طفل مشنوق فى «فاقوس»

09/09/2015 - 10:38:20

بقلم - حمدى رزق

على موقع «فاقوس بلدى» قرأت خبراً محزناً، خلاصته، خيم الحزن الشديد على أهالى قرية «الحجاجية القديمة»، التابعة لدائرة مركز فاقوس، بعد العثور على طفل فى الثانية عشرة من العمر مشنوقاً فى غرفة بالأرض الزراعية بالقرية، ومعلقاً على رقبته حبل.


 الطفل «إبراهيم» ذهب كعادته إلى الحقل الذى يتملكه أبوه بالقرية، لكنه لم يعد، وعثر على جثته مشنوقاً أسفل شباك غرفة مقامة من الدبش والخوص بالأرض الزراعية.. وتبين من التحريات، التى باشرها الرائد أحمد شمس رئيس مباحث فاقوس، أن الجثة للطفل «إبراهيم» يبلغ من العمر ١٢ سنة، طالب بالصف الأول الإعدادى وملفوف حول رقبته حبل، وتم استدعاء مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبى على الطفل لبيان سبب الوفاة، حيث لم يستطع الجزم بأن سبب الوفاة الشنق أو توجيه ضربة قوية للطفل فى رقبته، وتحرر المحضر رقم ٦٧٥٢ إدارى مركز فاقوس لسنة ٢٠١٥.


 وأمرت النيابة العامة بإشراف المستشار هانى تاج الدين، المحامى العام لنيابات شمال الشرقية، بتشريح جثة الطفل لبيان سبب الوفاة.. أسرة الطفل اتهمت فى محضر رسمى كلاً من الطفلين «محمود. أ» (١٢ سنة)، و»أحمد. م» (١١ سنة) بارتكاب الجريمة، لمشاهدتها الطفلين مع الطفل قبل وفاته، وبعد إذن النيابة العامة، تم ضبط الطفلين، وتوصلت تحريات مباحث مركز فاقوس إلى عدم ارتكابهما الواقعة.


الأهالى يطالبون بكشف غموض مقتل الطفل، وخاصة أن والده عامل بسيط، ويكسب قوته يوماً بيوم، وأن الحادث مضى عليه أكثر من أسبوع، ولم يتم تحديد هوية الجانى، وخاصة أن الحادث كان فى وضح النهار.


فاقوس / شرقية، وطفل مخنوق، وطفلان فى دائرة الاتهام، وأب ينتحب، وقرية حزينة، وقش وبوص ودبش، وجريمة فى وضح النهار، وأسبوع مضى، وتحريات ولواءات وتحقيقات ونيابات، ومفتش الصحة لم يحسم الجريمة انتحار أم انتحار، والأولى شنق نفسه، والثانية شنقه مجرمون، من يبرد قلب الأب، من يطمئن قلوب أهل القرية، من يحسم الأمر؟..


أسماء اللواءات والمستشارين فى الخبر توحى باهتمام لافت، أخشى أنه اهتمام من كاتب الخبر الذى لم تحفل به الصحف الكبيرة، من ذا الذى يهتم بطفل مشنوق فى فاقوس، العدد فى الليمون، فاقوس ليست أصلا على خريطة الصحافة القاهرية، كما أنه ليس حادثاً إرهابياً، لتفرد له المساحات، وتهتبله الفضائيات، وتتناوله الأعمدة الصحفية، وقع نظرى عليه بالمصادفة من خلال تصفح المواقع الإلكترونية، موقع «فاقوس البلد»، بالمناسبة أنا من منوف / منوفية، ولست فاقوس/ شرقية، والاهتمام هنا محض إنسانى إذا كان ثمة إنسانية.


 لو تلقى حادث طفل فاقوس أدنى اهتمام إعلامى من فضائيات الليل وآخره، لكان للقضية منحى آخر، ولو بحثت عنه صفحات الحوادث أو صحف الحوادث القاهرية، لكان الطفل أيقونة الأعمدة الصحفية، ولكن من يهتم بطفل فاقوس المشنوق، من يهتم بأطفال الريف عموما إن جاعوا أو تعروا أو امتهنوا أو اغتصبوا أو شنقوا، عباقرة الريف خلف أذان القاهرة، لا يسمع بهم إنسان، فى خلفية الاهتمام، خارج دائرة الاهتمام، لا رعاية صحية ولا نفسية ولا تعليمية، ولا «حاجة خالص».


تسمع عجبا عن جرائم بحق الأطفال يشيب لها الولدان، كل يوم بحادثة تخجل منها الإنسانية المجردة من الزيف، تصمت الضمائر على ثغاء الحملان، صمت الحملان، إن الشيطان ذئب، الإنسان كذئب الغنم، يأكل الشاة القاصية، هذا الطفل المشنوق سبة وعار فى الجبين، خلينا فى الجواز والطلاق، وتقصير الثياب، والكاسيات العاريات، وعبده موتة سواق التوك توك، جل أطفال الريف يقودون التوك توك.


 هل شنق إبراهيم نفسه، بالفتحة على الشين، تبقى مصيبة، أن يذهب طفل بقدميه إلى الانتحار شنقا، لو فى بلاد تحترم حقوق الطفل، لثارت جمعيات حقوق الإنسان، ولكنها متفرغة لحقوق الإخوان، ولعكف المحللون النفسيون على تحليل الواقعة، بدلا من تحليل الخطاب الإرهابى، وتقفى أسماء مرشحات حزب النور، هل هو اكتئاب طفولى مبكر، وهل هناك فى مصر اطفال أسوياء نفسيا!!.


 هل هو غباء أسرى متقدم، هل ضربته أفلام عبده موته، هل قلد المنتحرون فى أفلام الرعب الأزلى، ما الذى يدفع طفل أن يودع البراءة ويسلم نفسه إلى ملاك الموت منتحرا، هل فشلت المدرسة، هل فشل المسجد، هل فشلنا جميعا، هل غافلنا الطفل منتحرا؟.. خلص منا، وتخلص من قسوتنا وغلظتنا وأنانيتنا وانكبابنا على أنفسنا، وغرقنا فى بحور ذواتنا المتضخمة، المنتفخة المنفوخة كذبا وغشا وخداعا، كم رب بيت يجلس إلى أولاده، يضاحكهم ويلاعبهم ويستذكرهم ويتفهمهم ويرعى حالاتهم «النفساوية»، ويضبط إيقاعهم الداخلى ويؤهلهم لصدمات الحياة؟..


ولو شنق، بالضمة على الشين، شنقه أحدهم، لكانت مصيبة أخرى، ولو كان فعلها طفلان فى مثل سنه تبقى ثالثة الأثافى، وساعتها قفوا على أطراف أصابعكم حذر الموت، وانظروا ماذا فعلنا بأطفالنا، كيف أورثناهم حقدا وعنفا وثأرا، كيف تربت هذه الوحوش الصغيرة فى بيوتنا، من أين اكتسبت هذه الصفات الإجرامية، من أين لها بالجنيات القاتلة، هل هى واردة، مستوردة، استوردتها وزارة التجارة مع السلمون والسيمون فيميه وأكل القطط السمان، أم هى طفرات جنينية طفرت وبرزت مع الطور العنيف الذى دخلته البلاد فى الآونة الأخيرة، فتهيأت لها الأسباب للنشوء والترقى فى بيئة من تصحر النفوس التى بتنا عليها، أم أنها شرور كامنة كشفتها وعرتها رياح الخماسين الفكرية التى هبت علينا فضائيا وإلكترونيا، فصار الانتحار عاديا، طقسا، وصار القتل طبيعيا، سلوكا، أتذكرون مشهد اليتامى فى رابعة يحملون الأكفان، تحت لافتة «مشروع شهيد».


وصار اقتناء السلاح مفضلا عن اقتناء سجادة الصلاة، وصار الثأر سياسيا بعد أن كان عصبيا وقبليا، اختلطت مياه القبيلة بمياه الجماعة، فرفدا نهر الثأر بملح أجاج، نفس مذاق الدمع نازف من عيون الأب المكلوم والأم الحزينة.. احزنوا تصحوا.. إبراهيم انتحر مقلدا متبعا سنة الآباء والأجداد، ما نواجهه ونخشى إفصاحا هو انتحار جماعى فى موسم اليأس فى أرض البوار.. يرحم الله إبراهيم وأطفالنا أجمعين.