د. نسرين البغدادى مدير مركز البحوث الاجتماعية والجنائية: المرتشون ليسوا فقراء!

09/09/2015 - 1:00:24

  د. نسرين البغدادى عدسة: مسعد سيف د. نسرين البغدادى عدسة: مسعد سيف

حوار اجراه: صلاح البيلى

الرشوة سلوك كالإدمان والتحرش الجنسى والاغتصاب والشذوذ. لا علاقة لها بالحالة المادية أو الاجتماعية للمرتشى، فالمرتشون ليسوا فقراء فقط، فالأغنياء أيضاً يرتشون، هكذا وصفت د. نسرين البغدادى مدير مركز البحوث الاجتماعية والجنائية هذه الجريمة الأخلاقية قائلة “إنها طالت الجميع من سكان العشوئيات إلى سكان “الكمباوند” ومن الفقراء للأثرياء لأن السلوكيات المنحرفة غير مقصورة على طبقة أو شريحة اجتماعية بعينها”.. وإلى نص الحوار.


جريمة الرشوة كيف تصنفينها بين الجرائم الأخلاقية المنتشرة حالياً بالمجتمع؟..


د. نسرين البغدادى: الرشوة جريمة أخلاقية واجتماعية وقانونية نعم، ولكنها سلوك بشرى مثلها مثل الشذوذ والاغتصاب والتحرش والجنسى وإدمان المخدرات والبلطجة والمخالفات المرورية وهى عرض ظاهرى أو نتيجة لانهيار القيم الأخلاقية.


بمعنى؟


المجتمع حالياً يعانى من الانهيار الأخلاقى وهو حصاد ما زرعناه فى الماضى وخلال العقود الأربعة الماضية من تخلى الأسرة عن دورها، وكذلك المدرسة والمسجد والكنيسة الكل تخلى عن دوره فظهر الجيل الحالى الذى لم يتشرب الأخلاق لا فى بيته ولا على يدىّ والديه ولا فى مدرسته أو جامعته فاستغنى عن الجميع وأصبح يؤمن بأن المال وحده هو النهاية لتحقيق كل طموحاته وإشباع رغباته!


هل لديكم فى المركز أرقام محددة حول ظاهرة الرشوة؟


لا توجد أرقام محددة لأن الظاهرة نفسها متنوعة، فمثلاً هناك الرشوة الجنسية فكيف تحسبها، وهناك الرشوة العينية ممثلة فى هدايا ثمينة كالساعات الذهبية أو الكاميرات الرقمية، وهناك الرشوة الرقمية عبر استغلال الفضاء الإلكترونى لشبكة الإنترنت فى سرقة حسابات بالتواطؤ مع مصرفيين أو تسييل أموال أو غسل أموال وهى جريمة صعب جداً السيطرة عليها، وهناك الرشوة المالية يداً بيد وهى أبسط وأوضح أنواع الرشوة، وهناك عامل آخر أن أبحاثنا تشمل ما بين ألفين وثلاثة آلاف شخص فى عينة ممثلة للمجتمع، وبالتالى هى غير ممثلة بالكامل للمجتمع بمعنى أننا لا نسطيع بناءً على بحث علمى أن نقول إن ٢٥ أو ٣٠٪ من الشباب مدمن ولا نستطيع أن نقول إن ١٠٪ من الشباب يتحرش بالبنات الأرقام خادعة ويجب التعامل معها بحذر وعلى سبيل المثال أجرى المركز ٧ دراسات ميدانية عن المخدرات منذ٢٠٠٧ إلى الآن وأجرى دراسات عن استغلال الأطفال فى العمل وعن أطفال الشوارع والزواج كتجارة وزواج القاصرات وعلى سبيل المثال تبين أن جرائم الاعتياد على ممارسة البغاء تمثل ٤٢٪ من الجرائم الجنسية ويليها التسهيل والتحريض على البغاء وهى جرائم حضرية تقع بالمدن بالأساس وليست ريفية وغالباً ما تقع لبنات تحت سن ٢٥ سنة وتكون لمن تم طلاقهن أو صرن من الأرامل ، وبالتالى ما لدينا هو مؤشرات للظواهر وليس أرقاماً دقيقة كاشفة.


هل جريمة الرشوة مقصورة على شريحة اجتماعية محددة كالفقراء مثلاً أو بين قطاع من الموظفين الصغار مثلاً؟


- لا، الجرائم الأخلاقية كالرشوة والسرقة لا علاقة لها بالوضع الاقتصادى لمرتكبى الجريمة من غنى أو فقر بمعنى آخر فإن الثراء أو الفقر ليس لهما علاقة بالثوابت الأخلاقية إذا ما تربى الشخص فى بيته ومدرسته عليها فالمرتشون ليسوا هم الفقراء فقط، وانما الأغنياء أيضاً يرتشون وأحسن تربيته أما إذا كان هذا الشخص غير سوى أو مشوها نفسياً أو اجتماعياً فلن تصلح معه لا تربية ولا زرع لقيم ولن يفرق بين حلال وحرام أو بين صح وغلط، والمصريون طوال حياتهم كانوا من “مساتير الناس” أى دون الأغنياء ومع ذلك كانوا يربون أولادهم على القناعة والرضاء والعفة والنزاهة والشرف وكنا قديماً محرومين من أدوات الرفاهية لا كهرباء ولا ماء نظيف ولا إنترنت ولا تليفزيون ولاسينما ومع ذلك كانت التربية الصارمة للأولاد تجعل الأبناء يكبرون على نمط الانضباط العسكرى للذكور والإناث معاً، ولم يكن الفقر سبباً للوقوع ضحية جريمة الرشوة أو السرقة بل على العكس كان دافعاً للرقى والتطلع والكفاح، وكان لدينا شريحة الـ ٥٪ قبل ١٩٥٢ التى تقضى الصيف فى أوربا وأولاد الفقراء الفلاحين الذين اجتهدوا وصار منهم رواد النهضة فى الأدب والعلوم والموسيقى والغناء فأم كلثوم فلاحة مصرية اجتهدت وارتقت اجتماعياً، وكذلك محمد عبدالوهاب وسيد درويش والعقاد وطه حسين ومصطفى مشرفة وعبدالناصر والسادات.. الفقر لم يكن أبداً حائلاً دون الصعود الاجتماعى ولا سبباً فى السقوط الأخلاقى.


هل مازا المرتشى مجرما فى نظر المجتمع؟


لا تبرير للجرائم الأخلاقية، ولكن المجتمع كله مسئول عما وصلنا إليه من تقديس للمادة على حساب القيم والأخلاق من انتشار للعنف والجريمة بكل أنواعها خذ عندك مسلسلات رمضان الماضى أغلبها كانت مليئة بمشاهد العنف من بنادق ومسدسات وسنج وسيوف وكذلك الخلافات كلها حول المال وكيفية تحصيله بأى وسيلة هذا ما بثته الدراما طوال شهر على الناس، فماذا انتظر من الشباب خاصة ممن ليسوا على وعى بمسئوليتهم.. الدراما أظهرت الناس كلهم خونة ولصوصاً ومرتشين ومتآمرين وأظهرت الكل يحارب بعضه بعضاً فماذا تنتظرون من المشاهدين؟!


lهل ارتفاع الأسعار والتضخم والتطلعات المادية من شقة فاخرة لسيارة فخمة وراء جريمة الرشوة؟


الطموح المشروع هو اجتهاد الشخص لتحقيق وإشباع احتياجاته والسعى لتحسين قدراته لجنى ثمرة بالحلال أما التطلعات المدمرة فهى التى تدفع صاحبها لاكتساب المال من أى طريق لتحقيق رغباته ورغبات زوجته وأولاده، ولا عذر لهذا الشخص لا دينياً ولا اجتماعياً ولا أخلاقياً لأن السرقة والرشوة حرام دينياً فى أى مكان أو زمان كما أنهما جريمتان أخلاقيتان قانونيتان، كانتا تقتضيان قديماً قطع يد السارق (وتجريسه) بين عامة الناس أى فضحه على الملأ!


ذا كانت الأسرة والمدرسة غائبة والدراما ترسل رسالة سلبية فما العلاج لمواجهة الرشوة؟


الردع بالقانون لابد منه على المدى القصير، ولكن على المدى الطويل لابد من استعادة دور الأسرة فى التربية والتوجيه وزرع القيم الأخلاقية، لا تثير الدهشة، وبالتالى تصبح نمطاً اجتماعياً!