النـــور هل هو حصان طروادة؟

09/09/2015 - 12:38:32

كتب - أحمد بان

تشكل الأحزاب الإسلامية هاجسا فى وعى الكثير من المراقبين والسياسيين، بالنظر لما عانته التجربة الديمقراطية فى مصر، فى أعقاب بروز هذا اللاعب الجديد بعد ثورة يناير ويتخوف البعض من أن يكون حزب النور حصان طروادة، الذى تختبأ فى شرعيته العديد من الأحزاب التى واجهت ولازالت تواجه حملات شعبية وقانونية للحل، انطلقت منذ منتصف أغسطس الماضى مستهدفة قطع الطريق على تلك الأحزاب التى تشكل ما يقرب من ١٠ ٪ من جملة الأحزاب التى بلغت ١٠٠ حزب تقريبا، حيث انصرفت الدعاوى القانونية التى دعت لحظر تلك الأحزاب إلى تسعة أحزاب منها حزب النور، ثانى أحزاب البرلمان السابق والذى حصل على ما يقرب من ٢٢ ٪ من مقاعده، والذى يترشح هذه المرة على ثلثى مقاعد البرلمان، وهو رقم كبير بالنظر إلى ما تعرضت له شعبيته، بعد اصطفافه إلى جانب الدولة المصرية وحضوره كشريك رئيسى فى خارطة الطريق التى رسمت ملامح مصر مابعد الإخوان، تضررت صورة الحزب الى حد كبير بعد هذا الموقف وبدا أن خياره كان مستهجنا من كل القوى الإسلامية، ومن ثم قواعده التصويتيه التقليدية التى توزعت فى البرلمان السابق مع الحرية والعدالة حزب الإخوان الحاكم الذى حاز ٤٣ ٪ من مقاعد البرلمان السابق، مشكلا حكومة فضلا عن فوز مرشحه بانتخابات الرئاسة، بفعل آلة انتخابية كانت هى الأكفأ مع ماكينة الحزب الوطنى الحاكم فيما قبل يناير، مقارنة بهذه الانتخابات التى بدت لأحزاب وقوى لاتملك ماكينة انتخابية، لكن البعض يقول إن حزب النور وإن بدا موقفه مناقضا لمواقف ما يسمى بالتيار الإسلامى الذى انحاز لمظلومية الإخوان وشاركهم نفس الموقف السياسى، قد يكون نجح فى تغيير الشعور العام تجاه حزب النور وموقفه الداعم للدولة، بما أنعش طرحا يتحدث عن احتساء السم والتحالف السرى مع حزب النور، لكى يكون بوابة مرور مرشحى التيار الإسلامى للبرلمان بعد حظر تلك الأحزاب.


لم يكن كشف إحدى الصحف لأسماء بعض المرشحين المحسوبين على الإخوان مدرجين على قوائم حزب النور الدليل الوحيد على ذلك، فربما تفكر مجموعة حزب النور أن إتاحة الفرصة لمطاريد التيار الإسلامى قد يمنحها فرصة أن تكون مظلة كبيرة تجمع الإسلاميين ممن يؤمنون بدولة الشريعة فى تصورهم، ووراثة الإخوان فى قيادة التيار الإسلامى، كما أن تراجع حظوظ الإخوان وأطروحاتهم المتعلقة بما يسمونه كسر الانقلاب أو الحراك الثورى، خلفت شعورا لدى الكثير من أتباع التيار الإسلامى أنه ما من جدوى سوى عبر العمل السياسى الشرعى، خصوصا إذا كانت ثمة فرصة تتيح التحالف مع حزب النور، بالنظر إلى أن الإخوان لم يجدوا ضيرا من التحالف مع الحزب الوطنى فى انتخابات سابقة على يناير، براجماتية الإخوان لاتخطئها العين والجماعة تمضى دائما فى خطين متوازيين، ولعل حديث حمزة زوبع فى أن قيادة الجماعة كانت تدرك أن اعتصام رابعة لن يؤدى إلى عودة مرسى، ما يؤكد النهج المفضل للجماعة فى المضى على مسار الاحتجاج فقط لرفع سقف مطالبها وتحسين شروط التفاوض لكن عيونها ظلت مصوبة نحو البرلمان، ولا زلنا نذكر كيف رفعت الجماعة إبان مظاهرات محمد محمود ١ ومحمد محمود ٢ ومجلس الوزراء وماسبيرو شعار الشرعية للبرلمان وليست للميدان، وهى تتلمظ شوقا لانتخابات تدربت عليها طويلا وتنظيم سياسى أعدته للمنافسة فقط على تلك اللحظة، فلا يستغربن أحد سلوك الجماعة فقد تبدو وهى ترفع شعارات المقاطعة منخرطة فى المفاوضات السرية مع الجميع، صحيح أنها تخوض معاركها الآن وهى منقسمة لجماعتين إحداهما تحبذ المشاركة تحت أى مظلة ولا تجد غضاضة فى التحالف مع الشيطان للعودة للبرلمان، فضلا عن فائض بشرى كبير لازال لديه طموح التواجد فى البرلمان وأن توزع على التيار السلفى العام الذى انحاز للإخوان بعد رابعة، أوحتى بعض المجموعات الأخرى كالبناء والتنمية، الذى يعانى أيضا انقساما كشأن الإخوان لكنه لم يحدد بعد موقفا معلنا وكان يحوز ١٣ مقعدا فى البرلمان السابق، لكن ربما يترشح بعض أعضائه بالتنسيق مستقلين دون تحالف سرى أو علنى مع النور، بالنظر لتركيبة الأعضاء النفسية وسلوكهم الذى كان أكثر وضوحا من الإخوان.


لاشك أن الأحزاب التى انشقت عن النور سابقا كحزب الوطن ربما أدركت الآن أن اختيارات حزب النور كانت أكثر واقعية، ومن ثم قد يكون هؤلاء الجسر الذى تمر عبره خطوات التحالف الجديد بين فرقاء الأحزاب الإسلامية، الذين كما توحدوا فى ساحات رابعة والنهضة مرددين شعارات الثورة الإسلامية فليس من المستبعد أن يتجمعوا من جديد تحت عنوان سياسى ساحته ووسيلته حزب النور، الذى لم يحسم أبدا خياراته ومساراته الملتبسة هل هو حزب سياسى مدنى؟ إذن ماذا تمثل الدعوة السلفية التى تحالف شيوخها فى السابق مع الإخوان تحت مظلة ما سمى فى ٢٠١٢ الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، التى كانت المظلة السياسية التى توسل بها الإخوان فى تجميع كل الفرقاء الإسلاميين ليكونوا الظهير السياسى لجماعة ظنت أنها قد تبقى فى الحكم لعقود قادمة.


لو كان حزب النور يرغب بصدق فى تعويم نفسه كحزب سياسى حقيقى، لاكتفى بالترشح على ١٠ أو ٢٠ ٪ من المقاعد اتساقا مع حظوظه السابقة وطموحاته اللاحقة، لكن إصراره على الترشح للمنافسة على ثلثى مقاعد برلمان شريك فعلى بموجب الدستور فى السلطة، يشى بأننا ربما نكون أمام تحالف غير معلن يفتح بابا خلفيا للقوى التى من الممكن أن تتعرض للحظر القانونى والسياسى، لتمكينها من دخول البرلمان الجديد من أجل تأمين بعض الأهداف أولها فتح منصة للهجوم على النظام السياسى الجديد والاحتماء بالحصانة، وتوفير مظلة تتيح للإسلاميين إعادة التموضع فى أماكن مناسبة لطموحهم، وإعادة تنظيم صفوفهم استعدادا لجولة جديدة مع الدولة الوطنية، التى يتشارك كل هؤلاء الفرقاء عداوتها ويضمرون السوء تجاهها وإن تباينت مواقفهم ومواضعهم فيها.


ربما ضعف الحياة الحزبية وتشظى القوى المدنية أيضا، وفشلها فى صنع تحالفات سياسية وانتخابية يعزز فرص بناء تحالفات مضادة للإسلاميين، قد لا تتسرب أى أخبار حولها خصوصا أن ماكينة الأخبار تدور فى الغالب حول صراعات القوى المدنية، واستقالة رئيس حزب أو الانشقاق فى هيئة حزب آخر، أما الإسلاميون فلازالوا يتعاملون مع الأطر السياسية والحزبية باعتبارها محظورات فرضتها الضرورات، ولعل قراءة فتوى منشورة برقم ٦٥١٢ تحت تصنيف الولاء والبراء فى موقع إسلام ويب، أحد المواقع المعروفة للسلفيين حول حكم إقامة الأحزاب الإسلامية مايكشف الكثير “مما ورد فى الفتوى أن الأحزاب التى لا تقوم على الإسلام ولا تدعو إليه كالأحزاب العلمانية والشيوعية والاشتراكية والقومية ونحوها، فهذه لا يجوز إقامتها ولا تمكينها لما فى ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، وإقرار ما هى عليه من الباطل وإدخال الشك والشبهة على عامة المسلمين وفتنتهم فى دينهم ...» عبارات لا تحتمل لبسا فى أن الإسلاميين لايقبلون بفكرة الأحزاب، إلا إذا كانت أحزابا دينية يؤمن بهذه الفتوى جل الإسلاميين وإن أعلنوا غير ذلك، والخطاب المزدوج لكل الأحزاب الدينية سواء الإخوان أو النور أصبح معلوما من الواقع بالضرورة، لذا تبدو فرص تعاونهم أوتحالفهم قائمة مادام العدو واحدا الدولة القومية، ومادامت الحرب خدعة فلا بأس أن يكون حزب النور حصان طروادة الذى يختفى داخله جنود دولة الشريعة فى مواجهة الدولة الوطنية، فى فصل من فصول حرب كانت غير معلنة لعقود، بدت أبرز فصولها مع خروج الإخوان من الحكم الذى سيتوسلون فى سبيل العود ة إليه بأى شىء حتى لو كان التحالف مع حزب النور.