حكاية الذوق الذى لم يخرج من مصر

09/09/2015 - 12:19:41

أسامة عفيفى


كيف سيقيمون ضريحا في وسط الطريق وفي منتصف باب الفتوح؟ وهنا أفتي أحد شيوخ الصوفية قائلا : «يدفن علي يمين الباب» وبالفعل تم حفر لحد للرجل ودفن بحذاء سور جامع الحاكم على يمين باب الفتوح، وصُنعت فوقه قبة خضراء كُتب عليها «هذا مقام سيدي حسن الذوق»


وتداول أهل المحروسة في الصاغة وخان الحليلي والجمالية والنحاسين وسوق الليمون القصة كانوا يقولون لبعضهم البعض في النهاية : «سبحان الله الذوق مخرجش من مصر» ومع الوقت نسى الناس أصل وسبب العبارة، وبدأوا يستخدمونها كمقولة مجازية تدل على أن مصر عامرة بالذوق، وأن الذوق صفة أبدية للمصريين فصارت مثلا متداولا بين العامة يفخر بذوق المصريين ...


هذا نص الحكاية كما رواها لي عالم الاجتماع الراحل أستاذنا الدكتور سيد عويس أردت أن أثبتها هنا كاملة لأنني اكتشفت أن كثيراً من مواقع المعلومات على الإنترنت اخترعت قصة أخرى لا علاقة لها بالرجل، وللأسف في عصرالاستسهال نقلت القصة المخترعة وأصبحت وكأنها الحقيقة رغم وجود مراجع كثيرة تحكي القصة الأصلية كما رواها لي أستاذنا الدكتور سيد عويس منها مثلا الخطط التوفيقية لعلي مبارك، وموسوعة أضرحة الأولياء للدكتورة سعاد ماهر يرحمها الله، وكتاب “أسماء ومسميات من تاريخ القاهرة” للمستشار محمد كمال السيد محمد الذي يعد الكتاب العمدة في أسباب أسماء شوارع وحواري القاهرة, كما ذكر نفس القصة عباس الطرابيلي في كتابة المهم» شوارع لها تاريخ» ...لكن في عصر الاستسهال أصبح سيدي حسن الذوق حسب الرواية الجديدة تاجراً كان يقوم بالصُلح بين فتوات القاهرة، ولم يقتنع الوالي بحكمه العرفي وحكم بغيره فقرر أن يخرج من مصر احتجاجا على الوالي ومات فجأة عند باب الفتوح فدفنه الناس بجوار الباب !! من الواضح تماما اختلاق القصة .فلو كان الرجل تاجراً لدفن في مقابر أسرته.. وما الداعي لأن يصبح وليا وعارفا بالله ويُقام له ضريح؟ لم يقف الأمر عند هذا الحد لكنه طال الضريح نفسة ففي فترة الفلتان الأمني في السنوات التي تلت ثورة ٢٥ يناير جدد مجموعة من مريدي سيدي حسن الذوق الضريح “الأثري” الذي كان مشهوراً بأنه أصغر ضريح في مصر، وبنوا قبة جديدة أكبر، واعتدوا على رصيف باب الفتوح الأثري وكتبوا عليه «هذا مقام العارف بالله سيدي الذوق «وبالتالي حذفوا اسمه» حسن» بعد أن زورت قصته الأصلية.. قد يسألني سائل : وما علاقة هذا كله بما نحن فيه هل كل همك أن تحقق لنا أصل حكاية ضريح لا أهمية له أثريا أو تاريخيا في الوقت الذي نحتاج من أصحاب القلم أن يشتبكوا مع همومنا ومع التغيرات الاجتماعية التي تحدث الآن بعد ثورتين شعبيتين؟ الحقيقة أن ما ذكرني بحكاية الضريح الذي أثبت قصته الحقيقة هو المتغيرات العارمة التي تمر في باطن المجتمع المصري، وعلى وجه الخصوص دلالة حكاية “سيدي حسن الذوق”، والعبارة التي تناقلها المصريون بعد موته الغريب، والتي أصبحت أيقونة دالة على الشخصية المصرية في وقت يعاني فيه المصريون من تبدلات القيم وإحساس المجتمع بأن القيم العليا تنهار رويدا رويدا، وبتعبير أدق أحاول أن أجيب على سؤال مسكوت عنه: هل فعلا « لم يخرج الذوق من مصر»؟


وهل مازالت المحروسة موطن «الذوق»؟ الإجابة السريعة ستكون بلا لقد خرج الذوق من مصر ولم يعد حتى الآن، وهذه الإجابة بالتحديد كانت هي سبب حواري مع أستاذي الدكتور سيد عويس يرحمه الله الذي حكى لي قصة المصطلح كما أسلفت وكان سؤالي له وهو العليم بمتغيرات القيم في المجتمع هل هناك سمات خالدة لأى شعب لا تتبدل أم هي شيفونية مصرية ؟!


وسألته بشكل مباشر: هل مازال الذوق موجوداً رغم الخشونة والخلل القيمي الموجود حولنا؟ أم أن الذوق قد خرج تماما من مصر؟ ضحك الرجل وقال: الذوق موجود والجليطة موجودة في كل عصر وكل مكان ,القيم الإيجابية والسلبية تتواجد سويا وبينهما صراع دائم، فلولا الجليطة ماعرفنا الذوق, ولولا الظلمة ماعرفنا النور, «فالضد يظهر حسنه الضد» كما يقول الشاعر، المجتمعات تنتج قيمها الإيجابية في مواجهة القيم السلبية التي تظهر من فترة إلى أخرى فكلما حدثت بالمجتمع متغيرات كبرى تظهر علي السطح قيم سلبية تفرضها حالة السيولة المجتمعية الحادثة مع كل جديد ومع الوقت يكتشف أغلب أبناء المجتمع أن هذه القيم السلبية لا تحقق لهم الأمان الاجتماعي فيقاومونها حتى تختفي تدريجيا أو تتحرك من بؤرة المجتمع إلى الهامش فتنتصر القيمة الإيجابية وتسود وتحقق الرضا الاجتماعي للمواطنين، وضرب لي مثلا بفترة الحرب العالمية الثانية التي شهدت نمو طبقة الأغنياء الجدد من تجار التوريدات لمعسكرات جيش الحلفاء في مصر وقال: هذه الطبقة الجديدة فرضت قيماً سلبية بسبب نزوعها إلى الاستهلاك كان أهمها الجليطة ومعاك قرش تساوي “قرش” نفس الشىء حدث بعد الانفتاح الاقتصادي فأصبح المعيار ليس وظيفة أو خلق أو أصل الإنسان، ولكن المعيار أصبح كم يملك ليس هذا فحسب بل راح بقوة ماله يمارس في العلن نزواته القبيحة محتمياً وراء القيمة المادية للإنسان الذي يستطيع شراء كل شىء وأي شىء بماله، ويتحول هذا الشخص إلى شخص «جلياط «فج خشن السلوك، لكن عندما تتحقق مبادئ تكافؤ الفرص يتوازن المجتمع وتعود قيم تقدير العمل والنبل والتضامن ويعود الذوق..


نفس الحديث تقريبا دار بيني وبين أستاذي المؤرخ الراحل الدكتور رءوف عباس بعد صدور مذكراته التي أسماها «مشيناها خطي» التي صدرت طبعتها الأولى في سلسلة كتاب الهلال وهو الكتاب الذي أثار ضجة في حينه لكشفه الفساد الجامعي لدرجة أن البعض قاضاه بتهمة إهانة الجامعة وبرّأه القضاء آنذاك من هذه التهمة, وأذكر أني سألته : لقد بنيت كتابك كله بحماس شديد على نجاح ثورة يوليو في تحقيق تكافؤ الفرص وكأنه العصا السحرية في الستينيات, فهل يكفي وأنت دارس للتاريخ أن يتحقق فقط هذا المبدأ لصنع التقدم؟ فابتسم الرجل يومها ابتسامته الطيبة وقال: نعم يكفي، فتكافؤ الفرص هو قاطرة التقدم .. لأن الإنسان المصري عندما يشعر بالعدالة المجتمعية يتألق ويبني ويشيد ويبتكر وتتفجر وطنيته ويشعر بالرضا المجتمعي، الذي هو بوابة الإحساس بالوطنية والأساس المتين لبناء القيم وإعلاء قيم التفوق والتميز بالكفاءة وليس بالأصل أو المال فتستقر القيم الاجتماعية الإيجابية ليحارب المجتمع معركة البناء وهو حر ومتحقق فيبدع ويختفي الفساد وسر استفحال الفساد في الجامعات وحياتنا بشكل عام هو النكوص عن تكافؤ الفرص الذي أدى إلى مانحن فيه من فساد اقتصادي وسياسي وتنفيذ خطة التوريث ليس فقط في الحكم ولكن في المناصب كافة عندما يتحقق تكافؤ الفرص يشعر الإنسان بأن الحياة تستحق أن تعاش فيساعد الجار جاره، ويقف الشاب للمُسن في الأتوبيس، ويختفي الفساد بل يختفي التحرش لأن التحرش فعل عدواني من إنسان غير متحقق اجتماعيا ينفس عدم تحققه في الجنس... ضحكت وقلت له هذا معناه أن تحقيق تكافؤ الفرص يعيد «الذوق» للشارع المصري فقال عباس ضاحكا : الذوق مخرجش من مصر!!