اللحظات الأخيرة لفاروق.. الملك.. والإنسان فاروق يطلب مساندة الإنجليز والأمريكان لسحق حركة الضباط

09/09/2015 - 12:17:40

د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

كثيراً ما ترددت على لسان بعض غير المتخصصين مقولة تنسب للملك فاروق أنه آثر الخضوع لطلبات الضباط الأحرار حفاظا على وحدة الجيش وعدم الزج بالبلاد فى آتون حرب أهلية. ولقد تكررت تلك «الأكذوبة» كثيراً على ألسنة العامة غير المهتمين بقراءة التاريخ فى كتب التاريخ الجادة، وهو أمر نقبله ونتسامح معه فنحن نفتقد الثقافة الرصينة .. ونفتقد معها قراءة التاريخ بعقلية جادة وموضوعية بعيدة عن الهوى. «المصور» تواصل نشر الصورة الحقيقية لشخصية فاروق التى يحاول البعض تجميلها هذه الأيام.


استعرضنا فى الأسبوعين الماضيين شهادات حيّة لشخصيات التى عاصرت عن قرب شديد اللحظات الأخيرة لنهاية الحكم الملكى.. وأسرة محمد على فى مصر.. بعد نحو ١٤٧ عاما على تولى "محمد على"، ولاية مصر وحكمها عام ١٨٠٥.. وكانت الشهادة الأولى لأحد ضباط الحرس الملكى.. هو المرحوم "محمد وفاء حجازى".. الضابط فى الحرس الملكى.. والذى كان مناوبا فى قصر رأس التين لحظة اندلاع حركة الضباط الأحرار.. وكان شاهدا على توقيع فاروق لوثيقة التنازل عن العرش لابنه.. ثم مغادرته البلاد على متن اليخت المحروسة.. واستعرضنا كذلك شهادة المستشار "سليمان حافظ".. الرجل الذى صاغ وثيقة التنازل.. والذى قدمها بنفسه لفاروق لتوقيعها.


لماذا استسلم فاروق؟


للأجابة عن هذا السؤال نعود لمذكرات المستشار سليمان حافظ.. الرجل، الذى قدم وثيقة التنازل عن العرش للملك السابق فاروق..


يجيب "سليمان حافظ" على هذا السؤال قائلا:


".. وإذا كان نزول الملك عن عرشه قد تم بهذه السهولة دون سفك دماء ولا متاعب، فإنما يرجع الفضل فى ذلك، بعد الله، وما ألقاه الله فى قلبه من رعب نتيجة مباغتة القوات الثائرة له، وإدراكه ألا ملجأ له منها، أن الشعب كان أشد سخطا عليه منها، ويرجع الفضل بعد هذا كله إلى ما أبداه " على ماهر " من مهارة وحزم وحضور ذهن وسرعة خاطر فى إقناعه بذلك.. وهى صفات كان يمتاز بها "على ماهر" على سائر أقرانه من السياسيين القدامى فى مواجهة الأحداث المفاجئة" (سليمان حافظ، مصدر سابق، صفحة ٤٥).


وهكذا نرى من شهادة المستشار "سليمان حافظ" أن فاروق طاف بذهنه خاطر مقاومة الضباط الثائرين.. وصورت له ظنونه أن لديه من قوات الجيش الموالية له، ما يمكنه من هزيمة الضباط الثائرين.. كما فعل جده الخديو توفيق مع عرابى وصحبه.


وهنا يثور سؤال: هل كان الاشتباك الذى حدث بين الضباط المحيطين بفاروق والقوات المحاصرة لقصر رأس التين بناء على مبادرة من ضباط الحرس الملكى أم بناء على أوامر من فاروق نفسه؟؟


شهادة الضابط والمؤرخ أحمد حمروش


للإجابة عن هذا السؤال، من المهم الاستماع لشهادة المرحوم "أحمد حمروش".. أحد الضباط الأحرار، الذى شاركوا عن قرب فى وقائع تلك الأيام.. وكان مسئولا عن القوات، التى تحركت إلى الإسكندرية لمحاصرة فاروق فى الإسكندرية.. وهو فى الوقت ذاته أحد المؤرخين الجادين لوقائع ثورة يوليو.


يقول أحمد حمروش: ".. ولما كان الملك فى الإسكندرية، فقد أخذت الأنظار تتجه إليها، وخاصة بعد أن استتب الأمن فى القاهرة، وحوصر قصر عابدين، وتم اعتقال كبار ضباط الجيش، والقلم السياسى، ومدير الأمن.. ولم تكد تهدأ أنفاس الضباط الأحرار فى القاهرة، حتى كان الأمر قد استقر على إرسال وحدات إلى الإسكندرية، تمهيدًا لعزل الملك.. بناء على تكليف لزكريا محيى الدين بوضعها، كما وضع من قبل خطة تحريك القوات يوم ٢٢ ٢٣ يوليو.. لم يكن تحريك القوات إلى الإسكندرية مجرد مظاهرة عسكرية، ولكنه كان ضرورة تقتضيها ظروف الحيطة والحذر من تصرفات الملك، الذى كان مجرد وجوده يمثل خطرًا حتى اللحظة الأخيرة.. فالبحرية.. مثلا.. كانت خاضعة له خضوعا كاملا ولم تسهم بأى دور فى الحركة.. وقوات الجيش هناك كانت محدودة.


لم يكن الملك يائسًا.. كان يبحث عن طريقة للخروج من هذا المأزق.. كانت كلماته التى حملها مرتضى المراغى إلى محمد نجيب تحمل تلميحا باحتمال تدخل القوات البريطانية فى الموقف كما حدث فى أيام أحمد عرابى.. (أحمد حمروش، قصة ثورة يوليو، ص ٢٢٧ ).


فاروق يطلب حماية السفارة البريطانية


وقبل أن ننتقل إلى موضع آخر.. يهمنا أن نذكر ما كتبه "مرتضى المراغى" آخر وزير للداخلية فى عهد فاروق بصدد الاتصالات الأخيرة للملك فاروق بالإنجليز والأمريكان.


ومذكرات الأستاذ "مرتضى المراغى" تكتسب أهميتها من كونها صادرة من رجل كانت تصب فى مكتبه كل التقارير السرية لجهاز الأمن المصرى عن الأحداث والشخصيات والأحزاب السياسية والمنظمات السرية.. ومنها تنظيم الضباط الأحرار.. ورغم الاحتراز الواجب فى النقل عن "مرتضى المراغى".. الذى حاول فى مذكراته غسل سمعته عن الفساد الذى لحق بدوائر الحكم.. وخصوصًا الفساد المتعلق بالملك وحاشيته.


الاتصال بالإنجليز


يقول الأستاذ "مرتضى المراغى" عن واقعة الاتصال بالسفارة البريطانية ما يلى: ".. لقد أراد الملك فاروق فعلا أن يستعين بالإنجليز فى اليوم التالى لقيام الثورة.. فأرسل مبعوثا إلى السفارة البريطانية قابل فيها الوزير المفوض مستر "كرسويل"، الذى كان قائما بأعمال السفير . ودار بينهما هذا الحوار:


المبعوث: أنا موفد من الملك فاروق برسالة إليك.


المستر "كرسويل" (بسخرية): وما هى الرسالة؟


المبعوث: إنه يود معرفة ما إذا كنتم تستطيعون مساعدته؟


كرسويل: وهل تظن أننا نساعد مجنونا ملعونا(Damfool)؟


وهكذا ترك الإنجليز فاروق لقدره!! (مرتضى المراغى.. شاهد على حكم فاروق . ص ٢٩٠ )


اللجوء للأمريكان


كان فاروق يحاول بكل الطرق إنقاذ عرشه.. فلما يئس من البريطانيين، فكر فى اللجوء للأمريكان لإقناعهم بالتدخل لدى البريطانيين وإنقاذه من حركة الضباط.. وهكذا استدعى الملك فاروق "جيفرسون كافرى" سفير أمريكا لمقابلته فى سراى المنتزه يوم ٢٣ يوليو.. وطلب منه فاروق أن يطلب من حكومته إقناع الحكومة البريطانية بحاجة الملك الشديدة لتدخل قواتها.


ويقول "إيدن" فى مذكراته: إنه قد أوضح للسفارة البريطانية فى القاهرة أن القوات البريطانية لا يجوز أن تتدخل لإبقاء فاروق على العرش.. ولذا فإن السفارة البريطانية لم ترد على السفير الأمريكى "كافرى" ردا مشجعا بعد اتصالات عاجلة تمت بين لندن وواشنطن؟؟ كما يقول الوزير البريطانى "أنتونى ناتنج" فى كتابه المهم "ناصر".


ويعقب "أحمد حمروش" على هذه الوقائع بجملة واحدة موحية: وهكذا لم تثمر جهود "الملك" فى استجلاب تدخل بريطانى أو أمريكى لحماية عرشه".. (قصة ثورة يوليو.. صفحة ٢٢٧).


يذكر "أحمد حمروش" فى كتابه "قصة ثورة يوليو" ما يلى: " .. وكان الملك قد جمع حوله "أنطون بوللى"، "كافتسى" (درب الكلاب)، "جارو" (الحلاق)، والقائمقام "حلمى حسين" (السائق)، و"محمد حسن" (الشماشرجى)، والأميرلاى "محمد أبو النصر" (مدير مشاة الحرس الملكى)، والياور "على مقلد" والياور الجوى "حسن عاكف".. وطلب منهم صد الهجوم عن القصر بتوجيه نيران الهجانة ومدافع الماكينة على الدبابات الرابضة خارج الأسوار.. وبدأت الطلقات المتبادلة.. ثم أمر الملك بوقف الضرب عندما أبلغ أن مدفعًا كبيرًا مصوب فوهته على صالة القصر".. ( أحمد حمروش، قصة الثورة، ص ٢٢٨ ).


وهكذا أدرك فاروق أن توازن القوى ليس فى صالحه.. وأن قوات الحركة سيطرت على الموقف.. ونجحت فى حصاره مع أسرته. وقرر الاستسلام.. ومغادرة البلاد.


فاروق: أنتم سبقتونى!!


تبقى فى إطار هذه الدراسة.. واقعة تستحق الذكر.. فيما يخص نيّة فاروق مقاومة حركة الضباط.. وقد ذكرتها معظم المراجع والشهادات القريبة من الأحداث . وهذه الواقعة حدثت أثناء توديع محمد نجيب وضباط الحركة لفاروق على اليخت المحروسة.. ربما كان هذا الحوار الأخير، سببا فيما شاع عن عدم نية فاروق استخدام القوة ومقاومة حركة الضباط.


يقول أحمد حمروش فى كتابه قصة ثورة يوليو: " .. وصعد محمد نجيب إلى المحروسة ومعه زملاؤه.. ثم أدى التحية العسكرية للملك المعزول.. وتصافحا باليد.. ومضت فترة سكون.. يقول عنها محمد نجيب (الملك يتوقع أن أتحدث.. والقدرة على التعبير ضاعت من رهبة الموقف).


وأخيرًا انطلق نجيب يتحدث قائلا:


"إننى أريد أن أقول لك شيئًا.. عندما اقتحمت الدبابات البريطانية قصرك فى ٤ فبراير ١٩٤٢.. كنت أنا الضابط الوحيد الذى قدم استقالته احتجاجًا على هذا الاعتداء الشنيع على استقلال البلاد. فعلت هذا باسم الجيش كله.. وعبرت به عن شعور هؤلاء الضباط الذين قاموا بالحركة اليوم.. وفى هذا ما يدل على مبلغ ما كان من ولائنا نحن رجال الحركة لك.. أما الآن فقد تطورت الأحوال.. وانقلبنا نحن حماتك إلى ثوار عليك نتيجة أعمالك وتصرفات من حولك".


وفوجئ فاروق بهذا الحديث فقال: على كل حال أننى أتمنى للجيش كل الخير.. وأنى أوصيك خيرا بالجيش المصرى.. فهو جيش آبائى وأجدادى.. أن مأموريتك شاقة وصعبة. وقال له نجيب: إنى أعرف أن الكولونيل باشا الفرنساوى هو الذى بدأ تكوين الجيش المصرى.


وكان فاروق قد لاحظ أن "جمال سالم" يحمل عصاه، وهو فى حضرته.. فتوقف عن الحديث.. وأشار له قائلا: ارم عصاك!!!


وحاول جمال سالم أن يعترض.. ولكن "محمد نجيب" نهره عن ذلك.. فألقى عصاه.. ووقف وقفة فيها شيء من اللامبالاة.


وقال الملك بعد أن صافحهم مودعا.. بعد أن أدى لهم التحية العسكرية.. أنتم سبقتونى فى اللى عملتوه.. اللى عملتوه دلوقتى كنت راح أعمله؟؟!!


وطلب الملك تأجيل رحيل المحروسة نصف ساعة حتى تحضر بقية حقائبه.. ووافق نجيب بلا تردد.. وخرج وفى ذهنه كلمات الملك.


ويعقب "أحمد حمروش" على هذا الحوار قائلا: " ... كان سباق مع الزمن بين الملك وبين الضباط الأحرار.. لو كانت الحركة قد تأخرت أياما، ربما كان بعضهم قد أصبح خلف قضبان السجون.. والملك فى حياته اللاهية.. ولكن أحداث التاريخ شاءت أن يخرج الملك معزولا من مصر، وأن يصبح "محمد نجيب" قائدا لحركة الجيش (ثورة ٢٣ يوليو، أحمد حمروش، صفحة ٢٣٢- ٢٣٣، طبعة الهيئة المصرية للكتاب).


ونستكمل فى المقال القادم الشهادات الحية عن ظروف وملابسات موت الملك فاروق، والتى دارت حولها شائعات وأقاويل كثيرة.