الإخوان هل تقضى «فجوة الأجيال» على ما تبقى من الجماعة؟

02/09/2015 - 1:11:34

كتب - أحمد بان

تابع العديد من المراقبين الأخبار المتواترة عن خلافات تضرب التنظيم الأكثر إثارة للجدل فى مصر والعالم، بعد مرور أكثر من عامين على خروج الإخوان من الحكم بفعل حراك شعبى كبير، حظى بدعم كل مؤسسات الدولة المصرية التى استشعرت خطرا حقيقيا على طبيعتها التى عرفت بها عبر عقود، وحماقة مشروع أممى خاص لجماعة ظلت مطية لقوى كبرى حول العالم.


الخلافات فى تاريخ الجماعة ليست جديدة لكن ما الذى يختلف هذه المرة عن سابقاتها؟ فرغم وجود مجموعتين أو تيارين داخل الجماعة عبر تاريخها، فقد تكفلت مهارة رجال التنظيم فى حجب تلك الخلافات عن المراقبين فى الخارج بل حتى عن العديد من قواعدها؛ حيث حرصت الجماعة تاريخيا على أن تُكسب القيادة ثقة القواعد المطلقة بالشكل الذى جعل معلومات تلك القواعد عن الجماعة وأمورها الداخلية رهن إرادة قيادات التنظيم، التى ظلت تنكر وجود أى تباين أو خلاف داخل هيكلها القيادى، الذى لايتحدث أحد بالمناسبة عن موقف مفاصله مما يجرى ، فوفقا لطبيعة الهيكل القيادى للجماعة أهم هيئة معنية بإفراز وانتخاب مكتب الإرشاد ومن ثم المرشد ونوابه ورؤساء القطاعات الثمانية، التى تنتظم تحت إشرافها المكاتب الإدراية بالمحافظات المصرية، هو مجلس الشورى العام والمكون من ١١٨ عضوا تم القبض على عدد كبير منهم ، ولقى البعض حتفه فى مواقف وأحداث مختلفة منذ ٣٠ يونيه، هذا المجلس تم تهميشه فى ظل وجود الرجل القوى خيرت الشاطر وبديع ومحمود عزت، ممن انتزعوا قرارا بتفويض صلاحيات مجلس الشورى الذى ظل يتابع ما يجرى على يد تلك القيادات فى صمت مريب، ومن ثم لم يعد المجلس قائما وربما لم يتبقَ منه سوى عدد يقل عن ٢٠ ٪ من أعضائه، وكان من المفترض أن من تبقى من هؤلاء هو من يقود الجماعة فى أعقاب سجن العديد من أعضائه أو هروب البعض ووفاة آخرين، لكن التنظيم الخاص الذى قاد الجماعة فى ظل وجود هيكل مكون من مكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية للمحافظات ومجالس المناطق والشعب، فضلا عن مجلس الشورى الذى يتولى نظريا الرقابة على كل تلك الهيئات ،هذا التنظيم الذى مثل القرص الصلب أو التنظيم الرأسى الذى مثل الحلقات الأضيق فى التنظيم ممن ينتمون إلى التيار القطبى داخل الجماعة، وهو التنظيم الذى تعرض لأول شق حقيقى فكرى وتنظيمى لم يواجهه عبر تاريخه، ظلت الخلافات المتداولة سواء فى مجالس الإخوان الخاصة أو بعض وسائط الإعلام المقربة من الجماعة تدور حول خلافات بين تيارالإصلاحيين وتيار المحافظين أو الصقور والحمائم، لكن ما لم ينتبه له أحد عندما ظهرت تقارير تتحدث عن خلافات حول قيادة الجماعة، أو تلك البيانات التى خرجت عن بعض أعضاء الجبهات المتصارعة أنه لأول مرة ينشأ الصراع بين أعضاء القرص الصلب أو مجموعة القطبيين؛ حيث أطلت الفجوة الجيلية داخل التيار الواحد رغم جهود القيادات التاريخية فى إذابتها، عبر شحنات عاطفية ونفسية وإفراط فى استخدام المظلومية التى تمردت على مقتضاياتها مجموعة الشباب، الذين وجدوا أنفسهم ضحية لمناورات فريق القيادات التاريخية، التى ظلت تلعب بهم لعبتها السياسية المفضلة؛ حيث حوّلتهم لوقود للصراع، تتردد فيه تلك القيادات فى سلوك مسار العنف المباشر؛ حيث فضلت أن تختبئ خلف مقولات السلمية دون أن تغلق الباب تجاه عمليات نوعية تحفز الخصم وهى الدولة على قبول تسوية ما، الهدف الذى ظلّت تلك القيادات ترنو إليه وهو ماكشفه حمزة زوبع، عندما تحدث عن أن القيادة كانت تدرك أن اعتصامى رابعة والنهضة وما تردد عبرهما من شحن وخطابات لن يؤديا إلى عودة مرسى، رغم مبالغة تلك القيادات فى تسويق الآمال فى نفوس القواعد بأن هذا الهدف أصبح قريبا، اعترف زوبع بأن الأمر لم يعد حيلة لتحسين شروط التفاوض مع الدولة وأن تحويل الصراع من سياسى إلى دينى كان حيلة أيضا، ولم يكن عن قناعة حقيقية وهذا مكمن الصراع الآن التصور والسلوك فهى من المرات النادرة التى يجتمع فيها الخلاف الفكرى مع التنظيمى، وهو ما ظهرت أول ملامحه فى مقال نُشر للقيادى محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد وأحد المقربين من خيرت الشاطر وبديع وعزت تحدث فيه فى مايو ٢٠١٥ عن السلمية، وأنها الخيار الاستراتيجى للجماعة وأنها لن تنحرف إلى العنف أبدا وستصبر، مرددا مقولات المحن التى تعرضت لها الجماعة عبر تاريخها القريب والبعيد وهو الخطاب الذى كان يعنى رفع الغطاء عن العنف الذى بدأ قبلها بشهور، عبر مجموعات نوعية سلكت هذا المسار عشوائيا قبل أن تنتدب مجموعة من القيادات الشابة نفسها، وتعلن أنه جرت انتخابات جديدة أفرزت قيادة جديدة للجماعة فى فبراير ٢٠١٤ وسمى محمد منتصر متحدثا رسميا لتلك المجموعة، ولم يكن سوى اسم حركى يتناسب مع خط جديد اختارته مجموعة الشباب، التى تماهت مع نتائج السلوك العنيف الذى نشأ مع تصاعد الصراع بين الدولة والجماعة فى محطات مختلفة سواء فى رابعة أو ماتلاها من مشاهد، رد منتصر ببيان عبر الموقع الرسمى للجماعة إخوان أون لاين الذى سيطرت عليه المجموعة الجديدة وغيرت طبيعته التحريرية ليقتصر دوره على نشر بيانات المتحدث، كما لو كان إعلاما حربيا يناسب الاتجاه الذى ستسلكه تلك المجموعة التى أفزعت سياستها وسلوكها المجموعة القديمة التى يمثل غزلان وبديع وعزت وحسين أبرز قياداتها، صدر بيان محمد منتصر مختلفا مع كل ما قاله غزلان مؤكدا أن رؤية الفريق الواحد تنشق بوضوح إلى رؤيتين، الأولى لازلت مُصرّة على الاختباء خلف مقولات السلمية والتقية السياسية التى درجت عليها عبر تاريخها، والتى قادتها للحكم ثم خرجت منه إثر فشل ذريع بعد عام واحد وعلى موجات حراك شعبى كبير، قال منتصر فى البيان « إن قتل الأحرار فى السجون لن يقوض عزمنا وسيجعلنا أكثر تصميما على الثأر» تغلبت روح الثأر التى زرعتها وأججتها بالأساس المجموعة القديمة التى ظلت تمارس عبر رابعة والنهضة أكثر الخطابات إثارة للكراهية والعنف، حيث انتصر السحر على الساحر وهو ما أنتج آثاره فى بلوغ تلك الروح قمتها داخل نفوس تلك القيادات الشابة الجديدة، التى شعرت أنها أعطت ثقتها لمن لايستحق خصوصا تلك المجموعة التى يقودها محمود حسين الأمين العام للجماعة، الذى أصر على أنه لازال أمينها العام رغم أن منتصر رد عليه بالقول « أن الأعضاء المنتخبين فى جماعة الإخوان هم من لهم سلطة الحديث باسمها» حقيقة الأمر أنه لم يعد هناك منتخبون سواء جدداً أو قدامى، فبعد انهيار مجلس الشورى أو تشرده فى السجون أو القبور أو الشتات لم تعد هناك هيئة قيادية تعكس إرادة أعضاء الجمعية العمومية للتنظيم ، ولكن ما جرى أن كل مجموعة ظلت تحاول مخاطبة القواعد لتستميل أكبر عدد ممكن ، وظهرت صفحات كصوت الإخوان تتهم محمود حسين ومن سمتهم قيادة الأربعة الكبار بأنهم يعادون القيادة الجديدة ويجتمعون فى إحدى العواصم الأوربية بشكل يومى، فى محاولة لاختطاف قرار الجماعة مستثنين محمد على بشر الذى وصفوه بالقيادة الربانية التى لم تكن طرفا فى الصراع لكنه كان ضعيف الحيلة، وأن تلك المجموعة وفق وصفهم قبلوا مبادرة تقودها دولة إقليمية أغلب الظن أنها قطر رغم أنها لا تلبى الحد الأدنى من مطالب الجماعة.


لم تعاين قواعد الجماعة هذا اللون من الخلاف الذى وصل إلى حد التراشق بالألفاظ والتهم بين القيادتين، الأولى التى تسميها مجموعة الشباب كواليس العواجيز وهو وصف لا يعنى سوى أن الفجوة الجيلية أنتجت آثارها فى الأخيرة، رغم كل المحاولات التى حاول من خلالها التنظيم إخفاءها عبر تاريخه، فهل تعصف الفجوة الجيلية بالجماعة التى تأبت على الانشقاق والتشظى عبر عقود من التحديات المختلفة، التى يختلف هذا التحدى الأخير الذى تواجهه عن أيها فهو تحد من داخلها ، لم يقتصر على الهيكل التنظيمى والسلوك الحركى بل امتد لجذر الفكرة وطبيعتها بين فكرة إصلاحية وفكرة ثورية أو عنيفة مسلحة، ما لا يستطيع مراقب أن ينكره أن التنظيم بصورته المعروفة عبر عقود انتهى، وأن تلك الفجوة الجيلية فضلا عن الخطاب المزدوج والتقية السياسية وثنائيات السرى والعلنى والثورى والإصلاحى، ستقود الجماعة إلى شق حقيقى بين جماعة تنتهج العنف بشكل يقترب من نمط داعش ، وهو ما أكده بيان ماتسمى بالهيئة الشرعية الذى ربما نتعرض له فى مقال لاحق، وجماعة أخرى تعيد اجترار مقولات البنا وتدّعى تجديد تراثه وهو ما لايغنى عن معنى يترسخ يوما بعد يوم، أن الجماعة استكملت دورة حياتها وأنها مازالت تعاند الزمن وهو خيار بائس ومستحيل.