القانون «مافيهوش زينب» لكن فيه مبارك وأعوانه

09/09/2015 - 1:42:44

حسين سالم حسين سالم

بقلم - نجوان عبداللطيف

عندما قرر الفاروق عمر بن الخطاب تعطيل حد السرقة، كان بسبب سرقة أحد الفقراء لرغيف عيش ليسد به جوعه، فى أيام المجاعة التى اجتاحت البلاد، بينما أمر القادرين بالتصدق على الفقراء والتقشف ولم يتهاون عمر فى جمع أموال الزكاة المفروضة عليهم.. لم يكن يدرى عمر أنه سيأتى يوم تصدر فيه القوانين للتصالح مع الحرامية الكبار، وأن حسين سالم الذى باع غاز مصر لعدوتنا إسرائيل بملاليم وكنز من ورائه المليارات سينام قرير العين متمتعاً هو وأولاده بما نهبه، وأن مبارك وأولاده لن يمسسهم أذى إذا دفعوا بعضا ممن شفطوه من أراض وخيرات المحروسة، وكل رجال مبارك المتهمين فى قضايا الكسب غير المشروع، سيخرجون كالشعرة من العجين بدفع البعض من الأموال المنهوبة التى استطاعت جهات التحقيق رصدها وهى القليل القليل الذي استبقوه فى مصر بعد أن هربوا بالهبرة الكبيرة إلى الخارج فى الأيام الأولى للثورة وتحت رعاية حكومة أحمد شفيق.


لم يدر عمر أن هؤلاء سيفرون من جريمة سرقة أموالنا وستسقط عنهم بالكامل وبالقانون، بينما زينب بائعة الخضار الأرملة تقضى عقوبة الحبس ٥ سنوات فى السجن بعد أن تعثرت فى دفع بعض الأقساط من ثمن جهاز ابنتها الكبرى، ولم يخطر ببال عمر أن أحمد الشاب الثلاثينى يجلس حزيناً تراوده دائما فكرة التخلص من الحياة بعد أن فقد وظيفته فى إحدى المدن الجامعية، ولحقت به الفضيحة عقابا له على سرقة نصف فرخة وبعض مثلثات الجبنة «النستو» ليقدمها لطفليه الصغيرين.


عمر اعتبر جوع الفقراء سبباً لوقف تنفيذ حد السرقة، أما فى زماننا فالكبار الذين تضخمت ثرواتهم هم المسموح لهم بالتصالح، وبإسقاط الجريمة عنهم وكأنها لم تكن، بتسديد أصل المبالغ التى نهبوها دون أية فوائد، بينما أم هدى عليها دفع الأقساط وفوائدها حتى يتنازل صاحب الدين وبشرط موافقته.


منذ أيام صدق رئيس الجمهورية على تعديل بعض أحكام قانون رقم ٦٢ لسنة ١٩٧٥ والخاص بالكسب غير المشروع، وتضمنت التعديلات قبول التصالح مع المتهم وسقوط الجريمة التى ارتكبها شريطة أن يرد الأموال التى اكتسبها بطريقة غير مشروعة، أجاز القانون التصالح فى مرحلة التحقيق، دون توقيع أية غرامات على المتهمين الراغبين فى التصالح خلال مرحلة التحقيق وقبل صدور قرار الإحالة للمحاكمة، مكتفيا بإلزامهم برد قيمة الأموال التى تثبت التحقيقات استيلاءهم عليها فقط لا غير، مع توقيع غرامات على راغبى التصالح تتراوح بين ١٠٠٪ و٢٠٠٪ فى مراحل التقاضى التالية.


وينص القانون على أن التصالح يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية والتدابير التحفظية الناشئة عنه، وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم التصالح أثناء تنفيذها.


كما يجيز القانون للمحكوم عليهم أو ورثتهم أو وكلائهم طلب التصالح بعد صدور حكم غيابى أمام محكمة الجنايات المختصة أثناء إعادة إجراءات المحاكمة، وذلك برد المبالغ المالية بالإضافة إلى غرامة تعادل مثل قيمتها.


وينظم القانون حالة التصالح بعدما يصبح الحكم باتا من خلال محكمة النقض وكان المحكوم عليه محبوسا نفاذا لهذا الحكم، بما يكفل له وقف تنفيذ العقوبات نهائيا إذا تحققت محكمة النقض من إتمام التصالح مقابل رد المبالغ وغرامة تعادل مثلى قيمتها...


وينص القانون على أنه فى جميع الأحوال يسقط أمر المنع من السفر وبزوال أثره بصدور قرار بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح أو بصدور حكم نهائى فيها بالبراءة أيهما أقرب..


بهذه التعديلات على قانون الكسب غير المشروع يتم تقنين الفساد، ماذا يضير أى شخص مسئول أو رجل أعمال فى استغلال نفوذه وعلاقته بالسلطة للكسب الحرام، كل المطلوب منه بعد افتضاح أمره هو رد الأموال التى نهبها وطبقاً للقانون سيعيد ما نهبه واستثمره على أية صورة وبدون فوائد. أكيد هذه عملية نظيفة ١٠٠٪، يافرحة ناهبى أراضي الدولة من الكبار أحدهم تحصَّل على آلاف الأفدنة فى الصحراوى وفى خليج السويس وفى المدن الجديدة وفى الساحل وعلى ضفاف البحر الأحمر، ودفع ثمنها الزهيد بالأقساط وباع بعضها بالمليارات وطارت إلى الخارج، بل من فرط البجاحة يطلب رد الأموال التى دفعها بعد الثورة ثمنا لفتات من ثمن هذه الأرض! ولمالا وهو طبقاً للقانون المعدل لو تم استدعاؤه للتحقيق فى الكسب غير المشروع، سيقوم بتسديد ماتحصل عليه، ودون أى غرامة بينما فى القانون القديم كان عليه تسديد أصل المبلغ وغرامة والسجن عقابا له على جريمته.


هذا القانون واحد من سلسلة قوانين تم تعديلها أو صدورها بفلسفة أن خزينة الدولة فارغة وأن التصالح سيعيد كثيرا من الأموال المنهوبة، منها قانون رقم ١٦ لسنة ٢٠١٥ الذى أضيف لقانون الإجراءات الجنائية، والذى يجيز التصالح فى الجرائم المالية للمستثمر الذى يتعاقد مع الجهة الحكومية أو هيئات عامة بصفته أو شخصه، وذلك فى أى حال تكون عليه الدعوى الجنائية، قبل الحكم البات من النقض، يرد الشخص ما يعادل القيمة السوقية لما تحصل عليه وكان محل الجريمة، وإذا تم التصالح بعد حكم النقض يؤدى المستثمر جميع المستحقات للجهة التى تضررت من وقوع الجريمة، ثم يوقع محضر تصالح بين الطرفين ويعرض على مجلس الوزراء لاعتماده. فى هذه الحالة لا توجد أى عقوبة تقع على المستثمر مهما كانت العقود فاسدة وتؤكد أنه تآمر مع مسئولين لنهب أموال عامة.


ولا يمكن أن ننسى القوانين التى صدرت فى عهد الرئيس المؤقت عدلى منصور منها قانون رقم ٣٢ لسنة ٢٠١٤ الخاص بإجراءات الطعن على عقود الدولة، والذى قصر هذا الطعن على طرفى التعاقد ومنع من سواهم من الطعن على اعتبار أنهم غير ذى مصلحة، وهو الأمر المثير للعجب كيف أن من أبرموا العقود هم الذين سيطعنون عليها؟! قانون الهدف منه حماية المسئولين ورجال الأعمال الفاسدين الذين اشتركوا فى عقد صفقات فاسدة لبيع أصول مصر من مصانع وشركات قطاع عام (الخصخصة) أو بيع الأراضى والمنتجعات والمبرر الذى تدعيه الحكومة هو عدم التعرض للتحكيم الدولى والغرامات الباهظة، بينما الأمم المتحدة تعترف بأن هناك عقودا فاسدة ويجب حماية الدول الصغيرة منها، وكثيرون من أساتذة القانون فى مصر يرجعون قصة التعويضات التى فرضت على مصر فى بعض قضايا التحكيم الدولى إلى إسنادها إلى غير المتخصصين وأن الأمر هو وجه آخر للفساد، كما أصدر عدلى منصور قانون تعديل المزايدات والمناقصات الذى أجاز للوزير والمحافظ بالتعاقد بالأمر المباشر حتى مبلغ ١٠ ملايين جنيه، قوانين تلو الأخرى صدرت فى الفترة الأخيرة تفتح أبواباً للفساد والمفسدين، ولعل قانون الخدمة المدنية الذى أثار غضب الكثيرين؛ لأنه يسمح للقيادات بالتحكم فى مصائر الصغار لتلعب الرشوة والمحسوبية الدور الأكبر فى ترقية فلان والإطاحة بعلان. لماذا هذه العجلة فى إصدار هذا الكم من القوانين والتى أثارت جدلاً واسعاً وانتقدها خبراء القانون ورجال السياسة وأثارت غضباً بين جمهور العامة؟ لماذا هذا التعجل فى التشريع ونحن على أبواب انتخابات مجلس الشعب صاحب الأصل فى السلطة التشريعية؟، ولماذا نسى المشرعون أن الأصل فى التشريع هو الردع لمنع وقوع الجريمة؟، وأن مثل هذه القوانين هى تقنين للفساد وحماية للمفسدين هى قوانين للنهب المنظم، أعطت مظلة وحماية لمبارك وأعوانه ومن يسيرون على نهجهم فى الفساد.. أما زينب بائعة الخضار.. فالقانون «ما فيهوش زينب».