احتفالية الإنصاف والعودة إلى الحق!

09/09/2015 - 11:30:36

  جيهان السادات توقع على كتب الرئيس الراحل الصادرة عن «دار الهلال» جيهان السادات توقع على كتب الرئيس الراحل الصادرة عن «دار الهلال»

بقلم - رجائى عطية

دعيت مساء الأربعاء ٢/٩/٢٠١٥ إلى احتفالية دار الهلال، وجامعة النهضة، بتوقيع كتابين قديمين للرئيس السادات، كتبهما فى خمسينيات القرن الماضى، وهو لمّا يزل فى صفوف الضباط الأحرار، أحدهما عام ١٩٥٥ عن «أسرار الثورة المصرية» والآخر كتبه إلى طفله جمال عام ١٩٥٧ «ياولدى هذا عمك جمال».


وفى قاعة الاحتفال، قابلت أصدقاء وشخصيات لم ألاقها من أكثر من عشرين سنة، والتقيت السيدة جيهان السادات التى حضرت للتوقيع، والتى لم ألقها قط فى حياة السادات، ولم أقابلها سوى مرة بعد وفاته.. صدفةً على إحدى موائد المدعوين إلى زفاف دعيت إليه، ولفتنى أنها لقيتنى بسماحة لا مسحة فيها للغضب من قيامى بالدفاع عن خالد الإسلامبولى فى محاكمته، ولا ما صاحب ذلك من آراء أبديتها، كانت متصلة بموقف سابق معلن، عارضت فيه السادات، احتجاجًا على سياسته فى العام الأخير قبل اغتياله، والذى جرى فيه مصادرة جريدة الأهالى تسع مرات، وحل المجلس الشرعى لنقابة المحامين وتعيين مجلس بديل، واعتقال بعض الشخصيات العامة قبل الاعتقال الكبير الذى وقع فى ٤ سبتمبر ١٩٨١، وضم ١٥٣٦ شخصية كان المفترض أن أكون فيهم، لولا أن اعترض السادات شخصيًّا على اسمى، قائلاً فيما نُقِلَ إلىّ: «شيلوه .. ده ماشى حسب دماغه ولا أحد وراءه!».


كان غريبًا على توقعى أن يكون هذا موقفه منى، مع أنه لا تربطنى به صلة، وما يعرفه عن مواقفى ومعارضتى لا يرضيه، فقد انفردت أثناء محاكمة جماعة التكفير والهجرة عام ١٩٧٧، بكتابة خطاب خطى إليه أطلب فيه منه ما سكتت المحكمة عن إجابتنا إليه، أن يحضر ـ وهو رئيس الجمهورية ـ لأداء شهادته التى طلب الدفاع سماعها، أو الإجابة ـ إن لم يحضر ـ على واحدٍ وعشرين سؤالاً سطرتها فى خطابى، رأيت من واجبى أن أطرحها عليه، وأن يجيب عليها . ولا زلت أذكر أنه بدا فى الجلسة التالية قبل انعقاد المحاكمة، أن الدنيا قامت ولم تقعد، وأن هناك تحركات تتبعنى، ثم كانت المفاجأة التى لم يتوقعها أحد، أن الرئيس السادات أحال خطابى إلى المحكمة بتأشيرة منه إلى رئيس المحكمة بالنظر، وبذلك رد القرار إليه، ولكن هيئة المحكمة لم تتخذ قرارًا باستدعائه، وكان اللافت أيضًا أن الرئيس لم يمسسنى بعد ذلك بأى سوء!


ومضت الأعوام وموقفى من السادات يزداد ميلاً إلى معارضته، وازدادت معارضتى مع إصداره قانون حماية القيم من العيب (٩٥ / ١٩٨٠) ثم بإصداره القانون ١٢٥ لسنة ١٩٨١ فى يونيه ١٩٨١ بحل مجلس نقابة المحامين، وتعيين مجلس مؤقت لإدارة النقابة، وتزامن مع ذلك مصادرة جريدة الأهالى تسع مرات، وبعض الاعتقالات، مع اشتعال غضبه وحدة ملحوظة فى خطابه، وصلت فى النهاية إلى قرارات سبتمبر ١٩٨١، والتى أدهشنى حقيقةً أنه أمر باستبعادى من كشوف المزمع اعتقالهم.


على أننى رغم معارضتى للرئيس السادات فى حياته، رحمه الله، حزنت لاغتياله، فلست من أنصار أن تحل الرصاصة محل الكلمة، وأومن بأن هناك مساحة من الشرعية تسمح مهما ضاقت الأمور بالمراجعة والتصحيح، ومع أن خالد الإسلامبولى قال لأمه إنه يعلم أنه ميت، وأن طلبه هو أن يعرف الحاضر والتاريخ لماذا ارتكبوا ما ارتكبوه، ولاعتقادى أن ذلك صار بالفعل من حق الشعب وحق التاريخ، لم أجد بأسًا من قبول مهمة الدفاع عن خالد الإسلامبولى وعبد الحميد عبد العال المتهمين الأول والثانى فى قضية الاغتيال، وألزمتنى المحكمةـ لشبهة التعارض بينهما ـ أن أكتفى بالدفاع عن الأول فقط . وفى تلك الأيام كتبت مقالاً لمجلة المصور يحمل خواطرى وأسبابى لقبول المهمة ورؤيتى لها، إلاَّ أن ظروف البلاد لم تسمح بنشره آنذاك، ولكنى نشرته كاملاً فى كتابى


«أوراق» الصادر سنة ١٩٩٧، ثم أعدت نشره فى مقالاتى «من أرشيف الذكريات»، ونشر فيها تباعًا بجريدة المال أسبوعيا منذ ٢٦ فبراير ٢٠١٢ حتى ١٨/٣/٢٠١٢.


على أنه كان قد حدث فى أكتوبر ١٩٨٦، أن التقيت مصادفة بميدان طلعت حرب بفارس المحاماة العظيم أستاذنا الكبير مصطفى مرعى، فاتصل ما كان بيننا من تواصل حين ذهبت إليه لاستشارته فى إحدى القضايا، وكان زميلاً لأبى رحمهما الله، ففوجئت بالرجل الكبير يحدث تحولاً فى تفكيرى، حين قال لى وكان على رأس معارضى الرئيس السادات: «لقد ظلمت أنور السادات . هذا الرجل قد دفع حياته عن طيب خاطر من أجل وطنه» . وفى لقاءاتنا بمنزله على نيل القاهرة، على مسافة أمتار من البيت الذى كان يقيم فيه الرئيس السادات، طفق المناضل الكبير يكشف نظريته أن ما أخذناه عليه فى الفترة الأخيرة، كان بسبب حرصه على أن تمضى بهدوء الفترة الباقية على الانسحاب الإسرائيلى المقرر له ٢٥ أبريل ١٩٨٢، وحتى لا تتذرع إسرائيل للنكوص عن التزامها بالانسحاب، وأن هذه الخشية كانت علة انفعاله وما صاحبه من قرارات، وأن هذا الرجل سوف يحسب له أنه افتدى مصر بروحه حين حمل المسئولية على عاتقه، بعد ما أدرك أن الاحتلال سيتحول بمرور الوقت إلى أمر واقع سيتجذر وتصعب إزالته، وأنه لا بد من تحريك الماء الآسن، ومن ثم أقدم على ما لم يجد منه بدًّا وهو يدرك أن قراره لتحرير مصر سوف يجر عليه الاغتيال، وقد كان!


منذ هذا الحوار، طفقت بدورى أتأمل وأعيد النظر، وأسترجع الأحداث فى ضوء ما تكشف وظهرت معالمه المخفاة، وشيئا فشيئًا تجلت أمامى الحقيقة التى كانت تائهة عنى، وبدا لى أننا تسرعنا فى الحكم على السادات، ومع هذه المراجعة لم أجد غضاضة فى أن أعلن ذلك وأن أكتب وأن أقول إن هذا الرئيس الذى لاقى ربه، من أخلص زعماء مصر، وإن من حقه علينا أن نرد إليه اعتباره، وأن نرفع عنه ما تراكم من إساءات، وأن ننوه بدوره الكبير فى خدمة وطنه.


لم أكن ضمن جدول المتحدثين فى الاحتفالية التى دعتنى دار الهلال إليها، ولكن الأستاذ حمدى رزق دعانى مشكورًا لإلقاء كلمة موجزة رحبت بإلقائها وفاءً بحق هذا الزعيم المخلص الذى طال الافتئات عليه بغير حق, وانسابت الكلمات بلا ترتيب, لأشهد بأننى إذْ اختلفت مع سياسته وعارضته وهو يملك السلطة والقرار, فإنه لم يمسسنى بأى سوء, بل ورفع عنى خطرًا كان محدقًا ـ دون ما حافز يدفعه إلى ذلك إلاَّ اقتناعه بأننى لا أتحرك لحساب أحد, ولا أصدر إلاَّ عن اقتناعى الشخصى حتى وإن خالف ما يعتنق ويريد . ثم أوجزت فأبديت أن السادات من معدن نفيس, يزداد بريقه ولمعانه ووميضه مع الأيام, ويزداد فهم الناس وتقديرهم وحبهم أياه وإكبارهم له, وإننى إذ عارضته حيًّا فإنه قد ألزمنى حبه بعد أن لاقى ربه . وأنه يبقى للسادات فى صفحات التاريخ أنه هو الذى ردَّ إلينا الكرامة الوطنية بعد سنوات الهزيمة والانكسار, وأجلى العدو المحتل بنصر عظيم سيظل مسطورًا له ولنا فى التاريخ, حرر به أراضينا التى طال شوقها إلى «الأذان» الحبيس المحرومة منه وهى تحت الاحتلال, وأنه الذى بشَّر بالحرية وأعادها فعلاً إلى ربوع بلادنا, وبدأ بالمنابر ثم أعاد الأحزاب ليضعنا على أول الطريق إلى الديمقراطية التى أتاح لنا أن نستكمل خطواتها, ثم هو الذى فتح قناة السويس وأعاد ضخ الدماء إلى الشرايين التى جفت, ودفع حياته واقفًا شامخًا فداءً لوطنه, وأن هذه الاحتفالية لا تقتصر فقط على توقيع كتابين من تأليفه والتنويه بهما, وإنما هى رد اعتبار لمصر, أن ترفع عن وجهها أنها تظلم بنيها، وأنها ظلمت هذا القائد الفذ, ولم تعطه حقه الواجب, وربما كانت هذه الاحتفالية دعوة غير مباشرة للأمة المصرية للتأمل فيما قدمه هذا الرئيس الوطنى لبلده، وما أنجزه لها من انتصارات، وما يستحقه من تقدير وعرفان . إنها احتفالية إنصاف وعودة إلى الحق.