تحية لمهرجان الإسكندرية الذى كرَّمه انتبهوا أيها السادة .. إنه محمود ياسين

09/09/2015 - 2:56:25

كتب - محمد الحنفى

لم يكن غريباً أن تهتز قاعة المؤتمرات الكبرى بمكتبة الإسكندرية من قوة التصفيق الحاد والحار على مدى ٥ دقائق كاملة فى حفل افتتاح الدورة الـ٣١ لمهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى لدول حوض البحر الأبيض، بمجرد أن سمع الحضور صوت الفنانة السكندرية نيرمين الفقى «مقدمة الحفل» ينطق باسم فتى الشاشة الأول اللورد والفنان الكبير محمود ياسين الذى أطلق اسمه على هذه الدورة تكريماً له على عطائه الفنى العظيم طوال نصف قرن قدم خلاله ١٥٥ فيلماً سينمائياً على الأقل بخلاف المسرحيات والمسلسلات.


بتواضع الفنان ينحني ياسين للحضور والجمهور طوال مدة التصفيق حتى سالت دموعه من حفاوة الاستقبال، ولم يتوقف التكريم عند حدود حفل الاستقبال بل نظمت إدارة المهرجان ندوة للفنان العملاق حرص على حضورها عدد كبير من الفنانين والفنانات الذين عبروا عن حبهم له، وبدأ كل منهم يقص بعض الحكايات عن كواليس عمله معه، وكيف كان يسانده ويدعمه ويعلمه، أما الحاجة «شهيرة» شريكة العمر ورفيقة الكفاح فقد أدلت بدلوها وكشفت للحضور كيف وقع فتى الشاشة الأول في غرامها، وكذلك تحدث الفنان الشاب عمرو ياسين عن محمود الأب، كيف ينصحه ويتناقش معه في كافة الأمور.


التحية واجبة لإدارة مهرجان الإسكندرية في دورته الحادية والثلاثين، ممثلة في أصدقائي الأمير أباظة «رئيس المهرجان» ومحمد قناوي «الأمين العام» وقدري الحجار «نائب الرئيس» على نجاح فعاليات هذه الدورة، التي طغت عليها روح الشباب وأفكاره، تحية لهم على المجهود المبذول والإيجابيات الكثيرة التي حققتها الدورة الحالية خاصة الندوات المهمة التي عقدت على هامش الفعاليات، وكان من أبرزها ندوة المخرج الكبير «محمد عبد العزيز» الذي وضع فيها يده على أوجاع السينما المصرية، وندوة الفنانة «سوسن بدر» التى كرَّمها المهرجان عن مجمل أعمالها، ثم ندوة الفنان السوري الكبير «دريد لحام» ، وكان تأبين الفنان الراحل نور الشريف من خلال ندوة حضرتها ابنته مي لفتة عظيمة تضاف إلى إنجازات المهرجان الذي يحسب لإدارته إطلاق اسم الفنان الخلوق والمتواضع والمثقف محمود ياسين على هذه الدورة.


ولاشك أن من اقترب من «اللورد» ابن بورسعيد وعاشق المسرح وصاحب الأداء والإلقاء المتمكن من لغته وأدواته، والذي سيكمل عامه الخامس والسبعين في شهر فبراير من العام القادم ، قد لمس فيه دماثة الخلق والتواضع والحميمية في التعامل مع الجميع.


لم يصِبه الغرور ولم يتفوه بلفظ جارح أو خارج، وإذا فتشت في سجله الفني فلن تجد سقطة واحدة!


التقيته عدة مرات فى حوارات للمصور، وكان أولها في «استوديو ٥ «عندما كان يصور مسلسل «اللقاء الثاني» مع الفنانة القديرة بوسي والمخرج الراحل الكبير يحيى العلمي ،كما التقيته أيضا أثناء تصوير مسلسل «سوق العصر» الذي أبدع فيه كثيراً.


وفي أوائل التسعينيات كنت جاره لمدة سنة تقريبا، أمُر يومياً من أمام فيلته بشارع علوبة في محطة مدكور بين شارعي فيصل والهرم بالمناسبة، لماذا لايقرر محافظ الجيزة إطلاق اسم محمود ياسين على هذا الشارع ؟ المهم أننى كنت آراه كثيراً يستقل سيارته الأولدز موبيل البيضاء الطويلة الحجم، وأتصور أنه مازال يحتفظ بها لأنه من النوع العشري الذي لا يفرط في الشىء بسهولة، يحيي كل من يلتقيه من جيرانه أو المارة في الشارع، كنت أرى أيضا رانيا وعمرو في بدء شبابهما، شقيقان متحابان مرتبطان ببعضهما كثيراً، وشاءت الظروف أن أتعامل مع رانيا عن قرب بعد زواجها من الصديق الفنان المهذب المتدين والخلوق محمد رياض الذي رأت فيه رانيا كثيراً من خصال والدها، أما الفنانة المعتزلة شهيرة أو الحاجة كما يلقبها أهل الفن فهي كعادتها مبتسمة دائما، ترى أنها كانت محظوظة بزواجها من محمود ياسين وربما كانا الفنانين الوحيدين اللذين استمرت حياتهما الزوجية ـ اللهم لا حسد ـ في هدوء دون منغصات أو أزمات، وهذا يرجع قطعاً للحب الكبير بينهما فضلا عن تفهم كل منهما للآخر خاصة شهيرة التي تعاملت بصدر رحب وأفق واسع مع الشائعات التي طالت زوجها وهو النجم المشهور وفتى الشاشة الذي شاركته البطولة نجمات بحجم شادية، وفاتن حمامة، وميرفت أمين، ونجلاء فتحى، وسهير رمزي وغيرهن، وعندما اتخذت قرار الاعتزال والحجاب أيّدها محمود ياسين على اعتبار أن القرار قرارها، بموجب صيغة التفاهم المشتركة الموثقة بينهما!


أعود إلى المشوار الفني الطويل والرصيد الضخم للفنان الكبير محمود ياسين الذي بدأه فور تخرجه من كلية الحقوق جامعة القاهرة في أوائل ستينيات القرن الماضي على خشبة المسرح التي ظل يحلم بها أثناء فترة دراسته، لذلك تقدم بعد تخرجه مباشرة لمسابقة في المسرح القومي، وجاء ترتيبه الأول في ثلاث تصفيات متتالية.


ليبدأ رحلته الحقيقية مع الفن واستطاع أن يقدم أكثر من ٢٠ مسرحية أبرزها: “وطني عكا” و”عودة الغائب” و”واقدساه” و”سليمان الحلبي” و”الخديوي” و”الزير سالم” و”ليلة مصرع جيفارا” و”ليلى والمجنون”، كما تولى إدارة المسرح القومي لمدة عام ثم قدَّم استقالته.


وفي السينما بدأت رحلته بأدوار صغيرة في أفلام “القضية ٦٨” و”شيء من الخوف” و”حكاية من بلدنا” ويكفي أنه لعب بطولة فيلم «نحن لا نزرع الشوك» بترشيح من المخرج الراحل حسين كمال أمام دلوعة السينما الفنانة الكبيرة المعتزلة شادية، التي وقف أمامها مرة أخرى في فيلم « الشك يا حبيبي « ، ثم من منا لا يذكر له فيلم «الخيط الرفيع» الذي وقف فيه أيضاً أمام سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة لأول مرة، وهى التى أصرَّت وراهنت عليه بطلاً أمامها، رغم عدم اقتناع المنتج الكبير الراحل رمسيس نجيب بموهبته وقتها!


ويبدو أن إصرار فاتن وتمسكها بمحمود كانا بوابة المجد له والنافذة التي أطل منها على عالم النجومية إلى الحد الذي جعله يلعب بطولة حوالي ١٠ أفلام فى سنة واحدة.


ولم تتوقف مشاركة محمود لفاتن على هذا الفيلم فقط بل مثّل معها فيلمي «حبيبتي» و»أفواه وأرانب» !


وبمناسبة فيلم «الخيط الرفيع» للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس ذكرت سيدة الشاشة موقفاً لم تنسه حين تلفظت بإحدى الشتائم فى أحد المشاهد قائلة “ياكلب يا ابن الكلب”، وبعد أن انتهى المشهد شعرت فاتن باستياء شديد، وحدثت المخرج الراحل هاني بركات لكى يحذف ذلك المشهد، لكنه رفض وتمسّك به لأنه جاء بتلقائية شديدة، وظل ضميرها يؤرقها لمدة أسبوع كامل لم تستطع فيه النوم!


وانطلق الشاب الوسيم الفارع الطول فى مضمار السينما ليصبح فتاها الأول والقاسم المشترك لكل نجماتها تقريبا حتى إنه لعب بطولة ١٠ أفلام في سنة واحدة وكانت بعد نصر أكتوبر ٧٣ ، ولعل أشهر ما قدمه «اللورد» في السينما «أنف وثلاث عيون» و»الرصاصة لا تزال في جيبي» و»بدور» و»العذاب فوق شفاه تبتسم» و» مولد يا دنيا « و» العذاب امرأة « ، و»الصعود إلى الهاوية « ثم كانت النقلة الكبرى لمحمود ياسين في فيلم « انتبهوا أيها السادة» الذى تخلّى فيه عن وسامته وجسّد دور «الزبال» في تحدٍ يُحسب له وحصد عنه عدة جوائز!


بمناسبة الجوائز كان محمود ياسين صائداً ماهرا لها حتى بلغت حوالي ٥٠ جائزة من مختلف المهرجانات في مصر وخارجها، فقد حصل ياسين على جوائز التمثيل من مهرجانات طشقند ١٩٨٠م، والسينما العربية في أمريكا وكندا ١٩٨٤م، وعنابة بالجزائر ١٩٨٨م، بالإضافة إلى جائزة الدولة عن أفلامه الحربية ١٩٧٥م، وجائزة الإنتاج من مهرجان الإسماعيلية ١٩٨٠م.


كما تم اختياره رئيساً لتحكيم لجان مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون عام ١٩٩٨م، ورئيس شرف المهرجان في نفس العام، إلى جانب اختياره عام ٢٠٠٥م من قِبل الأمم المتحدة سفيراً للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع لنشاطاته الإنسانية المتنوعة.


وفي التليفزيون كان لمحمود ياسين أعمال بارزة منها «الدوامة» مع الفنانين الكبار نيللى، ومحمود عبد العزيز، ونادية الجندى، ويوسف فخر الدين، ووحيد سيف، ونعيمة الصغير، ومحمد توفيق ، والمخرج الكبير ملك الشاشة نور الدمرداش، هذا المسلسل عرض في شهر رمضان عام ١٩٧٤ وكان يحبس الناس في البيوت لمشاهدته ويعد أهم العلامات البارزة في تاريخ الدراما المصرية، وقدم بعده الأفيال، وأيام المنيرة، وسوق العصر الذى استعرض فيه عضلاته الفنية وفاز بالجائزة الذهبية عن دوره فيه، وكذلك أبدع في «العصيان» بجزءيه، و»جمال الدين الأفغاني»، و»الطريق إلى القدس»، و»ماما في القسم» وغيرها من المسلسلات الناجحة، وكان من المفترض أن يشارك الزعيم عادل إمام بطولة مسلسل «صاحب السعادة» لكنه اعتذر بشكل مفاجئ بعد أن بدأت البروفات، وقيل وقتها إنه لم يتفاهم مع رامي عادل إمام مخرج المسلسل؛ فآثر الرجل السلامة وانسحب في هدوء ليحل محله الفنان الكبير خالد زكى.


ولأنه حريص جداً على اسمه وتاريخه؛ رفض محمود ياسين أعمالاً كثيرة رآها لا تليق، وهنا تتجلى قيمة الفنان الكبيرالذى نعده باحتفال كبير العام القادم في دار الهلال بإذن الله بمناسبة عيد ميلاده الماسي، وأقول للمسئولين عن الفن في مصر « انتبهوا أيها السادة» .. إنه محمود ياسين !.