ياعزيزى .. لسنا فاسدون الفساد ليس قاعدة فى مصر .. والشرفاء أغلبية .. لكن صوت الفساد أعلى

09/09/2015 - 1:08:25

تحليل يكتبه : أحمد أيوب

فى مصر فساد.. هذا صحيح .. الفساد للركب .. بالطبع وربما ارتفع عن هذا الحد وأقترب من العنق، بعض الجهات يلجمها الفساد الجاما، الفساد وصل إلى وزراء ومسئولين كبار .. هذا حق معناه أنه لا يوجد فى مصر شئ يستحق أن نستبشر به ونبنى عليه كى نقول أن الحال سيتحسن، هل الصورة فى مصر بهذا القدر من السوء .. هل مصر كلها فساد فى فساد .. أظن ان من يدعى ذلك سيكون ظالماً ، من ينظرون الى نقاط السواد لا يرون الا نصف الكوب الممتلئ بالفساد، لكن نقاط الضوء واضحة وتؤكد أن الفساد وان زاد لكنه لن يحكمنا، لن نستسلم له، فالضمائر فى مصر ما زالت حية لم تمت، حتى وإن فرضت عليها ظروف سنوات طويلة أن تعيش فى مناخ كله فساد. ففى الوقت الذى كانت الرقابة الإدارية تلقى القبض على رباعى الفساد الجديد فى وزارة الزراعة بقيادة الوزير ومباحث الأموال العامة تضبط حمدي الفخرانى متلبسا برشوة


كان رئيس حى السيدة زينب يستعد للسفر لأداء فريضة الحج بعدما ضرب مثلا على الإحترام وأكد أن الخير ما زال فى مصر وأن دواوين الحكومة ما زال بداخلها من يراعى ضميره، ورفض رشوة ٧٠٠ ألف جنية مقابل التغاضى عن مخالفات فى بناء عقار، وكما كان وزير ومدير مكتبه يضحى بسمعته مقابل هدايا عينية كان رئيس حى السيدة الشريف الذى لم يزد راتبه عن ١٢٠٠ جنيها يتعفف عن تلويث سمعته ولو كان المبلغ بهذا القدر، وحتى لا يقال أن رئيس حى السيدة حالة نادرة فى طهارة اليد فقد ضرب أحمد الطحاوى مدير الإدارة الهندسية فى حى العجوزة نموذجا لا يقل فى الشهامة وطهارة اليد ورفض رشوة وصلت الى مليون جنية مقابل أن يمنح أحد الأشخاص ترخيص على أرض مملوكة للدولة ومتنازع عليها مساحتها ٦٠٠ مترا على كورنيش النيل، الطحاوى كأنه كان يرد على كل من يتهمون الإدارات الهندسية بأنها فاسدة من الساس للرأس،


ولأن المحترمين موجودون فى كل مكان في مصر بأغلبية كاسحة كان نموذج الشاب مصطفى عبد الفضيل يعطى صورة أخرى لنظافة اليد وطهارة الضمير لكن فى مطار القاهرة، شاب فى مقتبل حياته الوظيفية يحلم بتأمين مستقبله، مرتبه مثل ملايين غيره لكن رغم ذلك لم يستسلم لوسوسة الشيطان ولا إغراءات المال، كان معروضا على عبد الفضيل أن يتغاضى عن قطعة من الماس قيمتها خمسة ملايين جنيه أراد أحد الركاب تمريرها من الجمارك دون دفع أى رسوم مقابل أن يحصل عبد الفضيل على ما يريد، لكنه تصدى للإغراء بالضمير الحى وقبض على جمر مرتبه الذى لا يكفيه وفضل أن يكون موظف شريف فقير خير من أن يكون مليونيرا بدون ضمير.


واذا كنا نسمع دائما عن فساد الشرطة وكيف أنك بالمال تستطيع أن تشترى ضمير وذمة ضابط أو أمين شرطة، ونسمع دائما شكاوى تتهم رجال شرطة بأنهم يفرضون أتاوات وفيزيتا مقابل المحاضر، وضباط يسهلون لتجار المخدرات أعمالهم مقابل أموال ورجال شرطة يتقاسمون الأرباح مع تجار الأثار، لكن فى المقابل لا يتذكر أحد أن فى هذه الوزارة شرفاء، لم يدرك أحد أن هذه الوزارة يمكن أن تكون وزارة شريفة بها الفاسدون والصالحون كأى مكان في العالم، فالنماذج على الشرفاء فى هذه المؤسسة الأمنية كثيرة أبرزها ضابط مباحث فى الشرقية لا يتذكره كثيرون،هذا الضابط رفض رشوة ١٥ مليون جنيه عرضتها عليه عصابة أثار مقابل تسهيل تهريب قطع أثرية من منطقة أبو عمران بكفر صقر تتعدى قيمتها ١٥مليون جنية، فرد عليه زميله بمباحث الإسماعيلية برفض نصف مليون جنية على الترابيزة مقابل أن يتلاعب فى محضر لمسجل خطر. بالفعل هناك رجال شرطة يفسدون ويبيعون ضمائرهم لمن يدفع أكثر حتى إن كان ما يدفع لهم ألاف معدودة لكن أيضا هناك من نفس المؤسسة رجال أخرون يتأبون على الفساد ولو كان الثمن ١٥ مليون، وليس هذا خاصا بالضباط فقط فكل الفئات فيها الفاسدين وفيها أيضا الشرفاء، فأمناء الشرطة الذين يضج الكثيرون من تصرفاتهم وفساد عدد ليس قليل منهم لا يمكن وصمهم جميعا بالفساد، فمنهم من ضربوا المثل فى الإحترام ويقظة الضمير، وخير مثال أمناء الشرطة الذين رفضوا ٢٠ الف ريال سعودى فى مطار برج العرب مقابل تهريب ٧٣٠ الف ريال مع أحد المصريين العائدين من الخارج، ومثل هؤلاء كثيرون رفضوا رشاوى لتهريب متهمين أو التلاعب فى الأحراز أو المحاضر .


وبنفس الشرف نجد نماذج فى شركات قابضة ووزارات أخرى، عدد ليس قليل من رؤساء الشركات العامة والقابضة يرفضون حتى تقاضى مقابل عن اجتماعات اللجان التى يشاركون فيها، لم يقل أحد من هؤلاء مرة « أشمعنى ولم يقلدوا» أخرين يضعون أسمائهم فى مجالس إدارات كل الشركات التابعة، حتى يحصلوا علي مئات الالآف سنويا دون وجه حق وانما تعاملوا بمنطق « ادرأوا عن أنفسكم الشبهات» وأيضا وزراء وقيادات كبيرة سجلت لهم الأجهزة الرقابية رفضهم الإستعانة بعمال وزاراتهم حتى ولو فى غير أوقات العمل، عملا بمبدأ الشفافية.


كل هذه مجرد نماذج لشرفاء فى هذا البلد الذين لن تخلو منهم مصر أبدا، وسيظلون هم الأغلبية وان علا صوت الفساد ودوى الفاسدين، هؤلاء الشرفاء حسب تقارير الأجهزة الرقابية يمثلون بالفعل الأغلبية العظمى داخل دواوين الحكومة، مسئول فى جهاز رقابى يؤكد لى أن الشرفاء فى الحكومة وداوينها ووزاراتها ما أكثرهم، وكثيرا ما يكون تعاونهم سببا مباشرا فى كشف قضايا فساد، وخاصة فى وزارات الفساد الكبرى، وتشهد الأجهزة الرقابية أن كثير من المعلومات التى تقودهم الى الفساد تبدأ من موظفين شرفاء يتطوعون بالابلاغ عن الفاسدين الذين يسيئون اليهم، بل ان الأجهزة التى تطارد الفساد والفاسدين وتحاربهم هى فى الأصل مكونة من موظفين فى الدولة يتقاضون مرتبات الدولة لكنهم محاربون ضد الفساد لا يتذكرهم أحد الا فى المصائب واحيانا لا تشفع لهم جهودهم ويهاجمهم البعض، وأكبر دليل على ذلك الرقابة الادارية التى شهدت السنوات الماضية جهدا خارقا لها فى مواجهة الفساد والقبض على الفاسدين وكشف قضايا ضخمة والحفاظ على عشرات المليارات كادت تضيع على الدولة لولا يقظة رجال الرقابة الادارية ورغم ذلك لم تفلت أحيانا من حملات التشويه المتعمدة، والمأجورة أحيانا.


أيضا جهاز المحاسبات الذى يضم نحو ٨ الاف مراقب يواجهون الفساد المالى والإدارى،ومباحث الأموال العامة ، كل هؤلاء موظفون فى الدولة وشرفاء يحاربون من أجل مواجهة الفساد وقطع رؤوس الفاسدين وبفضل تحركاتهم تقدمت مصر فى تصنيف الدول الأكثر شفافية ورغم ذلك لدينا من يتحدثون عن فساد الموظفين بشكل عام وكأننا لدينا سبعة ملايين فاسد، لو كان هذا صحيحا لكانت كارثة لكن الحقيقة أن الفساد بين هؤلاء فى حدود لا تمثل أغلبية على الإطلاق، وكما يشير أحد من عملوا فى مكافحة الفساد لسنوات طويلة أن عدد المناقصات والمزايدات والتعاقدات والمشروعات التى تتم فى الوزارات والهيئات الحكومية ضخم جدا ، مئات الالاف وربما الملايين من التصرفات المختلفة تجريها الحكومة سنويا، ومع ذلك فما تضبطه الأجهزة الرقابية منه كفساد عدد محدود، وهو مايؤكد ان القاعدة العامة فى التعاملات الحكومية تلتزم بالضوابط وحماية المال العام، وان الاصل فى العمل الحكومى هو النزاهة والشرف وليس الفساد فليس صحيحا أن المبدأ داخل دواوين الحكومة أن كل الذمم يمكن أن تشترى وأن الفارق فقط فى الثمن، فهذا كلام هدفه الأساسى تشويه الموظف العام وتحويله إلى حرامى ومرتشى، لكن ملفات الأجهزة الرقابية لا تقول هذا على الإطلاق وإنما كل ما تقوله أن هناك عناصر فاسدة يتم تتبعها وتخليص الحكومة منهم، كما أن هناك مسئولين كبار تم اختيارهم دون مراعاة المعايير التى يجب أن تتبع فى اختيار القيادات، فليس كل استاذ جامعة ناجح أو مستشار متميز يصلح أن يكون محافظا أو وزيرا، فهؤلاء تنقصهم خبرة الإدارة وفيصبحون لعبة فى أيدى بعض الفاسدين يحركون الأمور بما يخدم مصالحهم وفى النهاية يتحملها ويشيلها المحافظ أو الوزير ليس لأنه فاسد وإنما لأنه غير فاهم أو عديم الخبرة، كثير من حالات الفساد التى نسبت لمسئولين كبار كانت حقيقتها موظفين استغلوا جهل هؤلاء المسئولين بدهاليز وزاراتهم وقواعد العمل،وتوصلت اليهم الأجهزة الرقابية وتأكدت من سلامة ذمة المسئولين وان ناشدت فى أكثر من مرة عدم اسناد أى منصب ، وتحديدا محافظ أو وزير ، إلا لمن يمتلكون مهارة الادارة والخبرة اللازمة فى الملف الذى يتحملون مسئوليته،


هذا الكلام يكشف حقيقة أخرى لا يلتفت اليها كثيرون، فليس كل ما يقال أو ينشر عن الفساد صحيح، كثير منه لا تسنده أدلة واضحة لدى الأجهزة الرقابية، وانما يستند الى شائعات تحركها حملات تشويه متعمدة نتيجة صراعات أو منافسات غير شريفة أو رغبة فى الانتقام، وربما خير مثال على ذلك مسئول كبير كان يتولى ملف تطوير أحد المؤسسات المهمة فى الدولة وكانت الأجهزة الرقابية تتابعه بشكل دائم ولم تمسك ملاحظة واحدة عليه بل استطاع أن يحقق طفرة فى المؤسسة المسئول عنها حظيت بشهادات عالمية ورغم ذلك انطلقت ضده حملة تشويه واتهام واضح له بالفساد، بل وصل الأمر إلى الادعاء بأن هذا المسئول تدعمه شخصيات فى أجهزة رقابية تمنع كشف فساده،


وأحيانا يكون الفساد موجود لكن ليس بالحجم ولا الشكل الذى تم الحديث عنه، ولا ينسى أحد قضية اتهم فيها مسئول كبير فى احد القطاعات ومعه متهمين أخرين، كان الفساد فى القضية مالى لكن الصحف تزيدت فى الحديث عن تورط المتهمين الثلاث فى فساد أخلاقى، وهو ما اضطر الأجهزة الرقابية التدخل والتصحيح لتؤكد أن المسئول الكبير لا علاقة له بالفساد الاخلاقى ، الذى تورط فيه الآخرين.


هذا كله يكشف خطورة الاعلام فى قضايا الفساد والذى يستغل بعض منافسى مصر ماينشره لتشويهها أمام المستثمرين وترهيبهم من ضخ أموالهم فى مصر، بحجة أنها غير أمنة بسبب انتشار الفساد، فالنشر غير المتوازن عن الفساد وقضايا الفساد يضر بمصلح البلاد، فدول كثيرة حققت طفرة تنموية ونضرب بها المثل ورغم ذلك نسب الفساد فيها كبيرة جدا مثل الصين وماليزيا، الفارق الوحيد أنهم هناك يتشددون فى التعامل مع قضايا الفساد والتفرقة بين متهم بالفساد وبين من يصدر ضده حكم نهائى فى قضية فساد، يفسر لى أحد كبار المسئولين فى جهاز رقابى هذا الأمر ويؤكد أن بأن الأجهزة الرقابية دائما ما تتحفظ فى نشر أى معلومة عن قضايا تضبطها خشية أن تنتهى تحقيقات القضاء معهم الى تبرئتهم، لكن كثير من وسائل الاعلام لا تراعى هذا الحق وتتحدث عن كل متهم على اعتبار أنه فاسد، وتصف كل موظف نسب اليه خطأ أو مخالفة بأنه فاسد، حتى وصل الأمر الى اتهام البعض للأجهزة الرقابية نفسها بالفساد، ونتيجة هذا الافراط فى الحديث عن الفساد بدليل او بغير دليل ان مصر اصبحت سمعتها خارجيا انها دولة فساد رغم ان الطبيعة ليست بهذا السوء.