رغم التعاطف الأوربى الغموض يحيط بمشكلة المهاجرين

16/09/2015 - 12:43:00

تقرير: عزة صبحى

مازال التناقض والتباين يسيطران على الموقف الأوربى تجاه مشكلة المهاجرين غير الشرعيين، صحيح أن تعاطف مواطنى الدول الأوربية مع مأساة المهاجرين دفع بعض الحكومات إلى اتخاذ بعض الإجراءات الإنسانية لصالح المهاجرين، لكن تبقى المشكلة بلا حل نهائى طالما استمرت الحروب والفقر التى تدفع البشر للهجرة والبحث عن حياة أفضل مهما كانت المخاطرة.


مثلما كانت ألمانيا قائدة قاطرة الاقتصاد فى الاتحاد الأوربى، ها هى من جديد تقود قاطرة إعلاء القيم الإنسانية داخل دول الاتحاد. ويبدو أن مشهد الطفل إيلان الغريق على شواطئ تركيا ومشهد حشود آلاف المهاجرين غير الشرعيين وهم يهتفون «ألمانيا - ألمانيا» كان أحد أسباب التعاطف الشعبى مع مأساة المهاجرين ودعوة الحكومة إلى اتخاذ مواقف أكثر إنسانية تجاههم.


المستشارة الألمانية ميركل والحكومة الألمانية أظهروا قدرا كبيرا من التغيير تجاه هذه المشكلة بالمقارنة بالشهور الماضية علقت ألمانيا العمل باتفاقية «دبلن» التى تقضى بعودة المهاجر غير الشرعى إلى الدولة التى استقبلته أول مرة داخل الاتحاد الأوربى، كما تعاونت ألمانيا مع المجر والنمسا لتسهيل عبور المهاجرين إلى أراضيها، وأكدت أنها على استعداد لفحص حالات المهاجرين وقبول اللاجئين السياسيين منهم فقط أى هؤلاء الذين تعانى دولهم من حروب وتتعرض حياتهم للخطر هناك .


لكن ألمانيا أكدت أنها على موقفها من رفض المهاجرين لأسباب اقتصادية أيا كانت الدولة القادمون منها وأنها ستعمل على إعادتهم الى بلادهم.


وهنا يجب الإشارة إلى سوء الفهم الذى ساد الكثير من التحليلات وروّج له تجار الهجرة غير المشروعة وغيرهم بصدد التصريح الألمانى، الذى أكد من المتوقع أن يصل عدد المهاجرين إلى ألمانيا إلى ٨٠٠ ألف هذا العام، اعتبر البعض أن ذلك يعنى أن ألمانيا ستقبل هذا العدد من المهاجرين، لكن الحقيقة أن هذا التصريح جاء فى إطار الحديث حول الأعداد المتوقع وصولها إلى ألمانيا من كل مكان بما فيها القادمون إليها من أوربا الشرقية للحياة والعمل فيها؛ حيث أكدت الإحصائيات أن أعداد الذين انتقلوا إلى ألمانيا يزيد على عدد الذين غادروها بمقدار خمسمائة ألف شخص.


موقف الحكومة الألمانية الذى يقوده الحزب الديمقراطى المسيحى لاقى تأييداً شعبياً، لكن أيضا لاقى معارضة حتى من بعض الأحزاب المشاركة فى الحكومة خاصة الجزء الشرقى من ألمانيا الذى شهد تزايد حوادث العنف والعنصرية ضد مراكز إيواء المهاجرين؛ حيث تتواجد فى ألمانيا جماعات ماتعرف بالنازيين الجدد الذين يكنون عداءً واضحاً للأجانب بصفة عامة والمسلمين بصفة خاصة، وتتحدث بعض المعلومات غير المؤكدة أن الكثير من المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون إلى ألمانيا خاصة القادمين من سوريا وأفغانستان يتعرضون لعمليات تنصير متعمدة والتى يقبلها هؤلاء مضطرين لتسهيل حصولهم على الإقامة فى ألمانيا. كما يلقى الموقف الألمانى بعض الهجوم من بعض المنظمات الإنسانية التى تؤكد أن الترحيب الألمانى المفاجئ بالمهاجرين غير الشرعيين يهدف إلى الحصول على أيدٍ عاملة رخيصة لسد الفجوة البشرية التى تعانى منها ألمانيا بسبب تناقص المواليد، أياً كانت الأسباب وراء تغير الموقف الألمانى لكن المؤكد أن وضع دول أخرى لتغيير موقفها مثل النمسا وبريطانيا وفرنسا.


علقت بريطانيا العمل باتفاقية دبلن وأعلنت استعدادها لاستقبال عدد من المهاجرين فى إطار خطة أوربية لتوزيع حصص محددة على دول الاتحاد حسب إمكانيات كل دولة، وكانت الحكومة البريطانية قد تعرضت لانتقادات شديدة خاصة من اسكتلندا بسبب صمتها الطويل حيال أزمة المهاجرين غير الشرعيين. لكن معارضة استقبال المهاجرين فى بريطانيا هى الأخرى مؤيدوها الذين يؤكدون أن الاقتصاد البريطانى لايتحمل مزيداً من البشر كما أكد هؤلاء فتح دول الاتحاد الأوربى أبوابها للمهاجرين قد يؤدى إلى دخول أعداد جديدة خارج بريطانيا من دول أوربية مستفيدة من اتفاقية تشنجن، الأمر الذى سيخلق شعوراً شعبياً معادياً تجاه الاتحاد الأوربى ومن ثمَّ يعرقل عملية انضمام بريطانيا الكامل إلى اتفاقيات الاتحاد والذى سيجرى استفتاءً شعبياً عليه فى الشهور القليلة القادمة.


كان لفرنسا موقف مختلف بعض الشىء داخل الاتحاد الأوربى، ففى الوقت الذى سايرت ألمانيا فى ضرورة قبول المهاجرين فى إطار اتفاق أوربى شامل، وعملت على تحسين ظروف معيشة الآلاف المكدسين فى مدينة كاليه الفرنسية والراغبين فى عبور نفق المانش إلى بريطانيا. وحرصت فرنسا على التأكيد على حقها فى استخدام القوة العسكرية ضد تنظيم داعش فى سوريا الذى ترى أنه أحد أسباب هجرة السوريين فى المناطق التى يسيطر عليها وأكدت أنها ستوجه ضربات جوية إذا لزم الأمر دون التدخل البرى.


على صعيد الدول الأوربية الرافضة لاستقبال المهاجرين، هناك مجموعة «فيزجراد» التى تضم المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا بالإضافة بالطبع إلى الدنمارك، التى أكدت بكل وضوح منذ شهور مع بداية الأزمة أنها خارج الاتفاق الأوربى بهذا الشأن وأن حدودها مغلقة أمام المهاجرين حتى لو كانوا يحملون إقامة دولة من دول الاتحاد، وكانت سيطرة أحزاب يمينية متشددة على الحكومة سبب اتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد المهاجرين حتى الموجود منهم فى الداخل.


تميز موقف دول مجموعة «فيزجراد» المعادى للمهاجرين بالكثير من التمييز والعنصرية؛ حيث أكدت رفضها لاستقبال مهاجرين أو التزامها بأى حصص يحددها، الاتحاد الأوربى وأكدت أنها قد تقبل فقط بعض المهاجرين المسيحيين، وأكدت على رفض المهاجرين المسلمين، وأعلنت خشيتها على الثقافة المسيحية التى تربط أوربا خاصة أنه يوجد فى أوربا بالفعل حوالى عشرين مليون مسلم معظمهم فى فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا. كما أكدت هذه الدولة أنها تشكل مع بعضها جناحاً قوياً فى الاتحاد الأوربى وأنها لن تركع لإرادة فرنسا وألمانيا التى تتصرف بغطرسة داخل الاتحاد الأوربى على أساس أنها الأقوى والأهم.


تباين المواقف وتعارض المصالح داخل دول الاتحاد الأوربى يؤكد أن الوصول الى اتفاق بشأن توزيع حصص المهاجرين على دول الاتحاد أمر شديد الصعوبة، كما أن الاتفاق على معايير تحديد المستحقين للجوء السياسى من عدمه أمر أكثر صعوبة وقد يدعو إلى قمة أوربية طارئة لهذا فى الأسابيع القليلة القادمة فى حال فشل اجتماع بروكسل الأخير الذى ضم الوزراء الأوربيين المعنيين بالأزمة فى التوصل إلى اتفاق شامل.


تباين الموقف الأوربى تجاه مشكلة المهاجرين غير الشرعيين ليس هو السبب الوحيد فى استمرار المشكلة، لكن الأهم هو أنه حتى الآن لم يعمل أى طرف دولى بجدية على حل الأزمة السورية لوقف نزيف المهاجرين الفارين من جحيم الحرية والدمار، فكل الجهد المبذول للتعامل مع المهاجرين وتذليل العقبات أمامهم وهو ماسيدفع مزيداً من السوريين إلى الفرار من بلادهم هربا من خمس سنوات من الحرب، وتؤكد الإحصائيات أن عدد المهاجرين السوريين بلغ أحد عشر مليون شخص، خمسة ملايين منهم فى الخارج خاصة فى دول الجوار، وسبعة ملايين نازحون ومشردون داخل سوريا هرباً من مناطق القتال وكان المقصود إعادة التوزيع السكانى لسوريا أو إفراغها من شعبها.


 



آخر الأخبار