لماذا لا ترحب أمريكا بالقوة العربية المشتركة؟

02/09/2015 - 1:22:40

  رؤساء أركان الجيوش العربية يتوسطهم نبيل العربى الأمين العام للجامعة العربية رؤساء أركان الجيوش العربية يتوسطهم نبيل العربى الأمين العام للجامعة العربية

كتب - عبدالقادر شهيب

أكثر من سبب لعدم حماس الأمريكان لمشروع إقامة أو تأسيس قوة عربية مشتركة حتى ولو تشكلت هذه القوة من عدد ليس كبيرا من الدول العربية خمس أو ست دول كما هو مقترح ومتوقع من البداية، وحتى كانت كل دولة عربية سوف تشارك في تأسيس هذه القوة المشتركة سوف تحتفظ بالقوات التى سوف تسهم بها على أرضها لحين الاتفاق على تكليف للقوة المشتركة تقوم به مستقبلا.


ربما يكون السبب الأساسى والأهم أن الأمريكان لا يتحمسون أو يرتاحون لأى عمل عربي مشترك أساساً سواء كان سياسيا أو اقتصاديا، والاستثناء الوحيد كان عندما احتاج الأمريكان تغطية عربية للقيام بعمل عسكرى يحررون فيه الكويت من القوات العراقية التى غزت أرضه واحتلته فى عهد الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين.. حتى فى حالة هذا الاستثناء كان كل ما احتاجه الأمريكان هو قرار عربى مشتركاً للتدخل عسكريا فى إطار تحالف دولى، أو بالأصح تحالف أمريكى غربى يشترك فيه العرب أو بعضهم.. وهذا ما حدث بالفعل عندما دعا الرئيس الأسبق حسنى مبارك إلى قمة عربية عاجلة وطارئة جرت فيها مناقشات صاخبة حتى تمخض عن قرار للقمة العربية بالمشاركة العسكرية فى التحالف الغربى ذى الصيغة الدولية لتحرير الكويت.


أما غير ذلك فإن الأمريكان لا يروق لهم أى عمل عربى مشترك وحتى عندما احتاجوا لمشاركة عربية عسكرية فى التحالف الدولى الذى أعلنوا عنه لمحاربة تنظيم داعش فإنهم طلبوا ذلك بشكل ثنائى مع عدد من الدول العربية كان من بينها مصر ودول خليجية.. فهم أى الأمريكان يخشون من أى عمل عربى مشترك، ولعل تخريب العمل العربى المشترك كان أحد أهدافهم باستمرار، هنا يمكن رصد دورا لقطر فى هذا الصدد التى تسعى الآن لإجهاض أى اتفاق عربى بخصوص ليبيا، وخاصة ما يتعلق بدعم الجيش الليبى لمواجهة داعش والجماعات الإرهابية الأخرى التى استوطنت ليبيا، وتعمل على تقسيمها وتقويض كيان دولتها الوطنية، وذلك بفك الحظر المفروض على مد وتزويد هذا الجيش بما يحتاجه من سلاح.


لقد قامت الاستراتيجية الأمريكية أساسا على تفتيت الدول العربية وتقسيمها وليس دعم وحدتها.. وهذا ما جاءت به نظرية الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد أو الكبير.. وإذا كانت أمريكا تعمل منذ سنوات على إضعاف وتقسيم وتفتيت الدول العربية فكيف ستكون متحمسة أو مرحبة بعمل عربى مشترك أو بتعاون عربى مشترك، ناهيك بالطبع عن أن يكون هذا التعاون فى المجال العسكرى بإنشاء قوة عربية مشتركة.


نعم.. إن واشنطن لم تعترض أو تتحفظ على التحالف العسكرى العربى فى اليمن لكن موافقتها على هذا التحالف جاء مشروطاً طبقاً للإعلان الأمريكى الأول والمبكر حول موقف واشنطن تجاه الحرب فى اليمن، وذلك حينما ألحت فى ضرورة ألا يتجاوز العمل العسكرى للتحالف العربى حدود اليمن وأرضه وأصرت أيضاً على أن الحل السياسى للأزمة اليمنية هو الحل الذي تقبله رغم العمل العسكرى للتحالف العربى. ثم إن أمريكا رغم اعترافها بإيران كقوة إقليمية إلا أنها لا تريد أن تهيمن إيران بالكامل على محيطها الإقليمى، ولذلك لم تعترض على عمل عسكرى عربى مشترك فى اليمن.. فإن واشنطن ترى فى إطار مشروعاتها لمنطقتنا “الشرق الأوسط الجديد أو الكبير” أن هنا ثلاث قوى إقليمية كبيرة فيها تسعى لإقامة توازن بينها.. وهذه القوى من وجهة النظر الأمريكية أو كما يتمنى الأمريكان هى إسرائيل وتركيا وإيران.. وفى ظل التخوفات التى يبديها الإسرائيليون وعرب الخليج من التمدد الإيرانى فى دول المنطقة كان من المنطقى أن تتصرف واشنطن بطريقة تزيد هذه المخاوف.. وهذا يفسر سر اهتمام الرئيس الأمريكى أوباما باستقبال القادة العرب فى الخليج بعد إبرام اتفاق الدول الست الكبرى مع إيران حول مشروعها النووى، وأيضاً مد جسور التفاهم والتواصل مع نتانياهو وقادة إسرائيليين آخرين.. كما أن هذا يفسر.. وهذا ما يتعلق بكلامنا هنا - لماذا لم تعترض واشنطن على التحالف العسكرى العربى فى اليمن وشن غارات علي أهداف تخص الحوثيين وعلى عبدالله صالح الرئيس اليمنى الأسبق، بينما تتحفظ واشنطن على عمل مماثل فى ليبيا لمحاربة داعش، وهى التى سارعت بتأسيس تحالف دولى للإجهاز على داعش فى العراق وسوريا.


بل ربما كان تراجع الحوثيين وحليفهم على عبدالله صالح فى اليمن وفقدانهم السيطرة على عدة مدن يمنية لا يرتبط فقط بالجهد العسكرى الذى تقوم به قوات المقاومة اليمنية تحت الغطاء الجوى لطائرات التحالف العربية فى اليمن وإنما يرتبط أيضا بضغوط قام بها الأمريكان على الإيرانيين، خاصة أننا لا نستطيع استبعاد وجود قضايا مختلف غير قضية المشروع النووى الإيرانى كانت محل النقاش والتشاور والتفاوض بين الأمريكان والإيرانيين.


باختصار.. الأمريكان يحبذون وجود ثلاث قوى إقليمية كبيرة فى منطقتنا ليس من بينها دولة عربية واحدة، لامصر ولا السعودية.. لكنهم فى ذات الوقت لا يريدون أن تنفرد إيران وحدها بنفوذ إقليمى يفوق نفوذ كل من تركيا وإسرائيل.. إنهم يبغون أن يكون ثمة توازن بين هذه القوى، وبالطبع على حسابنا نحن العرب.. ومن أجل تحقيق هذا التوازن فإنهم لا يحبذون مزيداً من التمدد الإيرانى فى المنطقة، ومن هنا فقط صاغوا موقفهم تجاه اليمن وتجاه التحالف العسكرى العربى فى هذا البلد العربى الذى لم يعد سعيداً كما كان يوصف من قبل وصار بائساً!.. وهكذا عدم معارضة الأمريكان للتحالف العسكرى فى اليمن ليس حبا فى اليمن أو فى العرب ولا حرصا على مصلحتنا ولا من أجل الحفاظ على وحدة هذا البلد العربى، وإنما هو موقف يصب فى مصلحة كل من إسرائيل أولا ومعها تركيا ثانيا وقبهلما هو موقف يتسق مع المخطط الأمريكى الذى يستهدف منطقتنا والمشروع الذى تدخره للتنفيذ فى منطقتنا.


ولذلك بينما لم يعترض الأمريكان على التحالف العسكرى العربى فى اليمن فإنهم لا يرحبون بإنشاء القوة العربية المشتركة، لأنهم لا يريدون أن ينهض العرب كقوة تنافس القوى الثلاث الأخرى “إسرائيل - تركيا - إيران” فى منطقتنا، خاصة أن القوة العربية المشتركة سوف تزيد من القدرة العربية التنافسية فى المنطقة، وستضطر كل من الدول الثلاث الأخرى أن تعمل حساباً للعرب بعدها.. ولعلنا نتذكر كيف ظلت إسرائيل دوما تستهدف أن تظل قواتها أكثر قدرة وإمكانيات من كل الجيوش العربية مجتمعة وليس الجيش المصرى وحده.. كذلك فإن تركيا حتى فى ظل السياسة الخارجية التى انتهجها أردوغان من قبل وهى سياسة تصغير المشاكل مع كل دول المنطقة لم يجعلها تتخلى عن خطط دعم وتقوية جيشها ودعمه بما يحتاجه من سلاح.. أما إيران فإنها استعاضت عن الجيش بقوات الحرس الثورى، ورغم الحصار الذى تعرضت له اقتصادياً ودبلوماسياً فإنها حرصت دوماً على دعم الحرس الثورى لديها بما يحتاجه من سلاح بل وتدريبه عملياً فى مناطق عربية مختلفة.


إذن.. لأن واشنطن لا ترحب بأى عمل عربى مشترك فى أى مجال ناهيك عن المجال العسكرى، ولأنها لا تهتم بأن يكون العرب قوة إقليمية على غرار ما يخطط له الأمريكان بالنسبة لإسرائيل وتركيا وإيران، لم ترحب واشنطن بالتالى لمشروع تأسيس قوة عربية مشتركة.. غير أنه ثمة سبب آخر يمكن أن تفسر به عدم ترحيب واشنطن بالقوة العربية المشتركة.. وهذا السبب يتعلق بمصر تحديداً.. فإن أية قوة عربية مشتركة سيكون للجيش المصرى دور أساسى وقيادى فيها بالطبع.. وهذا يزيد من الوزن المصرى سياسياً وعسكرياً فى المنطقة.. وهذا أمر غير مستساغ لدى الأمريكان الآن.


إنهم “أى الأمريكان” يريدون تقليص الدور المصرى وتحجيم هذا الدور فى إطار محدود وضيق.. هم لا يريدون صعوداً استراتيجياً مصرياً مثلما لا يريدون انطلاقاً اقتصادياً لها.. إنهم يتعاملون مع بلادنا كسفينة لا يريدون لها أن تغرق ولكن فى ذات الوقت لايريدون لها أن تمخر أمواج البحر وتتقدم فى مياهه إلى الأمام، إنهم يريدونها مثل السفينة الطافية بالكاد على سطح المياه.. ولعل هذا يفسر لماذا لم تقبل علينا استثمارات أجنبية ضخمة وكبيرة حتى الآن رغم أننا نفتح ذراعينا عن آخرها للاستثمار الأجنبى، ولماذا يتباطأ الأمريكان فى تقديم المساعدات العسكرية لنا، ولماذا كانت المشاركة الأمريكية فى حفل افتتاح قناة السويس الجديدة مستواها ضعيفاً!


وإذا كان الأمريكان لا يرحبون هكذا بالقوة العربية المشتركة التى أقرتها القمة العربية فى مارس الماضى بشرم الشيخ فإننا يمكننا هنا أن نفهم لماذا عارضت دول عربية تأسيس هذه القوة، ولماذا تحفظت دول أخرى على الفكرة التى أطلقها الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى، ولماذا تماطل دول أخرى فى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه فى القمة وهو منح رؤساء أركان الدول العربية نحو ثلاثة أشهر للتباحث والتشاور حول تشكيل هذه القوة وكيفية عملها والأماكن التى ستعمل فيها مع إعداد البروتوكول الخاص بتأسيسها.. لقد مضت نحو خمسة أشهر حتى الآن ولم يتم توقيع هذا البروتوكول، رغم أن هذا البروتوكول لا يلزم أية دولة عربية بالمشاركة فى هذه القوة ويجعل المشاركة اختيارية وإن كان لا يغلقها أمام أية دولة تقرر مستقبلاً المشاركة فى هذه القوة.