الموسيقى فى الدين الإسلامى بين الإباحة والتحريم

22/07/2014 - 9:36:08

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

بقلم : د.رانيا يحى

دخلت الموسيقى إلى المعابد مع الطقوس الفرعونية والإغريقية ثم انتقلت إلى أماكن التعبد فى الديانات السماوية، حيث كانت الموسيقى قديماً هى الوسيلة الرئيسية للعبادة والربط بين الآلهة والبشر.. وقد حظيت الموسيقى بالعناية والرعاية من الآلهة ورجال الدين وذلك لدورها في التوغل داخل النفس البشرية ومخاطبتها إياها وذلك للتأكيد على الشعور الديني ،مما جعلهم يعتقدوا أن كلما اقترب الإنسان من الله كانت موسيقاه أنبل وأرفع ،ومن ثم نالت الموسيقي قداسة عالية في المجتمعات القديمة.


ومحاولة فرض الخصومة بين الدين والموسيقى أو بمعنى أدق التشكيك فى مشروعية الموسيقى والغناء فى الدين الإسلامى أخذت مناحى بعيدة .. وقد خاضت الآراء فى إشكالية الإباحة والتحريم دون النظر فى وظيفتها الإصلاحية والأخلاقية فى المجتمع وما لها من دور تربوى فى التنشئة وبث الطمأنينة فى النفوس بل وأبعد من ذلك حيث تستخدم كوسيلة لدرء الأمراض وعلاج حالات الاكتئاب.


وقد حاولت بعض الآراء المتشددة إثبات حرمانية ورفض الإسلام للموسيقى دون أسانيد قوية ،ولكن البعض الآخر من الآراء أكد عدم ذكر أى نص قرآنى يحرم الموسيقى بل هناك العديد من الشواهد التى تؤكد على مشروعيتها فى عهد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى ما سبقه من عهود فى ظل الديانتين السماويتين اليهودية والمسيحية ..فنجد الديانة اليهودية كأول دين سماوى ارتبطت طقوسها ارتباطاً وثيقاً بالموسيقى ،ولم تقتصر فقط على الاحتفالات الدينية بل شاركت أصحاب هذه الديانة احتفالاتهم ومناسباتهم الاجتماعية أيضاً ،حيث تتجلى فى الزواج والميلاد والأعياد وغيرها ،ولا يوجد نمط موسيقى ثابت لأداء التراتيل والشعائر اليهودية بل تختلف حسب كل فئة أو جماعة منهم ،وقد نجد أدعية وابتهالات دينية مأخوذة عن التوراة لكن تؤدى بطرق لحنية وإيقاعية متباينة تبعاً للبيئة التى كانوا يعيشون فيها.. أما الديانة المسيحية فقد تأثرت منذ نشأتها بالديانة اليهودية حيث تربطهما بعض الجذور المشتركة وهى مازالت بادية إلى اليوم من خلال تقديس المسيحيين للتوراة كتاب الله عز وجل الذى يعتبرونه القسم الأول من الكتاب المقدس والمسمى بالعهد القديم أما الإنجيل بالنسبة لهم هو القسم الثانى ويطلق عليه العهد الجديد ..وتمثل الابتهالات والتراتيل حالة خاصة بالنسبة للكنيسة منذ زمن بعيد والتى تعود فى الأصل للكتاب المقدس وتواترت هذه الألحان التعبدية فى عهد السيد المسيح وتوارثتها الأجيال المتعاقبة بالتلقين جيلاً بعد جيل ،وقد بدأت التراتيل الكنسية بالمزامير والتسابيح الواردة فى العهد القديم وأضيف إليها ترانيم من العهد الجديد ..وبعد دخول الإسلام أصبحت الموسيقى تستمد من الدين شعاعاً قدسياً وتسبغها بحالة نورانية تلعب دوراً هاماً فى أسر العاطفة الدينية وإيقاظها فتشعل الجانب الروحى والإيمانى لدى الشخص.. ومن أول الدلائل والشواهد على مشروعية الموسيقى والغناء وتداخلهما فى الشعائر الدينية الإسلامية وعدم تحريم سيدنا محمد لها هو استقبال الأنصار له فى المدينة بعد الهجرة بأغنية "طلع البدر علينا" ،وهو خير دليل على ارتباط الموسيقى والغناء في وجداننا وتراثنا الثقافي منذ عهد رسولنا الكريم ،وبعد أن فرضت الصلاة على أمة محمد (ص) فكان الإعلان عنها المتمثل فى الآذان وإقامته خمس مرات يومياً بأداء فردى باستخدام المقامات الموسيقية والتى تؤثر فينا جميعاً تأثيراً جلياً وخاصة إذا كان المؤذن يتمتع بحلاوة الصوت وطلاوته كما كان بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا يسمح للمؤذن الإطالة والارتجال بشكل مطلق بل عليه الالتزام بما تفرضه القواعد الإسلامية وأحكامها فى تأدية الفروض فى أوقاتها.. وكذلك نجد دور الموسيقى واضح فى تكبيرات العيدين وإنشاد المتعبدين والصوفيين داخل حلقات الذكر ؛فالإنشاد الديني والصوفي الذي ازدهر في بعض مراحل الحضارة الإسلامية كانت وظيفته تهذيبية وأخلاقية وتطهيرية ودعوية، قبل أن تشوبه بعض طقوس البدعة أحياناً ،فالنشيد الإسلامي الذي هو تعبير موسيقي يعمل على تحضير الذات لاستقبال المعاني والقيم الدينية .. أما التلاوة القرآنية فقد حثّ رسول الإسلام على التغنّي بالقرآن ، وما التجويد في قراءة القرآن إلاّ تحسين الصوت حيث تعتمد هذه التلاوة بشكل أساسى على المقامات الشرقية ، وللتأكيد على أهمية التلاوة المنغمة ينبغى أن نذكر أقوال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حول ضرورة استخدامها لترتيل القرآن وتجويده حين قال: "زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً" وقوله (ص): "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" ويقول رب العزة سبحانه فى كتابه العزيز: "ورتلناه ترتيلاً" وكل هذا دليل قاطع على ضرورة استخدام الموسيقى ومشروعيتها فى الدين الإسلامى. ويقوم المرتل بالارتجال اللحظى الغير مدون ولكل مقرئ أسلوبه من حيث أماكن التنفس وتقطيع الآيات القرآنية وتحديد مخارج الألفاظ عن طريق تشديد بعض الأحرف والوقوف عليها لإظهارها أو للتأكيد على بعض الأحكام الإلهية الواردة فى النص الكريم ،كما تكمن أهميتها فى تصويب النطق وسلامته وتوضيح معانيه وألفاظه مع إيضاح ما تيسر من أحكامه وزيادة خشوع قلب المؤمن إلى ربه ..وحتى الانتقال وتغيير المقام أثناء التلاوة فهو غير محدد بمعايير أو قواعد موسيقية ثابتة بل يرجع لذوق المقرئ وإحساسه حيث يعمل على زيادة جذب انتباه السامع وتشويقه ،وكثيراً ما يقف المقرئ عند المقام الأساسى ثم يتحول منه إلى مقام قريب وقد يلامس مقامات أخرى سريعاً ويعود للمقام الأصلى مع وضعه للزخارف اللحنية على بعض الكلمات أو الأحرف بطريقة جمالية نابعة من رغبته فى توصيل أداء وإحساس معين للمتلقى.. ولا يستخدم الإيقاع بصورته المتعارف عليها أثناء التلاوة القرآنية ولكنها تتم عن طريق تقطيع المفردات اللفظية خلال عملية التلاوة وأحكام التجويد ،ولا يوجد أى استخدام للآلات الموسيقية على الإطلاق أثناء تلاوة القرآن أو حتى لممارسة الشعائر الدينية الأخرى وإن كان هناك استخدام قليل للدفوف فى بعض المناسبات الدينية والمدائح النبوية وموالد أولياء الله الصالحين وآل البيت الشريف.


 ويلاحظ فى الدين الإسلامى أن الأداء يعتمد على قارئ واحد فقط وليس هناك تلاوة جماعية إلا أثناء تحفيظ القرآن فى الكتاتيب والمساجد ،أما ارتباط الجموع فيقتصر على أداء بعض الابتهالات الدينية والتواشيح وتكبيرات العيدين حين يجتمع المسلمون فى شتى ربوع الأرض يتقربون إلى الله عز وجل.


وقد تم تناول الابتهالات الدينية وتكبيرات العيدين وترتيل الأذان فى عدد لا بأس به من الأعمال الموسيقية التى تعبر عن التأثر بالبيئة الشرقية والدينية المتأصلة فى أعماقنا وذلك لمجموعة من المؤلفين المصريين على سبيل المثال وليس الحصر عطية شرارة الذى تربى على التواشيح الدينية فى بيت أزهرى استخدم مقاطع ذات موروث ثقافى دينى فى بعض مؤلفاته مثل افتتاحية أنوار المدينة وجبل عرفات وأيضاً رفعت جرانة استخدم لحن الأذان فى عمله الأوركسترالى "قصيد سيمفونى انتصار الإسلام" ووضع تكبيرات العيد فى أعمال أخرى.. ولذا فالتراث الإسلامى جزء من تكويننا السيكولوجى الداخلى وفطرتنا التى نشأنا عليها؛ ومن ثم لا نستطيع أن ننكر الدور الذى أسهم به أسلوب التلاوة القرآنية فى تشكيل الوعى الموسيقى لدى عظماء الموسيقيين المصريين وكان بمثابة المدرسة الأولى التى أعطت الإرهاصات الموسيقية المبكرة فى أصول التلحين والغناء لجميع مشايخ الموسيقيين أمثال الشيخ سيد درويش وزكريا أحمد ومحمد القصبجى ومحمد عبد الوهاب وسيد مكاوى وكوكب الشرق أم كلثوم ..وحقيقة الأمر أن ديننا السمح بكل ما فيه يثلج صدورنا ويهذب نفوسنا فهو يسرى فى عروقنا كالدماء ولذا نحاول جاهدين أن نتقرب إليه فى كل صور الحياة ..وفن الموسيقى شئنا أم أبينا جزء أصيل من مكونات هذه الشعائر والطقوس الروحانية.


وقد كانت مصر سببا فى تدعيم وتوطيد أركان الإسلام على مر العصور وخاصة بعد ازدهار الخلافة الإسلامية وما أحل بها من رخاء اقتصادي إبان عهد الخليفة عثمان بن عفان وهى الفترة التى تلت دخول الإسلام مصر وكان لها أثر على اهتمام الخلفاء والأمراء بالفنون وفى مقدمتها الموسيقى حيث وجدت فى جميع قصور الأشراف والأثرياء.. كما اشتهرت مصر بكل ما له علاقة بأداء الطقوس الدينية من مساجد ومآذن حتى أطلق عليها بلد الألف مئذنة من كثرة مآذنها ،وخاصة فى أحياء وسط القاهرة كمناطق مصر القديمة والأزهر والحسين والقلعة فتشعر بعظمة هذا التاريخ الإسلامى حين تنطلق هذه المآذن بالتكبيرات.. وقد أدى هذا لوجود بُعد ثقافى دينى فى نفوسنا جميعاً وشكلت وجداننا وأحاسيسنا بلا تفرقة بين مسلم ومسيحى ويهودى ..فالديانة الإسلامية بشعائرها وطقوسها باتت جزء أصيل من تراثنا الثقافى على اختلاف ديانتنا ،وظهر ذلك متجلياً فى أشكال الفنون المختلفة سواء فن تشكيلى أو سينما أو مسرح أو موسيقى وأبدع فيها المصريون أبناء الوطن الواحد بعيداً عن انتماءاتهم وعقائدهم.