محاولة فهم

10/09/2015 - 10:57:34

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

يقولون على قدر حب المرأة يأتي انتقامها، ولكني أقول على قدر قهر المرأة يأتي انتقامها، فالمحب حقا لا ينتقم مهما واتته الفرصة، كما أن السوي لا يحب من يقهره، ومن يستطيع الحب هو إنسان سوي، فالمرضى بآفات نفسية لا يمكنهم أبدا أن يحبوا حبا حقيقيا، لذلك فالإنسان الذي يملك قلبا سويا إذا أحب بصدق ووجد من يحبه ظالما له، فهو إما يحاول إصلاحه، وإما تنفض الشركة من أساسها، لذلك فالمرأة التي تحيا في ظل رجل تشعر معه بالقهر والاستبداد، إنما تستمر العشرة بينهما لسبب من اثنين: إما أنها مريضة نفسيا، وإما أنها تجد في صحبته مكاسب لا يمكنها التضحية بها، قد تكون مدركة سبب استمرارها، وقد تكون- وهذا هو الخطير- متصورة أن تحملها ما هو إلا صبر وحكمة، لذلك فعندما تزول المكاسب التي تجنيها من مرافقته تبدأ الحقيقة في خلع القناع، نفس الكلام ينطبق على الرجل الذي يرضى بالاستمرار مع إنسانة تقهر وجوده وتقسو عليه.


***


الإنسان الذي يستمر في صحبة تقتات على كرامته وتنهش كبرياءه، وتحطم حياته، هو ليس ضحية إلا إذا كان بالفعل مريضا تأخر علاجه، أما إذا لم يكن مريضا فهو شخصية لا تستحق الشفقة، هو شخصية مستغلة حيث إنه في سبيل تحقيق منفعة شخصية غض الطرف عن سلوك معوج  لشريكه، وبذلك هو مشترك في الخطأ، ولا يجب أبدا أن نتعاطف مع إنسانة أو إنسان جاء بعد عشرة طويلة يئد من ساهم في إخفاء تجاوزاته، هذا الإنسان لا يمكن أن يكون صاحب مبدأ لأنه تنصل من نصيبه في جريمة اشترك فيها بالفعل ووافق عليها فشجع شريكه على الاستمرار.


***


كنا في حديث بعض الأصدقاء وأنا عندما تطرق كلامنا عن صديقة لنا أحدثت مشاكل كثيرة وشروخا بأسرتها بسبب تفضيل أبنائها الذكورعن الإناث، هنا انبرى أحد الجالسين دفاعا عن البنات، عنده بنات وبنون، لكنه يفضل إنجاب الأنثى، جلست أراقب وأتابع كل من تحدث، من يشجع إنجاب الذكور يؤكد أن الابن هو الذي يصبح مسئولا عن رعاية والديه عندما يتقدم بهما السن، وهو الذي يحملهما إلى القبر، ومن فضلوا الإناث، قالوا إن الفتاة تتمتع بحنان وحب طبيعيين لوالديها لدرجة أنها تلازمهما حال مرضهما وتفرح معهما في المناسبات والأعياد، وتملأ البيت عليهما بالأولاد، أما الولد عندما يتزوج  فهو دائم التواجد مع زوجته عند أهلها، لذلك فإنجاب الولد في نظرهم تصدير، بينما البنت استيراد!! كل ما يقال في هذا المجال بهذا الشكل وإن اختلف الأسلوب هو يدل على والدين ينظران نظرة سطحية وأنانية، لأننا في هذه الحالة إنما ننظر لأولادنا  ذكورا كانوا أم إناثا، نظرة نفعية باعتبارهم استثمارات مؤجلة ندخرها للشيخوخة، الإنسان السوي يعرف قيمة الفلذة أيا كان نوعها ويشكر العاطي ويتمنى دوام النعمة والبركة، أما من يعاني تفضيلا لأحد النوعين فلابد أن يراجع نفسه لأن هذا يعني رواسباً نفسية عليه أن يواجهها ويعالجها، فالمرأة التي تحزن لإنجاب الفتيات هي امرأة إما تحتاج حماية رجل، وإما أنها عانت من ظلم  بسبب كونها امرأة فتشوهت نفسيتها، وإما أنها تريد التباهي والتفاخر لأنها مدركة أن المجتمع يحتفي بالذكر، وهناك سبب آخر مهم، قد تكون هي نفسها عانت من نفسها سلوكا معوجا في فترة من فترات عمرها، ولا تريد أن تبتلى بمن تأتي على شاكلتها، أما المرأة التي تكره إنجاب الذكور، فقد عانت الكثير جدا ما أفقدها حبها لهذا النوع، يكفي رجل واحد في البيت وهو زوجها، تريد أن تعوض بناتها ما افتقدته من حنان واحترام، لذلك فهي أم تفسد البنين والبنات معا، أما الرجل الذي يكره إنجاب الفتاة، فهو قد يكون قلقا بشأن وضعه في المجتمع الذي لا ينظر بعين الرضا لرجل لا ينجب إلا الفتيات، هو يريد الصبي لتقوى شوكته وقدره، وإما يكون قد أفلت منه عياره في وقت من أوقات شبابه فلم يعد يحترم المرأة من نماذج مشوهةعرفها، هو هنا بينه وبين نفسه يعرف أنه مشارك في الخطأ، لذلك يحاول أن يبتعد عن عقاب القدر له، أما الرجل الذي لا يفضل إنجاب الذكور- وهو عملة نادرة- فهو يعاني بشدة طفولة وسط أم يعشقها وأب يقسو عليها وهي لا ترد الإساءة، يريد فتيات حتى يعوضهن ما رآه من ظلم في طفولته، وإما هو رجل طاووسي إلى درجة مرضية، يريد أن  يكون هو الرجل الوحيد في بيت كله بنات حواء من أول زوجته حتى بناته ليتميز ويتلقى كل آيات الرعاية والتدليل.


تفضيلنا للولد أو للبنت قد يكون طبيعيا لو سار في مسار متوازن، فمن حق أي إنسان أن يتمنى وأن يميل ميلا متوازنا نحو نوع يريد أن ينجبه، لكن ليس من حقه أن يبطر النعمة، لأنه في هذه الحالة إنما يخالف ناموس الطبيعة الذي يجعل شرايين الحنان تتدفق بين أوصاله لمجرد أن يرى فلذته، صبيا كان أم فتاة.