السجل الأسود لـ «داعش سيناء»

02/09/2015 - 1:19:41

دراسة بقلم - د. ناجح إبراهيم

تواصل «المصور» هذا الأسبوع نشر الدراسة التى كتبها لنا خصيصاً المفكر الإسلامى د. ناجح إبراهيم حول أخطر التنظيمات الإرهابية فى سيناء ، أنصار بيت المقدس ويتحدث فى هذه الحلقة عن أبرز جرائم التنظيم بعد ثورة يناير


يعد تنظيم أنصار بيت المقدس الذي كان يتبع القاعدة قديما ً، وانضوى حديثا ً تحت لواء داعش باسم «داعش ولاية سيناء» هو أخطر تنظيم إرهابي في تاريخ مصر الحديث كله .. فقد أوقعت تفجيراته وعملياته الإرهابية مئات القتلى وآلاف الجرحى في صفوف الجيش والشرطة المصرية وكذلك الأهالي والمدنيين .. كما أنه تسبب في تفجير أكبر عدد من المباني الهامة للدولة ومؤسساتها السيادية.. وذلك لم يحدث في تاريخ مصر الحديث .. فضلا ً عن أسباب أخرى ذكرناها من قبل .


وفي هذه الحلقة سنسلط الضوء على أهم عمليات التنظيم التي حدثت بعد ثورة يناير بعد أن ركزنا الضوء على تفجيراته الثلاثة في عهد مبارك حينما كان يطلق على نفسه اسم « التوحيد والجهاد» .


وأخطر ما في التنظيم أن المساحة الجغرافية التي قام فيها بعملياته أصبحت واسعة جدا ً وممتدة من شمال سيناء إلى القاهرة الكبرى .. ثم اتجهت غربا ً إلى الفرافرة في عمق محافظة الوادي الجديد، ثم اتجهت جنوبا ً إلى مدينة الأقصر، ولكننا سنركز في هذه الحلقة على عملياته في سيناء فحسب؛ لأنها كثيرة ومتشعبة وتحتاج لدراسة وعرض.


وأغرب ما في هذا التنظيم الإرهابي أنه لم يتوافق أو يحب أو يسالم أي حاكم منذ بدايته وحتى الآن .. ولم يوقف عملياته الإرهابية في أي عصر ..فقد قام بالتفجيرات الشهيرة الثلاثة « طابا , نويبع , شرم الشيخ « في عهد مبارك .


أما في عهد المجلس العسكري بعد نجاح ثورة يناير مباشرة، فقد قام التنظيم بتفجير خطوط الغاز التي تمر بشمال سيناء قرابة ١٢ مرة، وفجرها كذلك في بداية عهد د. مرسي.. كما قام التنظيم بالهجوم على عدة كمائن شرطة، وهاجم إدارة الأمن بالعريش عدة مرات .. وقسم ثالث العريش وفجر قطاع الأمن المركزي بحي الأحراش برفح بقذائف R.B.J .. فضلا ً عن خطف بعض الضباط والجنود والأمناء.


والأغرب من ذلك أن التنظيم كان يكفر الدكتور مرسي حقيقة، ويبطن ذلك بين كل عارفيه دون التصريح به في وسائل الإعلام .. وقد قام بمذبحة خطيرة في عهده هي «مذبحة رفح الأولى» والتي قام فيها بقتل ١٦ جندياً وضابطاً في لحظة إفطار المغرب .. وهذا يبين أن هذا التنظيم الإرهابي كان يكفر الجنود حتى في عهد مرسي ويستحل دماءهم .. وأنه كان ينوي التمدد؛ حتى يستولى على سيناء كلها ويطلق عليها «إمارة سيناء» تطبيقا ً لنظرية «الانطلاق من بيشاور» في عهد ضياء الحق .. وأنه لا يقبل حتى الآخر الإسلامي فضلا ً عن غيره .. فهو يكفر الجميع بلا استثناء بداية من الإخوان وانتهاء ً بكل الحركات الإسلامية الأخرى سواء ً سلفية أو غير سلفية .


وفي عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور قام التنظيم بمذبحة مروعة بعد عزل د. مرسي بأسبوعين فقط، فقد هجم على حافلة تقل عمالا ً مدنيين يعملون في «شركة أسمنت العريش» فقتل ٥ عمال، وجرح ما لا يقل عن ١٥آخرين دون ذنب لهؤلاء العمال أو جريرة .. فهؤلاء لا شأن لهم بأحوال السياسة والحكم من قريب أو بعيد .. وبعضهم قد لا يعرف اسم الرئيس أو رئيس الوزراء في مصر .


وفي عهد الرئيس عدلي منصور أيضا ً تمت أكبر مذبحة للجنود المصريين بعد مذبحة رفح الأولى، وهذه المذبحة كان فيها غدر كبير ووحشية فظيعة .. حيث قام التنظيم بعمل كمين وهمي مسلح لأتوبيسين من جنود الشرطة الذين أنهوا خدمتهم، ويلبسون الزي المدني وغير مسلحين وعائدين إلى أسرهم بعد استكمال تسليم مهامهم العسكرية، ولم تكن هناك أية حراسة للحافلتين مما سهل اصطيادهما.


وقد رصد استطلاع التنظيم مثل هذه الأتوبيسات التي تقل الجنود وهم بالزي المدني .. فأوقفوا الأتوبيسين ثم قاموا بتقييد الجنود وقتلهم بعد أسرهم دون أي اعتبار لأي قيم دينية أو وطنية أو حتى الأعراف أو القوانين الدولية التي تحظر قتل الأسرى.


ولكن هؤلاء لا قيم ولا أخلاق ولا دين ولا شريعة ولا قوانين.. فهم أجلاف غلاظ يقيدون أفرادا ً أصبحوا بعد تركهم للعسكرية في حكم المدنيين ثم يأسرونهم ويقتلونهم بدم بارد .


وقد كانت هذه المذبحة أفظع المذابح التي تمت بعد مذبحة رفح الأولى .. وكلتا المذبحتين كان فيها تذفيف على الجرحى .. فقد قاموا بقتل الجرحى الذين أصيبوا من إطلاق الرصاص الأول في المذبحتين .. ويعتبر العدد الذي قتل صبرا في مذبحة رفح الثانية هو أكبر عدد يقتل من جنود الشرطة أو الجيش في عمليات أنصار بيت المقدس .


وقد وجهت مذبحة رفح الثانية الأنظار بشدة إلى أن أي أتوبيسات أو سيارات تحمل جنودا ً أو ضباط ذاهبين أو عائدين من وحداتهم لإجازاتهم أو بعد انقضاء أجازاتهم يجب تأمينهم بقوة مدرعة ذات جاهزية عالية .. وكأنهم لا يعبرون أراضي بلادهم .. ولكنهم يعبرون أرض الأعداء .. ويمرون بكمائن الأعداء .. ويتعرضون لألغام الأعداء .


بل فرضت هذه العملية على أي ضابط في سيناء ألا يخرج من وحدته وألا يسير في الشارع وحده.. وخاصة إذا كان مرتديا ً الزي العسكري أو معروفا ً بين الناس هناك .


فقد كان هناك ضابط برتبة ملازم حديث التخرج، جاء تعيينه في سيناء ولم يكن يدري بما يحدث جيدا ً في سيناء .. فقد دخل الضابط بزيه الرسمي إحدى صيدليات العريش لشراء دواء له .. فإذا بعناصر استطلاع التنظيم ترشد سريعا ً وتليفونيا ً عن الضابط، فيأتي قناص بمسدس كاتم للصوت ويقتله غيلة من خلفه .


وقد سبق هذه العملية إطلاق الرصاص على العميد سليم سعد الجمال مفتش الأمن العام بشمال سيناء بعد مهاجمة سيارته التي نصب لها التنظيم كمينا ً محكما ً عند منطقة المزارع بالطريق الدائري في نوفمبر ٢٠١٣ .. فضلا ً عن عشرات العمليات المماثلة .. فضلا ً عن مهاجمة كل السيارات التي تحمل أموالا ً للبنوك أو البريد للاستيلاء عليها.


وكل ذلك وغيره فرض بالأمر الواقع قبل الأوامر العسكرية ألا يسير ضابط أو أفراد شرطة في سيارة خاصة .. ولا يسير ضابط أو أفراد شرطة أو جيش إلا في سيارات عسكرية تحميها مدرعات من الأمام والخلف .


ومع تطور عمليات التنظيم وتطوير نفسه استطاع زرع المتفجرات والألغام في الطريق واصطياد العربات المدرعة للجيش والشرطة .. وهذا استلزم تطويرا ً آخر من الشرطة والجيش بمسح الطريق قبل مرور «القولات العسكرية» بكاسحات الألغام .. وفحص الطريق قبل المرور عليه بكل أدوات كشف الألغام بداية من الكلاب البوليسية وحتى سائر الأجهزة الأخرى الحديثة .


ولم يتوقف التنظيم عند هذه النقطة، فقد استطاع نقل خبرات زرع العبوات الناسفة بالطرق الحديثة وعن طريق أنابيب تحت الطريق وليس إلى جواره أو بالحفر وسطه؛ لأنها اكتشفت، وأصبحت مكشوفة ومعروفة .


وتقنية حقن أسفل الطريق بالمتفجرات اكتسبها التنظيم من تدريبه الراقي على يد بعض الغزاويين والضباط العراقيين والسوريين السابقين الذين دربوا المجموعات الإسلامية المسلحة في سوريا والعراق، والتي عادت إلى سيناء مدربة تدريبا ً عسكريا ً عاليا مع وجود ضباط جيش مصريين متقاعدين بينهم، استطاع التنظيم أن يجذبهم إليه بعد فترة الانفلات الأمني بمصر بعد ثورة ٢٥ يناير .


وأسلوب حقن الطريق بأنابيب المتفجرات تتم بالحفر تحت الطريق ووضع أنبوب خاص بطريقة خاصة .. ويحقن هذا الأنبوب بالمتفجرات ويفجر عن بعد بطرق حديثة جدا ً .


وقد استلزم هذا الأمر قطع الجيش والشرطة لشبكة الاتصالات في مناطق عمليات التنظيم في الأوقات الحرجة لحرمان التنظيم من «آلية التفجير عن بعد» وكذلك منعه من التواصل بين قياداته وأفراده .


ولكن التنظيم ترك شبكة «المحمول المصرية»، واستخدم شبكة المحمول الإسرائيلية ومازال يستخدمها حتى اليوم كما يستخدمها كل الفلسطينيين وبعض السيناويين .. ولذلك تجد أجهزة الأمن المصرية المختلفة صعوبات في التحرك عبر الطرق في سيناء لأن تحركها يحتاج لتجهيزات لوجيستية وعسكرية معقدة لتأمين تحرك القوات .


وقد خسرت الشرطة والجيش أعدادا ً كبيرة من ضباطها وأفرادها في أعوام ما بعد الثورة وحتى عام ٢٠١٤ حيث كان التنسيق بين الشرطة والجيش المصري معدوما ً بعد الثورة .. وكانت الشرطة المصرية في حالة انهيار جزئي في مصر كلها .. وفي حالة انهيار كامل في شمال سيناء .


وكان التنظيم وأتباعه هم الفاعل الأول والرئيسي والحقيقي في شمال سيناء .. وكانت لهم معسكرات ثلاثة في منطقة رفح والشيخ زويد تحت سمع وبصر الجميع .


وحينما توحد الجيش مع الشرطة أواخر عام ٢٠١٤ بدأت الخسائر تقل وبدأت الاستراتيجية لمواجهة التنظيم تتضح وتتبلور وتترسخ .. والمعلومات تزداد وتزداد وبعض قيادات التنظيم تسقط .. حيث كانت أجهزة الدولة كلها تجهل حقيقة الدماء الجديدة والوجوه الجديدة قيادة وأفرادا ً والتي تم ضخها في عروق وشرايين التنظيم بعد ثورة يناير .


وكان كل يوم في سيناء يشهد مقتل ضابط أو جندي من الشرطة بداية من الثورة وحتى نهاية ٢٠١٤ .. وكان التنظيم يصطادهم بسهولة ودون عناء؛ لأنه لم تكن هناك لا إرادة سياسية ولا استراتيجية محددة لمواجهة التنظيم ولا تعاون بين الجيش والشرطة ولا أي شيء .


ونعود الآن إلى استكمال عمليات التنظيم في عهد عدلي منصور .. ففي سبتمبر ٢٠١٣ استهدف التنظيم مبنى المخابرات العسكرية في رفح بسيارة متفجرة .. وكانت هذه أول مرة في تاريخ مصر الحديث تقوم مجموعة محسوبة على التيار الإسلامي - حتى لو كان ذلك زورا ً وبهتانا ً- بالهجوم على المخابرات العسكرية؛ لأن الحركة الإسلامية لم تكن لها أية خصومة سابقة بالجيش عامة وبالمخابرات العسكرية على وجه الخصوص.. لأنها مرتبطة في ذهن الجميع بحماية الجيش والوطن ضد الأعداء والخصوم الخارجيين .. وكانت لها أدوار بطولية رائعة في كل حروب مصر مع إسرائيل .


وباستعداء التنظيم للمخابرات العسكرية أضاف خصما ً جديدا ً وقويا ً وعنيدا ً في مواجهة هذا التنظيم التكفيري.


وبعد أن تولى الرئيس السيسي حكم مصر زادت وتيرة عمليات التنظيم من جهة، وبدأت المواجهة الحقيقية للتنظيم من جهة أخرى .. وأصبحت هناك إرادة سياسية قوية لإنهاء أسطورة هذا التنظيم.


فبعد تولي الرئيس السيسي بفترة بسيطة وفي ٢٨ يونيه ٢٠١٤ قام التنظيم بمذبحة رفح الثالثة في «منطقة سيدروت» على الحدود المصرية الإسرائيلية، وأسفرت المذبحة عن قتل ٤ جنود مصريين من الأمن المركزي .. وكان ذلك في أول ليالي شهر رمضان الكريم .


وقد سار التنظيم على طريقته المعتادة في عدم اعتداده بالمشاعر الدينية أو الوطنية .. بل واستغلال هذه المناسبات بما فيها من تراخٍ أو انشغال وخاصة في المواسم والأعياد الدينية لاغتيال الجنود المصريين .


وفي ٢٤ أكتوبر تمت أكبر عملية للتنظيم في سيناء وهي عملية « كرم القواديس»، وهي أكثر العمليات دموية حيث قتل فيها التنظيم ٣٣ جنديا ً وضابطا ً من الجيش والشرطة في هجومين منفصلين متزامنين بتطبيق تكتيك « سمكة الصحراء « كالذي يخرج من صحراء لم يكن يراه فيها أحد فجأة .. وفي أوقات متزامنة واستخدام تكتيكات جديدة .. وكان معظم القتلى فى منطقة الشيخ زويد التى نشأ فيها معظم أفراد التنظيم ويعرفونها جيدا ً ويجيدون الإخفاء والتمويه والتخفي والاشتباك والهرب.


وفي مساء الخميس ٢٩ يناير ٢٠١٥ وفي وقت مباراة الأهلى الزمالك وهو الوقت الذي تنشغل فيه مصر كلها بالمباراة قام التنظيم باستخدام سيارات نقل المياه التي يسمح لها بالعبور في أوقات حظر التجول في سيناء والتي كانت تبدأ بعد السادسة مساء ً .. وملأوا هذه السيارات بالمتفجرات كما موّهوا بعض السيارات لتكون أشبه بالسيارات العسكرية حيث استخدموا هذا التكتيك عدة مرات وقاموا بشن عمليات تفجيرات متزامنة على مقر الكتيبة ١٠١ في ضواحي العريش واستخدام كثيف لمدافع الهاون .. ولولا تدخل طائرات الأباتشي وقوات التدخل السريع ومكافحة الإرهاب لتعقد الموقف أكثر .. ولما استطاعت الدولة اللحاق بهؤلاء وهزيمتهم.


وقد دعا الرئيس السيسي بعدها مجلس الدفاع الوطني لاتخاذ ما يلزم نحو هذه التطورات الخطيرة.. ويعتقد المحللون أنه اتخذ قرارات إستراتيجية حاسمة وكثيرة أهمها تفريغ المنطقة الحدودية وهدم كل المباني المتاخمة للحدود في منطقة رفح وبناء مدينة رفح الجديدة ونقل السكان إليها بعد تعويضهم تعويضا ً عادلا ً وسريعا ً وهدم بقية الأنفاق .. وتعقب مجموعات التنظيم وتكوين قيادة متخصصة لمحاربة الإرهاب في سيناء تأخذ كل الصلاحيات والإمكانيات المادية والعسكرية والإدارية لإنهاء التنظيم واجتثاثه بقيادة اللواء أسامة عسكر .


ورغم أن التنظيم قام بعملية كبيرة أخرى بعد كرم القواديس حاول فيها رفع علم داعش على الشيخ زويد، إلا أن هذه العملية فشلت وكلفت التنظيم أكثر من ٣٠٠ مقاتل من مقاتليه .. وهذه الخسارة أحدثت شرخا ً هائلا ً في التنظيم الذي شهد لأول مرة انشقاقات وتمردات عقب هذه الخسارة الجسيمة .. ويعتقد الكثير من المحللين أن هذه الخسارة هي بداية النهاية لتنظيم أنصار بيت المقدس، وأن طائرات الأباتشي سوف تلعب الدور الحاسم في ملاحقة التنظيم وتدميره فى الفترة المقبلة.