فى الرواية والقصة القصيرة: بصائر المبدعين.. ومصائر الفاسدين!

09/09/2015 - 1:04:08

أحمد النجمى أحمد النجمى

بقلم - أحمد النجمى

١٨


رواية طويلة تمتد منذ الأربعينيات وحتى التسعينيات كشف فيها كبار الروائيين المصريين حركة الفساد والمفسدين فى مصر بمختلف الأنظمة الحاكمة


انفتح ملف الفساد فى مصر هذه الأيام على مصراعيه.. إيذاناً ببدء عصر جديد فى تاريخ الدولة المصرية، كنا قد تنبأنا بفتح هذا الملف قبل شهور على صفحات «المصور» وها هى القضايا تتوالى والأحداث تتصل والفاسدون ينكشفون.. يحدث هذا عادة حين تتوثب الدولة المصرية للنهوض، وتحتاج إلى صفحات بيضاء ناصعة تدون فيها ما هو آت من التاريخ، هنا.. لا يكفى أن تقلب الصفحات الملوثة، لابد من قطعها واستبعادها من دفاتر التدوين.. هنا - أيضاً - ينشط الروائيون والقاصون فى تحويل الفساد إلى روايات وقصص قصيرة، يدور فيها الصراع بين الفساد وضحاياه على الورق، بشخصيات من لحم ودم..!


الفساد والمفسدون سيرة لا تنقطع من الرواية والقصة القصيرة المصرية.. ربما يعود ذكرها فيهما إلى بدايات عصر الرواية الجديدة فى الأربعينيات، ونعنى بها ظهور «نجيب محفوظ» كصوت روائى شاب متميز، أسس وقتها لتيار جديد فى الكتابة الروائية، سرعان ما تحولت إلى تيار عام على رأسه نجيب محفوظ، الذى كتب كثيراً فى أحوال الفساد والمفسدين منذ منتصف الأربعينيات.. ثم اتسع نطاق تعرضه للفساد فى رواياته ومجموعاته القصصية بعد ذلك، فى عصر خالد الذكر الزعيم جمال عبدالناصر، بمنطق حرب الدولة آنذاك ضد الفساد.. لكن الطريف أن كتابات محفوظ عن الفساد بدأت فى الأربعينيات فى عصر المخلوع فاروق كرصد لهذا الفساد وبمنطق مؤداه أن الفساد ينتصر، وعاد محفوظ إلى نفس هذا المنطق بعد ذلك فى السبعينيات والثمانينيات فى عصرى السادات ومبارك حين انتقد الفساد مجدداً.. وهو منطق مختلف عن منطقه فى كشف الفساد وتعريته والشماتة فيه - حين كان ممكناً أن تشمت بالفاسدين! - فى عصر جمال عبدالناصر.


كذلك يجب التفريق بين ظاهرة الفساد المالى أو خراب الذمة فى الأدب المحفوظى، وبين ظواهر الفساد الإنسانى الناتج عن الضعف أو التحلل القيمى، وهذا النوع موجود أيضاً فى أعمال نجيب محفوظ!


نجيب محفوظ


فى القاهرة الجديدة - التى تحولت بعد صدورها بأكثر من ٢٠ عاماً إلى فيلم سينمائى شهير بعنوان القاهرة -٣٠ يشير نجيب محفوظ إلى الفساد الإدارى والأخلاقى والمالى فى قلب دواوين الحكومة المصرية فى الثلاثينيات، تحديداً وزارة المعارف العمومية.. حيث محجوب عبدالدايم الذى يضطر إلى الزواج من إحسان شحاتة ليحصل على وظيفة محترمة فى تلك الوزارة - وزارة التربية والتعليم الآن - بينما هو فى الحقيقة مجرد ساتر لعلاقة وكيل الوزارة بإحسان التى لم تكن سوى عاهرة.. ويفتن البك - وكيل الوزارة - بإحسان، وهكذا ينال محجوب عبدالدايم الترقى المستمر بأقصى سرعة، وحين يصبح البك وزيراً للمعارف العمومية يصبح محجوب مديراً لمكتبه.. إنها فى الحقيقة رشوة جنسية تتم بالتراضى بين البك ومدير مكتبه وزوجة مدير المكتب.. بعد أن فشل محجوب عبدالدايم فى دفع رشاوى مالية للتعيين فى أماكن أخرى..! كتب محفوظ القاهرة الجديدة ونشرها عام..! ١٩٤٥ كان هذا فى بداية عصر حكومات الأقليات التى أعقبت حكومة الوفد بقيادة مصطفى النحاس، وكان محفوظ وفدياً متحمساً، ربما لهذا السبب أراد أن يذكر القارئ بالعصر الذى سبق حكومة النحاس، ويتنبأ بعودة الفساد فيما هو مقبل من الأيام..!


الفساد الفكرى يطل عليك من صفحات رواية اللص والكلاب التى نشرها محفوظ عام ١٩٦١، إذ يفسد المثقف الانتهازى رءوف علوان أفكار سعيد مهران الساذج، الذى يعتبره مهران رمزاً ويتخذه قدوة، ويستغل رءوف علوان تلك السذاجة ليحول مهران إلى لص، وحين يخرج مهران من السجن يتنكر له أستاذه القديم الذى صار صحفياً مشهوراً وتحول إلى الثراء المفاجئ، ويتحول سعيد مهران إلى «شماعة» تعلق عليها «النخبة الفاسدة» جرائمها وفسادها، ويصبح «سفاحاً» تنسب إليه جرائم لم يرتكبها، ويرفل صديقه القديم الصحفى رءوف علوان فى النعمة بينما يتحول سعيد مهران إلى هارب - طوال الوقت - من قبضة الشرطة، حتى يتم قتله فى نهاية الأمر، بعد أن كفر بالمجتمع كله..!


أما «السمان والخريف» - الصادرة فى العام - ١٩٦٢ فيضع فيها نجيب محفوظ الوفدى المتحمس، يده على فساد بعض الرءوس الكبيرة فى الوفد.. وكيف تورط «عيسى الدباغ» بطل الرواية فى رشاوى وقضايا فساد فى العامين السابقين مباشرة على ثورة ٢٣ يوليو المجيدة.. ونسى مبادئه الوفدية، وقامت الثورة لتحيله إلى «لجان التطهير» وتتم إحالته إلى المعاش.. لكن الدباغ - بعد تجارب مختلفة وصعبة - يعود إلى وطنيته.. ونقائه القديم..!


وفى «ميرامار» التى صدرت فى العام ١٩٦٧.. تجد شخصية «سرحان البحيري» الموظف الشريف وعضو «الاتحاد الاشتراكى» ونزيل بنسيون ميرامار فى الإسكندرية - والذى يلخص به محفوظ تركيبة المجتمع المصرى فى الستينيات إجمالاً - تجد هذه الشخصية وهى تنزلق إلى الرشوة والفساد وينتهى به الأمر قتيلاً..!


«أهل القمة» إحدى قصص مجموعة «الحب فوق هضبة الهرم»١٩٧٩، نماذج متعددة من الفاسدين، هناك البك الذى يدعى التقوى وهو يعمل فى التهريب على أعلى مستوى، وهناك «زعتر النورى» اللص الصغير الذى تقذف به الأقدار إلى العمل مع البك، ليتحول إلى لص كبير.. وتقع فى غرامه شقيقة ضابط المباحث الذى يطارده ويعرف جيداً أنه لص.. الغريب أن هذا الحب ينجح، ويتحول النورى إلى رجل أعمال ويتزوج أخت الضابط، الذى ينغلب على أمره فى نهاية القصة..!


هذه الأعمال الخمسة السابقة تحولت إلى أفلام.. القاهرة ٣٠ عام١٩٦٦، اللص والكلاب ١٩٦٣ السمان والخريف ١٩٦٥ ميرامار ١٩٧٠ أهل القمة ١٩٨٠، أما رواية يوم قتل الزعيم التى رصد فيها نجيب محفوظ بحدة ودقة أزمات المجتمع المصرى تحت وطأة فساد الانفتاح فى عصر السادات وصولاً إلى اغتياله فى ١٩٨١.. فلم تتحول إلى فيلم أو مسلسل حتى الآن!


وبعد فهذه نماذج لأبرز أعمال محفوظ التى تناولت الفساد المالى والأخلاقى سواء داخل أجهزة الدولة المصرية، القاهرة الجديدة، السمان والخريف، ميرامار أو التى تناولت الفساد فى القطاع الخاص فى زمن الانفتاح، أهل القمة، يوم قتل الزعيم أو الفساد الصحفى والإعلامى اللص والكلاب.


وهذا نمط من الكتابة المحفوظية عن ظاهرة الفساد.. لكن ثمة نمطاً آخر من الفساد الإنسانى، من الضعف البشرى والتحلل القيمى، تجده فى بعض أعمال شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ.. مثل نموذج السقوط الجماعى فى «بداية ونهاية» - الصادرة عام- ١٩٤٩ والتى يتردى فيها الأخ الأكبر حسن ليصبح تاجراً للمخدرات وبلطجياً فى مناطق الدعارة المقننة «الرواية تدور فى الثلاثينيات قبل إلغاء الدعارة فى مصر بعد ذلك أواخر الأربعينيات»، والأخت نفيسة التى يجرها الفقر المدقع إلى الاشتغال بالدعارة، والأخ الأصغر حسنين الضابط حديث التخرج فى الكلية الحربية، الذى يفقد كل شىء بانكشاف أمر أخيه وأخته.. فيدفع أخته للانتحار ويتبعها بإلقاء نفسه فى النيل «تحولت الرواية لفيلم فى عام ١٩٦٠» ويضيع الأخ الأكبر بعد أن صار طريداً للبوليس! رواية «الطريق» التى صدرت عام ١٩٦٤ وتحولت إلى فيلم سينمائى فى العام التالى، تتقاطع فيها عوالم الجريمة مع الفساد الأخلاقى مع العمل فى الدعارة، ليضيع الابن الباحث عن أبيه سيد الرحيمى فى آخر الأمر ويصبح مجرماً قاتلاً مطلوباً للعدالة.. «بداية ونهاية» رثاء للطبقة الوسطى وانهيارها فى الثلاثينيات، و»الطريق» مرثية للإنسان المعاصر ككل، الذى يبحث عن ذاته ويتوه ويضل طريقه، حتى يتورط فى أحط الجرائم برغم نبل هدفه.. وينتقل محفوظ إلى رصد انحراف المثقف المصرى فى «ثرثرة فوق النيل» - الصادرة ١٩٦٦ وتحولت فيلماً فى أواخر -١٩٧١ ويدين محفوظ انحرافات المثقف التى بدأت بانسحابه من الحياة العامة، وانتهت إلى تحلله من كل القيم، وصولاً إلى غرقه فى «الحشيش» ليعيش أبطال هذه الرواية فى عوامة معزولة عن المجتمع..!


وفى مجموعته القصصية «التنظيم السرى» - الصادرة فى العام -١٩٨٤ ثمة قصة بديعة بعنوان «ممر البستان»، يلجأ فيها بطل القصة إلى المعلمة التى كان يعرفها قديماً «تعمل فى الدعارة» لتسهل له طريق الترقى، إنه ينشد الأمان فى الوظيفة الحكومية التى يشغلها، وتجره محاولته إلى الاشتغال كقواد لعدة مرات، وفى النهاية تستحوذ السيدة على «الرجل الكبير» الذى يسعى الموظف إلى استقطابه، كطريق وحيد للترقى فى العمل..!


إحسان عبدالقدوس


رصد محفوظ - إذن - الفساد من جميع جوانبه وبجميع صوره، وحوله إلى ظاهرة إنسانية عميقة الأغوار، وربط بينه وبين الظواهر الاقتصادية - الاجتماعية.


أما «إحسان عبدالقدوس» فتتعدد صور رصده للفساد فى أعماله الأدبية، ربما ليس بنفس العمق الاجتماعى والاقتصادى ولكنه دون مبالغة صاحب رقم قياسى فى ظاهرة الفساد فى مصر.. فى الخيط الرفيع تجد الفساد الأخلاقى لدى البطلة التى تعمل بالدعارة، لكنها - فى الحقيقة - تنجح فى إعطاء ذاتها صفات «سيدة المجتمع» بصداقتها مع كبار رجال الأعمال، وتتعرف إلى مهندس شاب وتقف إلى جواره، لكنه يهجرها فى نهاية الأمر بعد أن يرتقى اجتماعياً، وتعود إلى عملها «الأصلي»!


أما «الراقصة والطبال»، فيرصد فيها إحسان عبدالقدوس صعود نمط معين من رجال الأعمال فى السبعينيات، ممن يطأون بأقدامهم - كأقدام الأفيال تماماً - كل شىء.. «المعلم أبوالهدد»، يشترى بماله الراقصة التى أتى بها الطبال الفنان ذو الحس الراقى والاستثنائى من قلب الريف وحولها إلى راقصة يشار إليها بالبنان فى العاصمة.. ويهد «أبوالهدد» بأمواله كل شىء، إنه يمثل أبشع نموذج لأغنياء الانفتاح الاقتصادى..!


ولا يبتعد إحسان كثيراً عن فترة السبعينيات فى قصة «يا عزيزى كلنا لصوص»، إذ ينقلب أحد من يعملون فى خدمة أحد الضباط الأحرار إلى رجل أعمال فى السبعينيات بصورة مفاجئة، بفضل ما نهبه من أموال مخدومه.. ومخدومه هذا سرق فى الأصل الكثير والكثير.. ثم يأتى الابن «مرتضى» ليسرق رجل الأعمال، ويصبح الكل لصوصاً فى النهاية!


الأعمال الثلاثة تحولت إلى أفلام سينمائية.. الخيط الرفيع ١٩٧٢ يا عزيزى كلنا لصوص ١٩٨٣ والراقصة والطبال ١٩٨٤.


قراءات.. فى الفساد


فى قراءة الرواية والقصة القصيرة المصرية فيما بعد ذلك من أجيال الكتاب - إن اتفقنا بالأساس على مصطلح «الأجيال»، وهذا أمر يحتاج لمقال خاص!ـ تجد مستويات أكثر تنوعاً فى التعرض لظاهرة الفساد..!


الراحل الجليل «خيرى شلبى» تعددت نماذج الفساد فى أدبه الغزير.. من ضمن هذه النماذج روايته «الشطار»، التى كتبها فى الحقيقة عن ملامح من قصة حياة إحدى مطربات الستينيات، التى لمعت فى ذلك التوقيت ثم انتهت سريعاً، وكانت زوجة لمدير مكتب وزير الحربية آنذاك «شمس بدران».. ويشرح قصة تربحها هى وزوجها و»الشلة» المحيطة بهما وفسادهم المالى والأخلاقى أيضاً.. كل هذا من تأثير جمال شكل وصوت «باتعة»، التى تحولت إلى مطربة مشهورة ذات اسم فنى ذائع «تحولت الرواية لفيلم فى عام ١٩٩٠ بطولة نادية الجندى».


وفى رواية الكاتب الكبير «صنع الله إبراهيم» الشهيرة «ذات» - التى تحولت إلى مسلسل بطولة نيللى كريم قبل ثلاث سنوات - تجد الصفحات تطفح بفساد علية القوم.. لاسيما فى عصر السادات، و «ذات» - التى تمثل معادلاً موضوعياً للوطن ذاته، مصر - تكبر فى السن، وتتدهور صحياً فى عصر السادات وعصر مبارك، بينما ينتشر الفساد ويستفحل.


أما «يوسف العقيد» فكتب الكثير عن الفساد فى أعماله.. لعل أكثرها خطورة روايتاه «الحرب فى بر مصر»، التى يستعين فيها العمدة الفاسد بماله وجبروته ونفوذه، ليعفى ابنه من التجنيد ويقيه شر الحرب ويزج بدلاً منه بابن فلاح فقير فى أرضه، ويزور الأوراق.. وهكذا ينهب الفلاح الفقير ابن الفلاح الفقير أيضاً ليقاتل بدلاً من ابن العمدة الغنى، وتكتمل المأساة باستشهاد الفلاح الفقير فى حرب العبور المجيدة ١٩٧٣.. وكأن القعيد يشير بإصبع الاتهام إلى طبقة المنتفعين بانتصار ١٩٧٣ من الأغنياء، سواء أغنياء عصر الملكية الذين أدوا للوجود فى عصر السادات أو أغنياء فترة السبعينيات الذين استفحل أمرهم فى المرحلة التالية «تحولت الرواية لفيلم فى عام ١٩٩٤».


«جمال الغيطانى» كذلك كتب الكثير فى رواياته وقصصه القصيرة عن الفساد والمفسدين، لكننا نعود إلى عمله الخطير الشأن «الزينى بركات.. الذى رصد الفساد فى آخر سنوات مصر المملوكية، فساد السلطان، وفساد الحاشية، وفساد المحتسب مدعى التقوى والتدين والنزاهة، الذى يسهل الفساد ويتستر عليه ويتربح منه، يحدث هذا كله بالتوازى مع دولة بوليسية مروعة فى ممارساتها ضد الناس، يسقط هذا كله تحت تأثير الهزيمة العسكرية المروعة، فتسقط مصر تحت نير الاحتلال العثمانى، ضحية للفساد والدولة البوليسية فى العصر المملوكى..!