وكذلك قدمت سوريا لروسيا التسهيلات والمطارات والموانئ لأغراض دفاعية.


ـ والظاهرة اللافتة للاهتمام أن الكنائس المسيحية فى الشرق الأوسط ترحب بروسيا وتطلب مساعتها فى مواجهة الهجوم الجهادى ـ كذلك فالكنيسة الأروثوذوكسية القديمة فى أنطاكية والكنيسة الأرثوكسية فى القدس ترحبان بالدور الروسى، بل إن القس الفلسطينى والناشط السياسى الأب”عطا الله حنا” قد أعرب عن أمله بأن يتمكن الروس من إحلال السلام فى سوريا ومن إعادة اللاجئين الى بلادهم.


ـ ومقارنة الموقفين أو الاستراتيجيتين الأمريكية والروسية تجاه سوريا، نلمس بداية أن الاقتصاد الروسى ليس فى أفضل حالاته، كما ومن أخطار التنظيم الإسلامى داعش “يشكل خطورة على التخوم الجنوبية لروسيا فى القوقاز، ومن ثم فالعاملان يحدان من الإمكانيات المتاحة للحرية والحركة أمام روسيا، لكنها لم تغير من الخطوط الرئيسية لاستراتيجيتها أولا لأنها لم تزل بعيدة نسبياً عن الخسائر المادية لهذه الحرب وآثارها بمثلما تكبدت الدول الغربية أو حلفائها، بعد أن أخفقت جهودها فى الإطاحة ببشار الأسد، فى الوقت الذى انتشرت ظاهرة الإرهاب والفوضى فى أرجاء سوريا ونزح الملايين من اللاجئين إلى خارج سوريا.


ـ وفى بداية الأزمة كان تقدير الخبراء الغربيين أن دعم بوتين لسوريا يرجع إلى حرصه على الحفاظ على المصالح الروسية فى سوريا وهذا صحيح، لكنها مصالح فى واقع الأمر لا تمثل أو تعكس الدافع الحقيقى للدعم، فبوتين ينظر إلى سوريا من منظور جيوستراتيجى فى المقام الأول وترى أن خصوم النظام الحاكم فى سوريا من بعض الدول الخليجية هى المحرك الأول للمعارضة المسلحة ـ حتى بعض الفصائل المتطرفة(جبهة النصرة) ضد بشار الأسد، ومن وراء هؤلاء جميعاً تقف الولايات المتحدة والدول الغربية.


ـ هذه السياسة التى اتبعها بوتين أثارت غضب دول الخليج وأثارت تركيا خاصة إزاء قرارات “الفيتو” المتتالية دفاعاً عن سوريا، وإزاء تزويد سوريا بالأسلحة، بل وتعرض السفير الروسى فى قطر للهجوم عليه فى مدينة الدوحة عام ٢٠١٢، وبرغم ذلك حرصت روسيا بفتح قنوات الاتصال مع دول الخليج، كما يروى “ فيتالى نعومكين” مدير معهد الاستشراق الروسى فى موسكو، وكيف تعرضت موسكو وتصدت لاعتراضات إسرائيل على تزويد سوريا بنظام الدفاع الجوى الروسى المتقدم إس ٣٠٠.


ـ وبقراءة المشهد الحالى، يقدر الخبراء أن أنشطة تنظيم داعش الإرهابى سوف يدفع الولايات المتحدة والغرب والحلفاء الخليجيين للتقارب مع الموقف الروسى تجاه سوريا. وقد ظلت روسيا تفضل الحل عن طريق المفاوضات مع الحكومة السورية الشرعية (باقتراحات استضافة مؤتمرات تضم المعارضة السورية والنظام السورى) كخطوة أولى للعودة إلى عملية جيثيف (التى بدأت ٣٠ يونيو ٢٠١٢) حتى وإن كان العرب يشترطون خروج الأسد من السلطة قبل بداية عملية جيثيف، لكن روسيا ترى أن ذلك الشرط من المستحيل أن يدفع لاستئناف عجلة المفاوضات؛ إذ إن ذلك يعنى بداية تغيير النظام، لكن الأصواب بدأت تتعالى الآن “للتكيف مع دور ما للأسد” والتعاون معه فى مواجهة قوات داعش، وهو ما يؤكد مصداقية الموقف والتقديرات الروسية.


ـ وعموماً فإن السياسة الروسية تجاه سوريا لم تكبد روسيا تكاليف مادية أو خسائر مادية كبيرة، بل نجحت هذه السياسة فى الحيلولة دون سقوط النظام ومقاومة الضغوط الداخلية والاقليمية حتى الآن.


ـ أما المنظور الأمريكى لهذا التطور الجديد فى استراتيجية الدعم العسكرى الروسى لسوريا فكان الحرص على الحيلولة دون توسيع إطار هذا الدعم أو تكثيف الوجود العسكرى الروسى بإغلاق المجالات الجوية لبلغاريا واليونان أمام طائرات النقل الروسية العملاقة لتزويد دمشق بالسلاح ولنقل الخبراء والمستشارين وربما الأفراد ومعدات تطوير القاعدتين البحرية والجوية وبرغم ذلك تمكنت روسيا من عبور أجواء كل من ايران والعراق.


ـ هذا السباق الواضح بين الكرملين وواشنطن يضع الأزمة كلها فى مناخ الحرب الباردة الجديدة، كما كان الحال فى أزمات مثيلة فى الشرق الأوسط فى سبعينيات القرن الماضى، وما لم يتحقق “وفاق” أو توافق فى الإرادتين السياسيتين لموسكو وواشنطن، وتظل الأزمة الطاحنة محلياً وإقليمياً وإنسانياً تدور فى حلقة مفرغة، وإن كان رهان الخبراء الاستراتيجيين يشير إلى أن العامل أو المتغير الجديد الذى قد يحقق هذا التوافق هو “دور الدولة الإسلامية؟ وهو ما سوف نلمسه فى الكلمتين اللتين سوف يقرؤهما كل من أوباما وبوتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر.


ـ وفى التحليل الأخير قد لا يكون الإبقاء على بشار الأسد شخصياً هو الهدف الحقيقى وراء هذا التحول فى الاستراتيجية الروسية، بل إن الهدف الحقيقى والواقعى لهذا القرار أن موسكو تسعى من خلال هذا القرار أن يكون لها التأثير والنفوذ والقول النافذ عند اختيار رئيس جديد فى حالة خروج الأسد من السلطة فهى استراتيجية توسع من الخيارات والبدائل أمام صانع القرار فى موسكو استعداداً لكافة الاحتمالات السياسية والعسكرية فى هذا المشهد الإقليمى بالغ التعقيد.


ـ قرار موسكو الاستراتيجى بالتدخل الموسع بالخبراء المستشارين وبعض القوات لم يكن بالقرار البسيط لإثاره الدولية والإقليمية على الأمدين القريب والبعيد؛ إذ يتجاوز القرار الدعم المالى والاستخباراتى أو اللوجيستى أو التسليحى، ويتحول إلى مشاركة مباشرة فى إدارة العمليات الحربية والدخول مادياً فى مسرح القتال، وهى مجازفة تعيد للأذهان ـ مع اختلاف البيئة السياسية الدولية ـ قرار موسكو فى نهاية السبعينات (١٩٧٩) بدخول أفغانستان للدفاع عن “نجيب الله” ونظامه الشيوعى فى مواجهة شعب رافض له ومقاومة أفغانية مسلحة وتسليح أمريكى وتدريب “ للمجاهدين” ـ الذين تحولوا فيما بعد لعناصر إرهابية متطرفة” ويكاد نفس السيناريو يعيد نفسه فى الآونة الأخيرة، وكانت هذه التجربة السوفيتية فى ثمانينات القرن الماضى التى انتهت بانسحاب مأساوى للقوات السوفيتية عام ١٩٨٩ هى بداية النهاية لسقوط الاتحاد السوفيتى، فهل استفاد بوتين حقاً من دروس تاريخية تكالبت فيها تطورات الداخل السوفيتى مع أخطاء استراتيجية إقليمية مثل دخول أفغانستان انتهت بانهيار النظام وسقوط الحاكم وسقوط أفغانستان فى دوامة حرب أهلية لم تزل دائرة حتى الآن، إذ خرج منها أسامة بن لادن والقاعدة، والحدث التاريخى المدوى فى ١١ سبتمبر ٢٠٠١ التى لم يزل العالم اليوم يعيش آثارها فى المشرق العربى وأوروبا والولايات المتحدة أيضا.


ـ ويظل السؤال المعلق إلى أى مدى، وما هى الحدود التى سيصل إليها التدخل الروسى العسكرى فى سوريا، وما هو حجم هذا التدخل وما هى استراتيجية الخروج المرتقب، أم أنه تورط “غير محسوب” باهظ التكلفة تدفع فيه روسيا الاتحادية نحو مستقبل مجهول تهتز فيه قواعد الاتحاد الروسى وهوامشه الضعيفة فى القوقاز وآسيا الوسطى.