كلما سقط.. يسقط معه الكبار محمد فودة.. النهايــــة الدرامية لسمسار الفساد

09/09/2015 - 1:57:26

  فودة حرص على الالتصاق بالصحفيين والإعلاميين فودة حرص على الالتصاق بالصحفيين والإعلاميين

تقرير: محمد حبيب- مصطفى الشرقاوي

نهاية درامية، هكذا هو الحال بالنسبة لمحمد فودة الذى تم القبض عليه الأسبوع الماضى وآخرين فى قضية فساد ورشوة مقابل تقنين ٢٥٠٠ فدان على الطريق الصحراوى، وكالعادة فى المسلسل المتكرر.. كلما سقط فودة سقط معه الكبار، فى المرة الأولى سقط معه محافظ الجيزة ماهر الجندى ، وهذه المرة سقط معه وزير الزراعة صلاح هلال.. ففودة تخصص فى غواية الكبار ودائما مدخله إليهم مديرو المكاتب والمحيطون بهم.


قبل ساعات من تأهبه لتقديم أوراقه فى انتخابات مجلس النواب عن دائرة زفتى، قامت قوات الأمن بالقبض على محمد فودة، ليتحول حلمه فى الحصول على الحصانة البرلمانية الى كابوس مرير، ليقضى معه فودة بقية حياته فى السجن.


ولا عجب فى ذلك ففودة ليس غريبا على السجن، فقد سبق أن دخله عام ١٩٩٧ عندما كان، يعمل سكرتيرا لوزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، حيث أفاقت مصر كلها على خبر القبض على فودة ومحافظ الجيزة الأسبق ماهر الجندى وعدد من رجال الأعمال بتهم تسهيل بيع أراض خاضعة لمصلحة الآثار التابعة لوزارة الثقافة لرجال أعمال مقابل رشاوى مالية كبيرة.


وبعد عدة جلسات من المحاكمة أصدرت محكمة جنايات الجيزة حكمها بمعاقبة فودة بالسجن ٥ سنوات وتغريمه ٣ ملايين و١٦٧ ألف جنيه, وإلزامه وزوجته رانيا طلعت السيد برد مبلغ مماثل إلى خزينة الدولة قالت المحكمة انه استقر فى يقينها ثبوت تهمة الكسب غير المشروع فى حق المتهم, وتحقيقه ثروة طائلة لا تتناسب مع دخله, وذلك من خلال الوساطة لإنهاء مصالح ذوى الشأن مقابل حصوله على مبالغ مالية, كما أنه شرع فى الكسب غير المشروع من خلال شيكات بنكية ضبطت بحوزته قبل أن يصرفها مسحوبة على بنوك القاهرة.


خرج محمد فودة من السجن واختفى عن الأضواء، ثم ظهر بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ بصحبة رئيس تحرير صحيفة يومية خاصة، أصبحت تتبناه وتنشر أخباره ومقالات له، ثم تزوج فودة من الممثلة غادة عبد الرازق، وبدا للجميع أن الرجل الذى كان يعمل سكرتيرا لوزير الثقافة قد تحول إلى مليونير وأصبح واحدا من أغنياء مصر، بل وقادة الرأى فيها، فمقالاته اليومية تتحدث كل يوم عن وزير وتفتح ملفاً وتقدم فكرة جديدة.. لكن ظل السؤال كيف تحول سجين الرشوة إلى كاتب.. كيف أصبح حامل الدبلوم مفكراً.. من أين له بكل هذا.. لكن هكذا فودة.. فاسد خارق للعادة.. لا يعرف حدوداً ولا يُغلق فى وجهه باب.. رجل يصلح مع كل العصور.. حتى من كانوا يدعون أنهم يحاربون الفساد وهم الإخوان كان لفودة فى فترة حكمهم مكان وتأثير.. وربما لا ينسى أحد مقاله الشهير، خلال فترة حكم الإخوان دفاعا عن محمد بن سحيم آل ثانى شريك أحمد أبو هشيمة فى تجارة الحديد.


لكن عندما سقط الاخوان خلع فودة عباءتهم وارتدى ثوب الثورة وتخفى وراء شعاراتها وتحول إلى رجل وطنى يحارب من أجل مصر كيف وبأى أمارة..؟! لا نعرف.. لكنه حدث.


أحاط فودة نفسه بمجموعة من كبار الصحفيين، وبدأ فى العودة إلى مسقط رأسه زفتى حيث كان ينوى الترشح لمجلس النواب عن الدائرة، والغريب أن فودة حاول أن يجعل لنفسه صورة ذهنية بأنه الرجل القوى النافذ مع الوزراء وأنهم يستجيبون لكل طلباته وخاصة فى دائرة زفتى، حتى أنه كان يصطحب وزراء الى زفتى لافتتاح مشروعات، ومن هؤلاء وزير الصحة الدكتور عادل عدوى الذى جاء مع فودة لزفتى لافتتاح المستشفى العام هناك رغم أنها كانت تحت الإنشاء وللزيارة قصة طريفة، حيث رفض محافظ الغربية السابق اللواء محمد نعيم حضور الزيارة، لأن وزير الصحة تجاوز البروتوكول المتعارف عليه وتجاهل زيارة المحافظ فى مكتبه وسافر الى زفتى بصحبة فودة من دون أن يذهب مع المحافظ، من وقتها قرر فودة شن حملة شعواء على نعيم وتردد بقوة انه كان سببا مباشرا فى رحيله عن المحافظة، نظرا لعلاقات فودة المتشعبة بكبار المسئولين بالدولة والتى لم يخفها فودة يوما وكان يتباهى بها.


فودة كان يتحدث باسم الوزراء لدرجة أنه صرح من قبل بأنه استصدر قرارا من وزير الصحة بتحويل وحدة طب الأسرة بقرية ميت الرخا إلى مركز طبى متطور متكامل يعمل على مدار ٢٤ ساعة يضم الاستشاريين والإخصائيين فى جميع التخصصات للعمل على توفير الخدمة الطبية للقرية والقرى المجاورة لها.


سر نفوذ فودة مع وزير الصحة الذى زار زفتى ثلاث مرات مع فودة أن الأخير كان يستخدم منبره فى الصحيفة اليومية الخاصة ليدبج المقالات فى الوزراء ومنهم وزير الصحة الذى وصفه فودة بجراح الفقراء ثم استضافه فى قريته ودائرته الانتخابية لافتتاح مستشفى زفتى.


الدكتور خالد حنفى وزير التموين والتجارة الداخلية وقع تحت سيف ابتزاز فودة وكان صاحب الرصيد الأكبر من مقالات الهجوم عليه، ثم عاد فودة ومدحه فى مقالات إشادة بعد أن تحقق له ما كان يربو إليه كعادته فى سياسة التعامل مع الوزراء.


فقد بدأ محمد فودة هجومه على وزير التموين بمقال كتبه تحت عنوان: الدكتور خالد حنفى وزير «الشو الإعلامى».. التموين «سابقاً» ..


وبعد أن حقق فودة غرضه من الهجوم على الوزير عاد ليكتب بلسانه مقالات المدح والإشادة فى نفس الموضوعات التى سبق وهاجمه فيها فكتب مقالا بعنوان «خالد حنفى.. لا تراجع ولا استسلام»!


قال فيه عن وزير التموين: يواجه الفساد بقلب لا يعرف «الخوف» وعقل يكره «التردد» كنت على قناعة تامة بالحكمة القديمة بالغة الأهمية التى تقول «تكلم حتى أعرفك»، فهى تؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك أن طريقة تحدث الشخص والنبرة التى يستخدمها فى عرض وجهة نظره هما من أهم مفاتيح التعامل مع شخصيته.. وهو ما لمسته بشكل كبير حينما التقيت الدكتور خالد حنفى وزير التموين والتجارة الداخلية فما أن تحدثت معه حتى أصبحت على يقين بأن تلك الحكمة تنطبق عليه تماما..الخ


كما قدم فودة فاصلاً من المغازلة فى وزير الرى الدكتور حسام المغازى واستضافه فى ندوة وأجرى له حوار قال فيه: هذا المسئول يسمى نفسه خادم النيل، ويعرف جيدًا قيمة هذا النهر، ومنذ تولى حقيبته الوزارية فى حكومة المهندس إبراهيم محلب وهو لا يكل ولايمل من الحركة الدؤوبة، وكانت المكافأة أن المغازى اختار محمد فودة، ضمن عضوية «لجنة النيل» التى تضم رموزا سياسية وإعلامية ونقابية ومجتمعية، ضمن الحملة القومية الكبرى لحماية نهر النيل من التعديات والتلوث، رغم ان هناك اتهامات لفودة بالتعدى على نهر النيل فى قريته.. كما وعده بتطوير قناطر زفتى وتحويلها الى متحف تاريخى.


وزير الأوقاف الدكتور مختار جمعة كان له نصيب من مقالات محمد فودة، من خلال سلسلة مقالات بدأت بمقال حمل عنوان : «وقفة الأئمة» انتصار جديد لـ«جمعة» فى حربه ضد التطرف.


بعد المقال المادح طلب محمد فودة، من الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، دراسة وحل المشكلات التى تواجه العديد من المساجد فى مدينة زفتى بمحافظة الغربية.


كل هذه المجاملات الوزارية كانت بمثابة دعم واضح لفودة ومنحته فرصة الظهور فى صورة الشخص المؤثر الذى يلجأ إليه الجميع لقضاء مصالحهم، فهو الواصل صاحب السطوة، ويروى بعض المقربين منه أن اللجوء إلى فودة لم يكن مقصوراً على أهل دائرته بل إن شخصيات عامة فى القاهرة كانت تلجأ لفودة لتخليص مصالح مع بعض الوزراء.


ولا يمكن أن نتحدث عن فودة من دون أن نذكر غادة عبدالرازق التى كانت تجمعها بفودة صداقة تحوّلت إلى زواج قبل ثلاث سنوات، لكن الخلافات ظلّت مستمرّة بينهما إلى أن انفصلا قبل عام.


أيام الحب والفساد هى توصيف علاقة غادة بفودة، فغادة التى تعيش حاليا فى أسبانيا يتردد حصولها على أراض على الطرق الصحراوى مع فودة بالمخالفة للقانون، غادة حرصت على نشر صور لها فى أسبانيا لتنفى القبض عليها فى قضية الفساد الكبرى المتهم فيها طليقها فودة.


وبالإضافة للرشوة يواجه فوده تهمة اننتحال صفة صحفى حيث قامت نقابة الصحفيين برفع دعوى ضد فودة لانتحال صفة صحفى حيث كلف يحيى قلاش نقيب الصحفيين، المستشار القانونى للنقابة بمتابعة البلاغ الذى تقدم به إلى النائب العام، تحت رقم (٦٩٣٨) بتاريخ ٨/٤/٢٠١٥، ضد المدعو محمد فودة لانتحاله صفة صحفى.


حاولنا نعرف ماهو الحال فى «زفتى» بعد القبض على محمد فودة.. كيف يرى أبناء زفتى فودة هل يعتبرونه رجل الخدمات أم فاسدا؟


تجولنا فى زفتى فوجدناها خالية من اللافتات والبنرات التى كانت موجودة تحمل اسم فودة، وذلك خلال المؤتمرات الصحفية التى كان يحشد لها وزراء وإعلاميين وصحفيين كبارا، كنوع من الشو الاعلامى الذى اعتمد عليه فى الترويج لنفسه قبل الانتخابات.


محمود ابراهيم من أبناء مدينة زفتى يؤكد أن انصار فودة كانوا من المستفيدين منه ماليا وأصحاب المصالح الخاصة وهم عبارة عن مجموعة كانت تقوم بتوزيع بعض المساعدات للأهالى فى بعض القرى الفقيرة، وكان دائم التحدث عن عطاياه، فكان ذلك يأتى بنتيجة عكسية، ففى قرية سندبسط حينما علم الأهالى هناك أنه دائم التحدث عن منحه لفقراء القرية، قرروا مقاطعته وعدم السماح له بزيارة القرية مرة اخرى وفى الغالب معظم الأموال التى يتبرع بها كانت بمثابة شراء للأصوات وتصب فى صندوق الانتخابات.


إبراهيم يضيف أن لحظات تواجد فودة فى الدائرة غالبا ما كانت ترتبط بمناسبات عامة كان يحاول من خلالها «الشو الاعلامى» وكسب الشعبية على حساب اى شخص وكان يأتى بصحبة من الوزراء والمسئولين ابرزهم وزير الصحة الذى زار زفتى ٣ مرات بصحبة فودة وكان يحاول اظهار المشاريع التى تقوم بها الدولة على أنه المحرك لها وأنه يقف وراء الانتهاء منها.


وعن علاقته بابناء الدائرة، يشير إلى أن فودة كانت دائرة معارفه مقتصرة على سماسرة الانتخابات فى المدينة الذين كان كل همهم عدم خروجه من دائرتهم حتى لا تخرج أمواله لأحد غيرهم، وكان هؤلاء يروجون لفودة انه فى مقدمة استطلاعات الرأى وان فوزه بالإنتخابات أمر محسوم، وهو أمر غير حقيقى على الإطلاق لأن أهالى زفتى لايحبون المنظرة والتعالى عليهم والتفاخر والمن على الفقراء.


سامية حماد محامية من مدينة زفتى تقول إن محمد فودة حاول أن يجعل لنفسه تاريخا مختلفا بالأموال، سواء بالتبرعات للجمعيات أو عن طريق التبرع للمستشفيات وخاصة مستشفى سنباط وبالمساعدات العينية التى كانت تقدم للاشخاص، وأن شعبيته تنحصر فى وسط هؤلاء وهو من اسرة صغيرة ليست عائلة كبيرة .


وتضيف ان أسرة فودة تعمل فى تجارة الدقيق، مشيرة الى أن محمد فودة لم يكن له باع فى زفتى حتى فترة قريبة عندما قرر الترشح للانتخابات، وتوضح أن فودة لم يكن وحده الذى استغل نفوذه بل وصل الأمر إلى اشقائه الذين اصبحوا يتمتعون بنفوذ كبير وسط قيادات زفتى فى كافة المصالح الحكومية .


بينما يقول محمد علام: من أهالى زفتى محمد فودة لم يكن من اللائق أن يمثل من أهالى زفتى الشعب فى البرلمان ونحن لدينا بعض الوزارء كانوا يساعدونه فى جولاته فى زفتى وخاصة، وزير الصحة الذى جاء ليفتتح مستشفى زفتى وهو تحت الإنشاء، ففودة كان يحاول تصوير نفسه بالرجل الخارق الذى يستطيع أن يصنع لاهالى زفتى المستحيل، وزاد هذا الاعتقاد بعد حضور وزير الاوقاف الى زفتى بصحبة فودة وإعلان الوزير انه سوف يخصص ويبنى مساكن باسم فودة فى زفتى ومسئولون اخرون حضروا الى زفتى لمناصرة فودة فى الانتخابات.


ويضيف أن وزير الاسكان حضر لتفقد محطة مياه الشرب فى مدينة زفتى وكانت المحطة انذاك تحت الانشاء، فما هو الداعى لتفقد المحطة فى حضور فودة وإيهام الناس أن فودة يقف وراء انشاء محطة المياه تلك .


يرى علام أن «العيب ليس فى فودة العيب فى المسئولين الذين يساندونه فى اعماله بزفتى ومحاولته الركوب على مشروعات الخطة الحكومية فى انشاءات البنية التحتية حتى لو كانت المحافظة سوف تجدد سور مدرسة كان ينسب لفودة».


ذهبنا إلى طارق فودة شقيق محمد فودة الذى رفض كل ما قاله أبناء زفتى عن شقيقه، مؤكداً أن محمد فودة كان بسيطا ويتمتع بعلاقات طيبة مع الجميع وكان يحاول أن يقوم بتقديم الخدمات للجميع وكان يتمنى أن يرى مدينته من أجمل المدن، وكان يحاول أن يساعد فى تحسين البنية التحتية والمشروعات الحيوية فى زفتى وقراها، وكان يتمتع بعلاقات قوية مع العائلات الكبرى فى زفتى وقراها، مضيفا «أنا اتعجب من الحملة الشرسة التى تشن عليه فالرجل لم يقدم سوءا لأى شخص فى مسقط رأسه ثم إن علاقته بالمسئولين ليست تهمة أو مشكلة».


لكن كلام طارق لم يقبله أبناء الدائرة، واعتبروه مجرد دفاع أخوى لكن الحقيقة، كما قال عادل الرفاعى أمين حزب الحركة الوطنية بزفتى، أن فودة كان يبحث عن مصالحه الانتخابية وخروجه من المعركة ليس مؤثرا لأن فودة لم تكن له شعبية كبيرة وأصواته سوف توزع على الجميع وليست على شخص بعينه وفرصه كانت بسيطة فى الفوز بأحد المقاعد بزفتى.


عموماً تكهنات السياسيين فى زفتى حول المشهد فى الانتخابات ليست مؤكدة لكن الثابت أنّ قضية الفساد جاءت لتهدم كل أحلام فودة وتُعيده إلى السجن مجدداً فى حال إدانته. وحتى لو خرج منها بريئاً، لن يكون من السهل عودته من جديد لصدارة المشهد عبر قنوات وصحف باتت متهمة بالتستر عليه.