ألغاز .. يا عرب.. ألغاز!

16/09/2015 - 12:02:05

حمدى الكنيسى

كانت قلوبنا تهتز طرباً وسعادة وتفاؤلاً عندما نستمتع إلى أنشودة “أمجاد يا عرب أمجاد” التى اتخذتها “إذاعة صوت العرب” شعاراً لها يجسد معنى وقمة انطلاق “القومية العربية” التى تحركنا - من خلالها - على الطريق الذى يقود إلى المكان والمكانة التى تليق بأمتنا العريقة.


ترى ماذا نراه الآن؟ وهل حقاً لدينا أى أمجاد نفخر ونتباهى بها؟!!.. للأسف انقلبت الأحوال، ولم تعد تلك الكلمات الرائعة تحمل لنا إلا الأسى والحزن والإحباط، فلم يعد هذا زمنها، وحل محلها الشعار الحقيقى الذى يجسد حالة أمتنا فى هذه الأيام التعيسة، وهو: “ألغاز يا عرب ألغاز!!”، وأنا طبعاً لا أقصد بـ “ألغاز” هنا ما منحه الله - مع النفط - لدول عربية كثيرة، وبدلاً من أن يكون سبباً ودافعاً للتقدم واحتلال المكانة اللائقة على الساحة الدولية، تحول إلى سبب ودافع للدول الاستعمارية كى تدس أنفها فى شئوننا الداخلية وتفرض سطوتها على إرادتنا.


إنها - إذن - الألغاز: جمع “لغز” بضم اللام، وكلمة “لغز” هذه فى حد ذاتها تحمل فى طياتها كل ما يخلق مشاعر الحيرة وعدم الوضوح، وهذا بالضبط - يا حضرات - حالنا نحن العرب فى هذه المرحلة التى تمثل منعطفاً خطيراً فى مسيرتنا، بل فى وجودنا.. واسمحوا لى أن أضع أمامكم نماذج لهذه الألغاز التى تحاصرنا:


أولاً: ما جرى لدول الربيع العربى باستثناء مصر، و “تونس التى لم تستعد بعد توازنها”.


حيث نرى ليبيا وسوريا واليمن وقد سقطت كل منها فى مستنقع الصراعات والأجندات الداخلية والخارجية والتنظيمات الإرهابية، بعد أن سقطت فى أيدى المتآمرين والانتهازيين والفوضويين والمأجورين، بما يهدد تماسك ووجود هذه الدول وسط نزيف الدماء، وتدمير سبل البقاء من إمكانيات وهيئات، ومؤسسات وبنية تحتية!!.. فكيف كان إذن الربيع العربى لتلك الدول، وكيف صار خريفا كئيباً، وكيف فشلت القوى الوطنية الثورية الحقيقية فى إجهاض مخطط الخريف، وما سر التقاعس العربى عن نجدتها؟!


ثانياً: الدور المريب الذى تلعبه دولة صغيرة تحمل - للأسف - الهوية العربية، ولا تخفى علاقاتها وارتباطاتها المباشرة والعلنية مع إسرائيل وأمريكا، دون أن تخجل من عمالتها وخيانتها لأمتها، وبالتالى تواصل العمل من أجل تمزيق دول عربية مثل ليبيا وسوريا ومحاولة ضرب استقرار مصر ودول خليجية بالتنسيق مع تركيا وغيرها!


وهنا يقفز “اللغز القطري” ليفرض نفسه، بينما تواصل الدول العربية صبرها الطويل جداً على الإدارة القطرية، وعندما تم تحذيرها منذ عام تقريباً بقطع العلاقات معها، لم تستجب “الدوحة”، وابتلعت وعودها بأن تتخلى عن سياساتها وممارساتها اللعينة، وواصلت أخطاءها وخطاياها غير عابئة بأى ردود فعل لفظية، ومازلنا نتحلى بالصبر العقيم إزاءها وكأننا فقدنا القدرة على تلقين إحدى دولنا الصغرى درساً يجعل إدارتها تفيق.. وتعود إلى الصف العربى المحترم “أليس هذا لغزاً” بالغ الإثارة والاستفزاز؟!


ثالثا: نتمزق حزناً وألماً ونحن نرى دولاً عربية وقد صارت أرضاً مستباحة لكل من هب ودب فتخترق الطائرات الأجنبية مجالها الجوى، وتضرب أهدافاً داخلها دون أى اعتبار للعلاقات الدولية والحقوق المكفولة لكل دولة على أرضها وداخل حدودها، وهكذا نرى سوريا “قلب العروبة النابض” تستبيح أرضها طائرات حربية قادمة من تركيا وأمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا وأستراليا.. لتقوم بتصوير كل ما يدور على الأرض السورية، وضرب وتدمير ما تشاء.. من بشر ومساكن ومؤسسات، وتتذرع الولايات المتحدة بحجة مساندة ما تسميهم قوى المعارضة المعتدلة حتى تسقط نظام بشار، وتتذرع - مع الدول الأخرى - بحجة ضرب داعش وغيرها من تنظيمات إرهابىة وهذا ما لا يحدث كما يشهد الواقع الحي!


وعندما تنطلق من جديد محاولات الحل السلمى الذى ينقذ الدولة الشقيقة من التمزق والتفتت، تفرض أمريكا شرطها المريب بألا يكون بشار طرفاً فى الحوار من أجل الحل، وهكذا تعود القضية إلى الصفر ويسقط مزيد من مئات الآلاف القتلى والجرحى والغرقى الذين يفشلون فى الهجرة والهروب من القتل والدمار على أيدى الإرهابيين التكفيريين من داعش وأمثالها بينما تستنزف قوات الدولة فى مواجهة المعارضة بأشكالها وأهدافها المختلفة خاصة بعد دخول قوات خاصة أمريكية وبريطانية للأراضى الليبية واشتراكها فى مهاجمة قوات الدولة!!


ويتكرر المشهد المأساوى فى العراق حيث تخترق الطائرات الحربية التركية والإيرانية الأجواء العراقية وتقتل من تستهدفهم من أكراد وغير أكراد بينما تلعق الدولة جراحها وتواصل انهيارها الطائفى الذى أشعله الغزو الأمريكى صاحب السجل الأسود فى قتل وإصابة وتهجير ملايين العراقيين.


وإلى ليبيا تتجه الحقائق المريرة، فالطائرات التركية والقطرية تستبيح أرضها بما تحمله من أسلحة ومعدات لمليشيات الإخوان والتنظيمات التكفيرية، كما ترسو السفن المعادية على الشواطئ الليبية لتقدم المزيد من الأسلحة والمعدات التى يستخدمها المتواطئون من أجل تمزيق الدولة وتفتيتها، وعندما تستغيث الحكومة الليبية الشرعية ويستغيث البرلمان الشرعى، ويستغيث الجيش الوطنى من أجل إمداد الدولة بالسلاح الذى تواجه به الإرهابيين والمتآمرين يظهر اللغز الأمريكى الأوروبى المتمثل فى استمرار قرار حظر تسليح الجيش الليبى ويظهر طبعاً اللغز العربى حيث يختفى أى صوت عربى ضد الموقف الغربى الأمريكى، كما يتأجل أى دعم من القوة العربية المشتركة، ليستمر تدهور ونزيف الدولة الشقيقة!!


وما شهدته وتشهده اليمن ليس ببعيد عن الواقع العربى المحزن، فجرائم الحوثيين ومسانديهم من قوات على عبدالله صالح، لا تتوقف، والضحايا من الشعب اليمنى الشقيق يتزايدون، ومحاولات المملكة السعودية ودول التحالف لإيقاف السرطان الحوثى العنصرى.. لا تتوقف.. ونزيف الدماء لا يتوقف، ومخطط التقسيم والتمزيق لا يتوقف!.. فى غياب الإرادة العربية والموقف العربى الموحد!!


يحدث ذلك كله: استباحة فاجرة للأراضى العربية، ومخططات فاجرة لتمزيق وتفتيت دولنا العربية فى إطار مخطط الشرق الأوسط الجديد الذى يعرف القاصى والدانى حقيقته وأبعاده وأهدافه!! يحدث ذلك دون أن تجد إجابة شافية توضح لغز استسلام أمتنا العريقة لحالة السلبية والتخاذل فلا نجد موقفاً له قيمته من المدعوة “جامعة الدول العربية” ولا نجد تحركا نتمناه من القوة العربية المشتركة التى فرحنا وهللنا وتفاءلنا بها عندما صدر قرار تشكيلها وقلنا لأنفسنا: أخيراً صارت لدينا الإرادة والقوة المشتركة التى يمكن أن تحفظ ماء وجوهنا، وتساند ليبيا فى محنتها، وتستكمل جهود تحرير اليمن من المؤامرة الحوثية، وتنقذ العراق قبل سقوطه فى الحرب الأهلية، وتأخذ بيد سوريا من مصيبتها مهما كانت خلافاتنا مع بشار شخصياً، ومع إيران التى تسانده، بدلاً من أن نترك الدولة الشقيقة وهى تتمزق أمام أعيننا وتتلاشى وتختفى من الخريطة العربية لتحل محلها دويلات وكيانات طائفية هزيلة لا تملك إلا أن ترتمى - مكرهة - فى أحضان إسرائيل!!


و.. عفواً يا “أمجاد يا عرب أمجاد” لأننا صرنا فى زمن “ألغاز يا عرب ألغاز”، ولن يرحم التاريخ المتقاعسين والمتواطئين.


“إيلان” يطاردنا.. ويطاردهم


سيظل الطفل السورى “إيلان” الذى ألقت مياه البحر جثته على شواطئ تركيا شبحاً يطاردنا نحن العرب ولا يتوقف عن اتهامنا بالتقصير والتقاعس وقبولنا بما تعرض ويتعرض له الشعب السورى العزيز منذ أطلق “الإخوان” ثورة الربيع هناك، وأخطأ “بشار” فى التعامل مع الثوار الحقيقيين مما أتاح الفرصة لأعداء الداخل والخارج لكى يشعلوا الثورة الدموية وتسقط سوريا تحت أقدام التنظيمات الإرهابية، والمخططات الإسرائيلية الأمريكية، ومثلما يطاردنا شبح الطفل الغريق “إيلان” سوف يطارد الأوروبيين والأمريكان والمجتمع الدولى كله الذى التزم الصمت، إزاء ما يتعرض له الشعب السورى كوصمة على جبين الجميع الذين لم يتركهم شبح “إيلان”.