تركيا على أبواب الحرب الأهلية

16/09/2015 - 12:52:24

السيد عبد الفتاح رئيس مركز القاهرة للدراسات الكردية

تهدد الحرب الدائرة الآن فى تركيا بين الجيش والشرطة من جانب وعناصر حزب العمال الكردستانى من جانب آخر، بأن تنزلق تركيا إلى مستنقع الحرب الأهلية الدموية بين الأتراك والأكراد، والسبب الرئيسى فيما تشهده تركيا الآن هو الرئيس التركى رجب طيب أردوغان وسياساته وتمسكه بالبقاء فى السلطة منفردا، وحرصه على أن يظل حزبه العدالة والتنمية هو الحزب الحاكم، دون أدنى رغبة منه فى أن يشرك أى حزب آخر معه.


سياسات وتصريحات أردوغان اليومية تسرعان من انجرار تركيا إلى الحرب الأهلية الدموية والتى ستكون هذه المرة أخطر وأطول، خاصة مع إصرار كل طرف على موقفه، واختياره طريق التصعيد العسكرى وتبنى خيار القوة، بدلا من طريق التفاوض والسياسة لحقن دماء الأبرياء من أبناء الشعب التركى بمختلف قومياته ومكوناته.


المتابع للتطورات الخطيرة اليومية فى تركيا، يدرك أن معدلات الاحتقان تزايدت بشكل مخيف فى الشارع التركى، سواء بين القوميين المتشددين الأتراك، أو الأكراد على الجانب الآخر، ويوميا تشهد شوارع تركيا اضطرابات وهجمات مسلحة على مقرات حزبى الشعوب الديمقراطى والعدالة والتنمية، من المتشددين المنتمين لطرفى الأزمة.. علاوة على تظاهرات رافضة ومنددة بحزب العمال الكردستانى وعملياته المسلحة التى تستهدف رجال الشرطة والجيش التركى، وتسقط العشرات منهم بين قتيل وجريح، وتحمل هذه التظاهرات الحزب المسئولية فى إراقة الدماء ووقف عملية السلام بين الحكومة التركية والحزب . بينما على الجانب الآخر تشهد المناطق الكردية فى جنوب شرق تركيا تظاهرات يومية منددة بالحكومة التركية وممارساتها والرئيس التركى وسياساته التى تسببت فى أن تقف البلاد على شفا الحرب الأهلية، وتتهمه بشكل مباشر بشن حرب على الأكراد، فى محاولة منه لتعويض خسارته فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة.


وليس بعيدا عن الطرفين تتصاعد يوميا الدعوات القومية التركية المتشددة إلى وقف عملية السلام والتفاوض مع الأكراد، ودعا رئيس حزب الحركة القومية إلى إعلان حالة الطوارئ فى البلاد وتأجيل إجراء الانتخابات المبكرة المقرر لها الأول من نوفمبر المقبل.


دميرتاش يحذر من الحرب الأهلية


حذر صلاح الدين دميرتاش، زعيم حزب الشعوب الديمقراطى «الكردى» من أن تركيا «تتجه بصورة متزايدة إلى حرب أهلية»، معربا عن قلقه من ارتفاع وتيرة العنف بين الدولة وحزب العمال الكردستانى، متهما الحكومة التركية بإشعال هذه الحرب، وبالتقاعس عن حماية مقرات الحزب التى تعرضت لهجمات من متشددين فى أكثر من مدينة.. وأعتبر أن تدهور الوضع الأمنى فى جنوب شرق تركيا، الذى تقطنه أغلبية كردية سيجعل من الصعب إجراء الانتخابات القادمة.


وكان دميرتاش طالب قبل أسابيع أعضاء حزبه بالدفاع الشرعى عن أنفسهم فى مواجهة حملات الاعتقال، التى تشنها الشرطة والجيش، وفى مواجهة الهجمات التى يقوم بها متشددون أتراك، مؤكدا أن القانون يكفل للمواطنين حق الدفاع الشرعى عن أنفسهم .


وتشير التطورات اليومية فى المناطق الكردية، سواء العمليات التى يقوم بها الجيش التركى، أو تلك التى ينفذها مقاتلو حزب العمال، إلى أن الطرفين اختار المواجهة والصدام، ولعل ما شهدته مدينة «جيزرة» من مواجهات دموية وفرض حصار عليها من الجيش التركى، خير دليل على ما نقوله، ويكفى للتدليل عليه ما قالته الرئيسة المشتركة لحزب الشعوب الديمقراطى، من أن الحرب الأهلية ستبدأ من «جيزرة».


أردوغان يراهن على الفوضى والحشد القومى


كعادته يراهن أردوغان على أن يسيطر سيناريو الفوضى وما يثيره من مخاوف على الشارع التركى، وهو يعمل ومعه حكومته ووسائل الإعلام التابعة له على تصعيد الأحداث والاحتقان والتحشيد القومى ضد المواطنين الأكراد، وهو ما شهدت الشوارع التركية مؤخرا نماذج له بالاعتداء وقتل شباب أكراد على يد متشددين أتراك، ومهاجمة مقار حزب الشعوب الكردى ووسائل إعلام وصحف معارضة لأردوغان وحزبه منها «حريت» و»ميللت» و»الزمان» .


ولم يخفى أردوغان رهانه هذا فهو قبل إجراء الانتخابات الأخيرة وخلال مؤتمر جماهيرى فى «غازى عنتاب» عندما قال: «هل أنتم مستعدون لجعل تركيا تبنى دستورا جديدا ونظاما رئاسيا من أجل إكمال عملية التسوية مع الكرد ؟ اعطونا ٤٠٠ نائب وسوف تحل المسألة سلميا». وبالتالى فعندما لم يحصل أردوغان على ٤٠٠ نائب، اتجه إلى الخطة «ب»، بإشعال حرب أهلية تدفع الشعب التركى إلى أن يهرع إليه راكعا مانحا إياه هذا العدد من النواب، لكى يقيهم ويخلصهم من الفوضى والحرب الأهلية!!


أردوغان اختار «الحرب» ليصل الأتراك إلى مرحلة يعتبرون فيها أنه لا خلاص لهم منها إلا بالعودة إلى حزبه العدالة والتنمية، على طريقة «أردوغان هو الحل».


يخوض أردوغان حربه مع حزب العمال الكردستانى، وعينه على الداخل التركى بإضعاف حزب الشعوب الديمقراطى الذى يراه الذراع السياسى للعمال الكردستانى، ولتأجيج النزعات القومية المتشددة ضد لدى الناخبين الأتراك فى الانتخابات المبكرة القادمة، وكذلك يخوضها وعينه على الخارج، فهو يريد من وراء هذه الحرب إضعاف شوكة وقوة حزب العمال الكردستانى للتأثير على حناجه السورى حزب الاتحاد الديمقراطى الذى يدير مناطق الإدارة الذاتية فى شمال شرق سوريا على الحدود مع تركيا، وبالتالى يبعد شبح اتصال المناطق الكردية فى البلدين.


علاوة على ماسبق فإنه ومع اشتداد واستمرار الحرب، فإنه سيكون من الصعب وربما المستحيل إجراء الانتخابات المبكرة خاصة فى المناطق الكردية، وبالتالى يستخدم الرئيس التركى حقه الدستورى بتأجيل الانتخابات، وهو إجراء يطيل به أردوغان أمد بقاء حزبه فى الحكم وسيطرته هو شخصيا على السلطة.


ولترسيخ حالة الاضطراب وعدم الاستقرار، أعلنت الحكومة التركية ممثلة فى ولاية ديار بكر جنوب شرقى تركيا، أربعة أقضية تابعة لها «مناطق عسكرية مغلقة» هى مناطق سيلوان وكولب وديجله وليجا، كمناطق عسكرية مغلقة، لغاية الأول من مارس ٢٠١٦. وهو ما فرضه الجيش فى مناطق أخرى، بما يعزز فى النهاية أجواء الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى.


وفى هذا الإطار ليس مستبعدا أن يكون أردوغان وأوغلو قد أوعزا لشباب حزب العدالة والتنمية ومعهم شباب حزب الحركة القومية، بالنزول إلى الشوارع واستهداف مقرات حزب الشعوب، والمنشآت والمحلات المملوكة لأكراد والتعدى عليهم.


إلا أن أردوغان يخطئ حين يعتقد أن هدنة ما بعد الحرب على الأكراد ستوجد حالة من تخويفهم وجعلهم يصوتون له فى الانتخابات، خاصة أن الأمور تتجه نحو التصعيد، وبالتالى فإن هذه المغامرة قد تجر الأمور إلى حرب أهلية مع الأكراد، سيكون لها بلاشك تأثير سلبى كبير على الوضع الإقتصادى والإجتماعى والسياسى الذى سيتأزم إذا ما استمرت الأزمة.


مفاجآت «العمال الكردستانى» تربك حسابات أردوغان


كشفت العمليات النوعية التى نفذها عناصر حزب العمال الكردستانى، منذ بدء عمليات الجيش التركى ضده، عن مفاجآت لم يكن يتوقعها القادة الأتراك وجهاز المخابرات التركى الذى يعتمد عليه أردوغان كثيرا، فهذه العمليات تنوعت من حيث الأساليب والأهداف والانتشار الجغرافى لها، كذلك فإن نتائجها كانت كارثية على الجيش والشرطة التركيين، فقد سقط فيها المئات من الجنود والضباط الأتراك.. علاوة على أن هذه العمليات لم تنقطع يوما واحدا منذ بدء الحرب، ما يؤكد أن تطورا كبيرا طرأ على الحزب ومقاتليه خاصة من حيث التسليح والجانب اللوجيستى الذى عجزت المخابرات التركية عن توقعه ومواجهته.


وجاء الاعتراف الرسمى من جانب أردوغان ورئيس وزرائه ووزراء وقادة جيشه، بأن حزب العمال الكردستانى استطاع تطوير قدراته القتالية والتسليحية طوال السنوات الثلاث الماضية ـ فترة مفاوضات السلام بين الطرفين ـ وقال أردوغان: إن حزب العمال استغل تلك الفترة لتكديس السلاح بكميات ضخمة، وكان أردوغان يحاول بقوله إثبات أنه رغم رغبته الأكيدة فى السلام، فإن الطرف الآخر «الكردستاني» لم يكن لديه الجدية وإنما كان سيره فى المفاوضات غطاء ليساعده على تكديس السلاح، ولكن هذا الاعتراف جلب على أردوغان الانتقادات بأنه «تغاضى» عن هذا وأن ما قام به العمال الكردستانى كان يتم بعلمه وتحت نظره هو وجهاز المخابرات والجيش التركى.


هذه المفاجآت أربكت حسابات الرئيس التركى الذى كان يراهن على تحقيق انتصار سريع على حزب العمال يكسر شوكته ويجعله مضطرا للقبول بالسلام وفق ما يعرضه أردوغان الذى قد يجد نفسه فى النهاية هو المضطر للقبول بالسلام وفق ما يعرضه العمال الكردستانى.


وأخيرا فإن الأجواء كلها فى تركيا والتطورات الخطيرة فى العمليات العسكرية والاحتقان فى الشارع، كلها قد تغرق تركيا فى حرب أهلية يتحمل وزرها رجب طيب أردوغان وحده.