تصف أعماله باللوحات النغمية .. عمر خيرت .. موسيقاه تتحول إلي طاقة إيجابية في نفوس الجماهير

14/09/2015 - 10:30:46

عمر خيرت عمر خيرت

كتبت - د. رانيا يحيى

جماهيرية حفلات عمر خيرت تلفت الأنظار ..فهى تتويج لمشوار نجاح جعله نجم الموسيقى البحتة تربع على عرش قلوب محبيه واستحوذ على إعجابهم ليس فقط بموسيقاه الجميلة الإيقاعية الرشيقة ذات الجمل اللحنية الهادئة التى يسهل تمييزها والمقربة لنا كمجتمعات شرقية، وكانت شخصيته الهادئة وطباعه الخلوقة وتواضعه الجم مع الجميع هو ما يجذب إليه المتلقين من كل مكان متهافتين على رؤيته والاستمتاع بفنان يندر مثله فى هذا الزمان.


وهذا البعد الإنسانى له أثر كبير على إنتاجه فهذه الشخصية الهادئة تميل للعزلة إلى حد الانطوائية وأعتقد أن لها دوراً فى أسلوب مؤلفاته وأعماله التى تعبر درامياً وتفاعلياً عما تواريه هذه الشحنة الإبداعية. هذا الفنان ظهرت موهبته فى سن مبكرة عندما اكتشفه عمه الموسيقى الرائد أبو بكر خيرت وشجعه فأصقل الموهبة بالدراسة فى الكونسيرفتوار حيث تعلم عزف البيانو ودرس العلوم الموسيقية والنظرية المختلفة ،واستكمل دراسة التأليف بلندن ثم خطا أولى خطوات الحياة العملية كعازف للدرامز ثم مؤلف موسيقى أزاح العوائق فى وثبة نجاحاته المتتالية، وحقق شعبية وجماهيرية غير مسبوقة ،وساعد بفنه على الارتقاء بالذوق العام ،والنجاح الساحق لحفلاته فى أى مكان هو أكبر دليل على فنه ونجوميته كمؤلف وعازف، لعبت موسيقاه دور المحلل السيكولوجى الذى يذيب كل الطاقات المشوشة والمهدرة لتتحول إلي طاقة إيجابية فى نفوس جماهيره لها قدرة على الإنتاج والإبداع بكل صوره. وتأثر خيرت بروافد موسيقية متعددة منها الموسيقى الشعبية والشرقية نتيجة للبيئة التى عاش فيها فى وسط القاهرة بالقرب من حى السيدة زينب باعتباره واحداً من الأحياء الشعبية، وكذلك الثقافة الواسعة والأنواع المختلفة من الفنون التى تلقاها من الصالون الثقافى الذى أقامه جده محمود خيرت المحامى والشاعر والأديب والموسيقى، وكان هذا الصالون ملتقى الأدباء والكتاب والمفكرين وأهل الفن مثل محمود درويش وطه حسين ومصطفى رضا ومحمد حسن وغيرهم كثير مما أكسب عمر خيرت الطفل ثقافات فى كل المجالات الفنية والأدبية، وبالإضافة إلى ذلك تأثره بالموسيقى الغربية فى سنوات التعليم وأيضاً موسيقى الجاز فى بداية مرحلة الشباب، وهو ما جعل منه نبعا وفيضانا للألحان الموسيقية الرشيقة والجمل التى يسهل ترديدها فموسيقى عمر خيرت السهل الممتنع حيث تبدو سهلة فى سماعها لكن تتسم بعض أعماله بالصعوبة والتعقيد فيما بين العناصر الموسيقية المكونة للعمل ذاته مثل الهارمونى والكنترابينط وتشابك الألحان والإيقاعات فى جديلة واحدة متناسقة كلوحة فنية رائعة يبدع فى تصويرها وإبراز جمالياتها بالتركيز على بعض الآلات الموسيقية التى تتبادل الأداء المنفرد وكأنها الألوان الزاهية التى تجتذب أنظار مشاهديها فى رقة وهدوء رغم ما تبعثه من حالة وجدانية براقة ومتفائلة بسماع تلك الألحان التى تمزج بين الشرقية والغربية ولا تستطيع أن تحدد سوى أنها من إبداع عمر خيرت لقدرته على وضع بصمة شخصية لأعماله تجعلك تحدد من الوهلة الأولى أنك تقف بكل الإعجاب أمام لوحة فنية سمعية بفرشاة نغمية ترتسم كل معانى الحب والجمال.


لقد نجح عمر خيرت فى توظيف نغمات السلم الموسيقى بما يتوافق مع الشعوب العربية مناجيا أحاسيس ومشاعر تتدفق فيها الجمل الموسيقية بانسيابية الهارمونيات والإيقاعات والمقامات التى تخلق جملاً لحنية غاية فى الرقة والجمال، كأنها شخص يخاطب مكنونك بكل ما فيه من أفراح وأحزان وتناقضات وانفعالات ،لكن أيضاً بما لديها من ملكات إبداعية كأنها طاقة تتفجر بقوة فتمنحك شحنات نفسية هائلة.


ومن أهم ما يميز موسيقى عمر خيرت فى الحقيقة عدة أمور منها شخصيته الموسيقية الخاصة به واهتمامه بالعلوم والنظريات الموسيقية ،وتعايشه الداخلى فى تلك العناصر الموسيقية الأساسية الميلودى والإيقاع والهارمونى، واستخدامه للإيقاعات بشكل ملحوظ، بالإضافة لاطلاعه على موسيقات أخرى غير الكلاسيكية والتى استفاد منها كثيراً، ولموسيقاه بصمة مميزة مزج فيها بين سحر الشرق من ناحية وقواعد وأساليب التأليف الغربى من ناحية أخرى ،وكل هذه العوامل مجتمعة خلقت منه مؤلفاً لديه شكل مميز يسهل من خلاله التعرف على أعماله بمنتهى اليسر. وبالرغم من عدم وجود موسيقى خالصة بمعناها الصريح فى الشرق حيث لا تزال الموسيقى مرتبطة بالغناء فقط فى أغلب الأحيان ،وأيضاً رغم وجود مؤلفين موسيقيين متميزين أمثال حسن رشيد ويوسف جريس وأبو بكر خيرت إلا أن أعمالهم الأوركسترالية تحتاج لجمهور خاص لديه القدرة على تذوق الموسيقى الكلاسيكية الرفيعة كما فى دول العالم المختلفة ،ولذا كانت إبداعات عمر خيرت وسيلة لمساعدة الناس على التعرف والتقرب من الموسيقى البوليفونية متعددة التصويت ذات التوزيعات الهارمونية عن طريق أعماله.. ومنذ اللحظة الأولى تستطيع أن تحدد هذا الانفراد فى شخصية موسيقاه ،وخاصة تعامله مع آلات الأوركسترا مثل آلات النفخ النحاسية مثل الترومبيت والترومبون والكورنو مع الاهتمام بالترومبيت بشكل خاص حيث يضع لها ألحاناً مميزة في أغلب أعماله، كذلك توظيف آلات الإيقاع الغربية والشرقية معاً فى جديلة متناسقة تماماً، مع المزج بين روح موسيقانا الشرقية والموسيقى الغربية بالتعامل مع بعض المقامات الشرقية وتوظيفها داخل مؤلفاته ذات الطابع الكلاسيكى مما يضفى لوناً مبهجاً ومستحدثاً على موسيقانا، مع وجود الهارمونيات بكثرة واستخدام التلوين الصوتى من الآلات المختلفة مما يبرز طبيعة صوت كل آلة فى منطقة محببة لديه تمتع الجماهير، كذلك آلات النفخ الخشبية التى يلقى عليها دور البطولة فى كثير من المؤلفات فتزيد من جمال وبريق الألحان ،أما عن آلة الهارب بصوتها الرقراق الرنان فيلقى على عاتقه بعض الألحان المنفردة التى تميز مؤلفاته.. وبالنسبة لكتابته المتميزة للوتريات فغالباً يبنى جملاً لحنية معبرة عن مشاعر إنسانية معينة مثل الفرح والحزن والبهجة والقلق والتوتر وغيرها من الأحاسيس التى يستطيع تجسيدها من خلال موسيقاه وذلك باستخدام بعض التقنيات فى الآلات الموسيقية مثل الترعيد والزغردة واستخدام الكروماتيك بجانب الزخارف اللحنية والضغط التى توحى ببعد جمالى وحسى فى مؤلفاته، بالإضافة إلي الاعتماد على الصمت أو السكتات أحياناً كجزء من الإحساس الموسيقى في بناء الجملة.


ونلحظ فى كثير من أعماله وضع مقدمة موسيقية هائلة من الأوركسترا تعتمد على الشكل الأقرب للموسيقى الكلاسيكية في الكتابة والتوزيع أكثر منها للموسيقى العربية، وكثيراً ما يضع خيرت انطباعه الأولى فى جملة موسيقية صغيرة حوالى أربع مازورات تكون الخيط الذى تبنى عليه الموسيقى بأكملها، حيث يبدأ فى تكبير هذا الخيط بالأساليب التقنية للتأليف عن طريق تفاعلها ووضع الهارمونيات والكنترابينط المناسب واختيار الآلات وتوزيعها حتى تظهر فى شكلها النهائى، ولا يمكن أن نغفل دور آلتى القانون والعود كآلات شرقية ذات طبيعة صوتية لها رنين تنسجم له العواطف وسط الجمع الهائل من باقى آلات الأوركسترا وتضفى الروح الشرقية بعبقرية توزيعه الأوركسترالى،أما آلة البيانو بما فيها من قدرة على أداء الألحان البوليفونية المتعددة فتسيطر على شكل موسيقاه السلسة والموتيفات القصيرة التى يسهل تكرارها للمتذوق العادى بأدائه التلقائى المبهر والتى تضفى جواً جمالياً ومميزاً لموسيقاه.


وفى واقع الأمر كان للموسيقى الدرامية للفنان عمر خيرت فضل كبير على جماهيريته الكبيرة وذلك لأنها أقصر الطرق للوصول إلى الجمهور نظراً لتعلق الشارع المصرى بكل طوائفه وفئاته بالأعمال السينمائية والمسلسلات التليفزيونية، بالإضافة إلي ما قامت به الدراما من تسهيلات حيث أنفقت على مؤلفاته عن طريق توفير أوركسترا ومهندسين صوت وخلافه فأعماله الموسيقية جميعها موزعة للأوركسترا مما يتطلب تكاليف مادية كبيرة قامت الدراما بتيسيرها مما ربطها بنفوس الجماهير المصرية والعربية ..الحقيقة أننا بصدد التحدث عن فنان رائع ومبدع وإنسان مرهف الحس والمشاعر استطاع أن يرتقى بالذوق العام وسط ما نعانيه من تدن لذلك سيظل عمر خيرت علامة مهمة من علامات الموسيقى المصرية فى هذا القرن.