حظر النشر فى قضايا الفساد.. يضر ولا يفيد!

09/09/2015 - 12:44:08

كتب - عبدالقادر شهيب

رغم أننى أدرك أننا نعيش فى أسوأ مراحل إعلامنا وصحافتنا بسبب تدهور الأداء المهنى وغياب المحاسبة المهنية على الأخطاء والخطايا الصحفية والإعلامية، إلا أننى أدرك أيضاً فى ذات الوقت أن حظر النشر فى قضايا الفساد يضر ولا يفيد!


نعم إننا نتابع فور الإعلان عن أى قضية فساد صغيرة أو كبيرة التبارى بين بعض الزملاء والزميلات فى الصحافة والإعلام فى نشر وإذاعة أخبار غير موثقة أو مدققة بل وأحيانا غير صحيحة وأقرب منها إلى الشائعات.. حدث ذلك وتكرر كثيراً، وهذا ما شهدناه وتابعناه أيضاً فى آخر قضية فساد يتم التحقيق فيها بمعرفة النيابة العامة.


لقد انطلقت موجة بل موجات متتابعة من الشائعات حول متهمين أو متورطين فى هذه القضية منهم مسئولون بل ومنهم صحفيون وإعلاميون أيضاً.. ولعل ذلك هو ما دفع النائب العام لاتخاذ قرار بحظر النشر بكل أنواعه «مكتوبا ومسموعا ومرئيا وإلكترونيا» حتى يقطع الطريق على محترفى وهواة الترويج للشائعات ويمنع بعض الصحفيين والإعلاميين من التورط فى نشر وإذاعة أخبار غير صحيحة حول هذه القضية.


ولكن سبق للنائب العام أن اتخذ قرارات بحظر النشر فى قضايا فساد من قبل وقضايا أخرى غير جنائية.. غير أن ذلك لم يمنع انطلاق الشائعات حولها وطالت هذه الشائعات ليس فقط المتهمين فيها الذين ثم الإعلان عن أسمائهم وإنما عن شخصيات أخرى، وعندما تم رفع حظر النشر توقفت فقط هذه الشائعات .. وهذا يعنى أن حظر النشر تقترن به الشائعات وليس السماح بالنشر هو الذى يسهم وحده فى ترويج هذه الشائعات.


وهذا ما حدث تحديداً فى آخر قضية فساد تم الإعلان عنها.. قبل أن يتمادى صحفيون وإعلاميون فى نشر وإذاعة أخبار مفبركة وغير صحيحة تتعلق بهذه القضية، كما جرت العادة، سارع النائب العام “القائم بعمله» بإصدار قرار بحظر النشر فى هذه القضية.. لكن هذا الحظر لم يحدث بالنسبة للشائعات التى تروج حول هذه القضية.. بل إن وتيرة إطلاق الشائعات حولها زادت أكثر بعد صدور قرار حظر النشر.. وفى مقدورنا أن نرصد هذه الشائعات ونوضح كيف زادت وكيف طالت العديد من الأشخاص منهم المسئولون ومنهم الصحفيون والإعلاميون ومنهم الفنانون ومنهم الشخصيات العامة، غير أننا حريصون على الالتزام بقرار النائب العام وعدم خرقه.. إلا أننا نبغى فقط التنبيه إلى أن قرارات النيابة بحظر النشر فى قضايا الفساد لا تفيد بل تضر.


لقد منع قرار حظر النشر فى قضية الصحفيين والإعلاميين من التورط فى نشر أخبار تتعلق بهذه القضية الأخيرة للفساد سواء حرصاً على مصلحة التحقيق أو منعاً لإذاعة ونشر الأخبار المغلوطة، ولكنه لم يمنع بعض الصحفيين والإعلاميين وغيرهم من ترديد الشائعات شفوياً فى المنتديات الخاصة أو إلكترونياً فى بعض المواقع الإلكترونية غير المعروف أصحابها.. أى أن الهدف من قرار حظر النشر لم يتحقق، لأنه ببساطة هدف يصعب وربما يستحيل تحقيقه بحظر النشر فى أية قضية سواء كانت قضية فساد أو إرهاب.


إن الفساد تحديداً هو عمل سرى لا يعلن.. ومن يمارسه يقوم بذلك فى الخفاء وبعيداً عن أعين الناس، ويتكتم ما يرتكبه من أخطاء وخطايا بل وجرائم يعاقب عليها القانون.. ولذلك فإن أهم ضرورات الوقاية من الفساد هى العلانية والمكاشفة والشفافية، وذات الأمر ينطبق على مواجهة الفساد.. إن فضح الفاسدين وكشف شرهم عقاب أشد قسوة من العقوبات التى نص عليها القانون سواء كانت عقوبات حبس أو عقوبات مالية.. ولذلك ابتدع البشر منذ زمن قديم عقوبة «التجريس» لمرتكبى الجرائم خاصة الجرائم الأخلاقية ومن بينها جرائم الفساد.. وفى مصر كان يساق من يتم تجريسه فوق حمار وهو يركبه بالعكس، أى يعطى وجهه إلى موخرة العقاب ويتم الطواف به كل شوارع المدينة.. وذات الشىء أو قريباً منه يحدث فى الولايات المتحدة حينما يتم تجريس المتهربين من دفع الضرائب وإعلان أسمائهم على جميع الأمريكيين.


ولذلك.. ليس مستساعاً منا حظر النشر فى قضايا الفساد تحديداً، حتى ولو كان لدى صحافتنا وإعلامنا مشاكل وعيوب مهنية، حيث شاع اختلاف وفبركة الأخبار، والتمادى فى نشر المعلومات الكاذبة والخاطئة، وإهمال البحث عن الحقيقة وعدم الاكتراث بعملية تدقيق الأخبار والتأكد من صحة المعلومات، والتغاضى عن الاعتذار عن ذلك عندما يتم التبين عدم صحة هذه الأخبار وعدم سلامة هذه الأخبار!.


أعرف أنه من الخطأ أن تلوك الألسن فى سيرة أى مواطن حتى ولو كان متهماً قبل إدانته، وهذا خطأ شائع فى صحافتنا وإعلامنا، ولكننى أعرف أيضاًـ وهذا هو الأهم ـ أن سياسة عدم الافصاح وعدم الحديث عن أى قضية فساد يخلق المناخ الذى يشجع على ترويج الشائعات مما سيكون أثره أشد إيلاماً بالمتهمين فى هذه القضية بل وغيرهم أيضاً حينما سوف تنسب لهم أمور غير صحيحة أو أعمال لم يقوموا بها وجرائم لم يرتكبوها، وليس فقط تضخيم ما ارتكبوه من جرائم.


وهكذا حظر النشر لا يفيد حتى المتهمين فى أى قضية فساد، بل لعله يضرهم ويلحق الأذى بهم حيث تذهب عادة الظنون إلى أبعد مدى عادة فى ظل الحظر.. فما بالنا بالرأى العام ذاته.. إن أحد الحقوق الأصيلة للرأى العام أن يعرف ما يدور حوله وفى بلاده وأن يحاط علماً بكل ما يحدث، خاصة إذا كان ما يحدث هذا يتعلق بقضية فساد، فى ظل وضع صار فيه الفساد فى البلاد على مدى سنوات عديدة أسلوب حياة.. حيث لم يعد لدينا فساد كبير أو فاسدون كبار فقط، وإنما صار لدينا فى مجتمعنا فساد صغير أكثر انتشاراً وفاسدون صغار أكثر عدداً بالطبع من الفاسدين الكبار.. بل لعلنا فى مجتمعنا صرنا أشبه بأناس كل منهم يضع يده فى جيب الآخر.. وقد كان ذلك مقصوداً ومتعمداً وممنهجاً فى السنوات التى خلت، تطبيقاً للنظرية التى لخصها كاتبنا الكبير إحسان عبدالقدوس وكان عنوانها «يا عزيزى كلنا لصوص».. فعندما يتورط معظمنا فى الفساد الصغير «رشاوى - إكراميات - شرب شاى» وغيرها من الأوصاف التى اقتحمت حياتنا ولم تخرج منها، لن يكون الفساد الكبير أمراً مستهجنا أو مرفوضاً، بل على العكس تماماً سوف يصير أمراً معتاداً وبمرور الوقت مع الاعتياد أمراً مقبولاً وكأنه قدر مفروض علينا، وبالتالى لن ننتفض لكشف كبار الفاسدين ومواجهة الفساد الكبير الذى يلحق أكبر الأذى ببلادنا، حيث يعرقل جهودنا للنهوض باقتصادنا، ويحبط كل محاولاتنا لتحقيق العدل الاجتماعى عندما يكرس الثروة فى أيدى نفر محدود العدد ويفسد سعينا لبناء دولة ديمقراطية حديثة حينما يقتحم المال السياسى حياتنا السياسية ليشترى به الذمم والآراء والمواقف السياسية والأصوات الانتخابية أيضاً على غرار ما شهدناه بشكل صارخ وفج فى الشهور الخمسة الأولى من عام٢٠١١، حينما يرتع المال السياسى فى كل أرجاء البلاد، وصال وجال المال السياسى الأجنبى تحديداً الذى أغرق البلاد من وراء ظهر الدولة وبدون علمها.


هنا فإن حظر النشر فى قضايا الفساد لا يحرم فقط الرأى العام من واحد من حقوقه الأصيلة وهى أن يعلم وبشفافية كل ما يحدث على أرض بلده، وإنما هو أيضاً يحرمنا من فرصة مناسبة للتخلص من أحد عيوبنا الأصيلة التى يعانى منها مجتمعنا وهى أن الفساد صار أشبه بنمط حياة.. الحديث وباستنكار عن الفساد من شأنه إيقاظ المجتمع من حالة الغيبوبة القيمية التى أصابته وسينبهه إلى أن الفساد ليس مجرماً فقط وإنما هو أمر مستنكر ومرفوض ويتعين مواجهته والتصدى له وعلاج المجتمع من شروره.


ثم إذا كان حظر النشر يستهدف حماية الرأى العام من الأخبار الكاذبة والمعلومات المغلوطة والشائعات الخبيثة ولو لفترة محدودة هى فترة التحقيق فى قضية الفساد، كما يحمى أيضاً المتهمين فى هذه القضية، فإن فى مقدور النائب العام أن يصحح فوراً أى خبر غير سليم وأى معلومة غير صحيحة وأى شائعة خبيثة فوراً وبدون ابطاء.. أى أن المبادرة تظل دوماً فى يد النائب العام بالنسبة للأخبار وإحاطة الرأى العام علماً بحقائق أية قضية خاصة قضايا الفساد.


أما وأن النائب العام قد فرض فعلاً حظراً للنشر فى أحدث قضايا فساد يخضع المتهمون فيها للتحقيق العام، فإن بوسعه ومقدوره تجنب الآثار الضارة المترتبة على هذا القرار بخروج متحدث من النيابة العامة بشكل دورى على الرأى العام يحيطه علماً بما هو متاح فى ظل ما تقتضيه سرية التحقيقات بالقضية من خلال بيان.. وإذا ما حدث ذلك سوف يقلل النائب العام من القيل والقال ويحد من الشائعات التى انطلقت بالفعل وطالت عددا من المسئولين والإعلاميين والصحفيين والفنانين وللأسف يشارك فى ترويجها بالنميمة - وليس بالنشر - بعض الزملاء الصحفيين والإعلاميين.