«المصور» تنفرد بنشر النص الكامل لمشروع الأمانة العالمية لدور الإفتاء مصر تضع دستور الفتوى فى العالم

02/09/2015 - 1:01:55

  اهتمام رئاسى بقضية ضبط الفتوى تجلى فى استقبال الرئيس لعلماء الإسلام من قارات العالم الخمس اهتمام رئاسى بقضية ضبط الفتوى تجلى فى استقبال الرئيس لعلماء الإسلام من قارات العالم الخمس

تقرير يكتبه : طه فرغلى

تنفرد «المصور» بنشر مشروع الأمانة العامة لدور الفتوى فى العالم الذى أعدته دار الافتاء، ويعد أحد أهم المبادرات التى جاءت فى توصيات المؤتمر العالمى للفتوى الذى عقدته الدار منتصف الشهر الماضى، تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى شخصيا والذى استقبل بدوره علماء المسلمين من قارات العالم الخمس الذين شاركوا فى المؤتمر، وأكد على عظَمة المسئولية الملقاة على عاتق المفتين فى العالم، خاصة فى المرحلة الراهنة التى تشهد الكثير مما يطلقه البعض من فتاوى مغلوطة تتسبب فى إساءة بالغة للدين الإسلامي، كما أكد على أهمية تعظيم دور هيئات الإفتاء لتصبح المرجعية الوحيدة لإصدار الفتاوى، بما يساهم فى تحقيق استقرار المجتمع ومواجهة الإشكاليات التى تواجه الفتاوى وأهمها تدخل غير المتخصصين لإصدار الفتاوى، وانطلاقا من هذا الاهتمام الرئاسى بقضية ضبط الفتوى ننشر المشروع المقترح للأمانة العالمية للفتوى.


صدرت دار الإفتاء مقدمة مشروعها بالتأكيد على الحالة الراهنة للفتوى، وأهمية إنشاء الإمانة العالمية، وقالت «مما لا يختلف عليه اثنان وجود أزمة فى الإفتاء تعانى منها الأمة الإسلامية؛ وذلك لما للفتوى من مساس بكل صغيرة وكبيرة فى حياة المسلمين فاستقرار أمر الفتوى لا شك أن له أثرا إيجابيا على حياة المسلمين عامتهم وخاصتهم بل على العالم أجمع، فاضطراب الفتاوى يسبب اضطرابا فى الأفكار ويؤثر على المجتمعات بالسلب، نتيجة لزعزعة الثقة فى العلماء وفى الدين بشكل عام؛ وإذا اهتزت ثقة الشخص فى الدين هانت لديه كل القيم والمبادئ وصار أقرب إلى السلوك العدوانى وهذا كله يصب فى ساحة الأحداث اليومية مما لا يخفى على أى متابع للأخبار اليومية.


واضطراب أمر الفتوى لا يقتصر أثره على الأفراد فحسب، بل يمتد أيضا للتأثير على دول برمتها فكم من فتاوى عبر التاريخ ساهمت فى توجه سياسة دولة لاستئصال طائفة معينة أو مجموعة من الناس، وقد يصل الأمر لقيام حروب بين الدول.


وهذا كله يحتاج إلى وقفة تستجمع الصفوف وتوحد الجهود نحو استقرار أمر الفتوى.


من هنا تولدت فكرة الأمانة العامة لدور الإفتاء، لتكون هيئة إفتائية بحثية عالمية تضطلع بحل أزمة الفتوى التى تعانى منها الأمة.


أزمة الفتوى


ووضحت دار الإفتاء فى المشروع مظاهر أزمة الفتوى وحددتها فى نقصان أهلية المتصدرين للفتوى بعد أن نكبت ساحة الفتوى بأناس مارسوا الفتوى من غير أهلية أصلا، أو أن أهليتهم ليست بكافية لهذا العمل العظيم، ومن الملاحظ أن الأمر لم يقتصر على الأفراد الذين يمارسون الفتوى بصورة فردية، ولا يقتصر على الهيئات غير الرسمية، بل قد يصل الأمر لضعف المستوى العلمى للمتصدرين للفتوى فى الجهات الرسمية، مما يزيد من خطورة المشكلة وتفاقم الأزمة.


أيضا من بين مظاهر أزمة الإفتاء التساهل فى الفتوى، وعدم التثبت والإسراع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر.


وإيقاع المستفتى فى الحيرة بذكر اختلاف العلماء من غير أن يوضح المفتى للمستفتى ما ينبغى العمل به.


ومن بين الأزمات تنازع جهات الفتوى فى البلد الواحد،وهو ما يحدث فى كثير من الدول الإسلامية، وأيضا فى المجتمعات ذات الأقلية المسلمة فى الدول غير الإسلامية مما يشتت الناس ويشوه صورة المسلمين أمام غيرهم من الأمم، حيث يوجد فى البلد الواحد أكثر من جهة تقوم بالفتوى سواء كانت تحمل جميعها منهجا واحدا، أم أن لكل منها منهج خاص بها،مما يترتب عليه ظاهرة أخرى هى الأسوأ وهى تخطئة المفتين بعضهم لبعض واستئثار كل جهة فى كثير من الأحيان باستحقاقها لمهمة الإفتاء دون الأخرى مما يظهر المتصدرين للإفتاء بمظهر غير لائق، وهو ما يؤدى فى نهاية الأمر للتنازع المنهى عنه، وهو ما يلزم الحد منه وصولا للقضاء عليه.


أيضا من بين الأزمات الكبرى التى يتحدث عنها المشروع المقترح عدم التعامل الإعلامى الرشيد مع الإفتاء بما يمثله فى حياتنا المعاصرة باعتباره أداة هائلة لبث الأفكار والمعلومات.


فتوى وسطية


ويعرف المشروع الأمانة العامة لدور الإفتاء بأنها منظمة دولية متخصصة تقوم بالتنسيق بين الجهات العاملة فى مجال الإفتاء فى جميع أنحاء العالم بهدف رفع كفاءة الأداء الإفتائى لهذه الجهات وزيادة فاعليتها فى مجتمعاتها بحيث يصبح الإفتاء من أهم عوامل التنمية فى هذه المجتمعات.


وتتمثل أهداف الأمانة العامة فى التنسيق بين دور الإفتاء فى العالم لبناء تكتل إفتائى وسطى علمى منهجى يعمل على حصار ظاهرة تصدى غير المؤهلين للإفتاء، ومن ثم القضاء عليها من خلال ابتكار حلول غير تقليدية للتعامل مع هذه الظاهرة.


ومن بين الأهداف أيضا، بناء استراتيجيات مشتركة بين دور الإفتاء فى العالم لمواجهة التطرف فى الفتوى وصياغة المعالجات المهنية لمظاهر التشدد فى الإفتاء.


كذلك التبادل المستمر للخبرات بين دور الإفتاء الأعضاء من خلال شبكة اتصال تضمن التواصل السريع والتفاعل الدائم بين هذا الدور، هذا بجانب النظم التكنولوجية المتطورة الذكية التى يمكن من خلالها إنشاء بنك الكترونيّ لإيداع الخبرات والانتفاع بها واستثمارها، مع تقديم الاستشارات الإفتائية لمؤسسات الإفتاء لتنمية وتطوير أدائها الإفتائى وتنمية أدوارها المجتمعية، وتقديم العون الفائق للدول والأقليات الإسلامية لإنشاء دور إفتاء محلية تساعد فى نشر الوسطية والاعتدال فى هذه الدول.


ومن بين الأهداف أيضا وضع معايير وضوابط لمهنة الإفتاء وكيفية إصدار الفتاوى تمهيدًا لإصدار دستور للإفتاء يلتزم به المتصدرون للفتوى ودور الإفتاء الإقليمية وصولا لمنهجية موحدة فى الفتوى، مما يقلل من مساحة الخطأ فى الفتوى، مع العمل على تجنب التنازع بين جهات الإفتاء فى الدول الأعضاء من خلال التشاور العلمى المنهجى بعقد الندوات وورش العمل لتفعيل أهم مواثيق العمل الإفتائي، وبناء الكوادر الإفتائية وتأهيل وتدريب الشرعيين الراغبين فى القيام بمهام الإفتاء فى بلادهم من خلال تراكم للخبرات المتنوعة للدول الأعضاء،وعرض الصورة الصحيحة للإفتاء، ورد الاعتبار له باعتباره أداة فى غاية الأهمية للتنمية المجتمعية، وبابًا مفتوحًا دائمًا لتطوير الخطاب الديني، وصياغة النماذج الإفتائية بصورة مهنية دقيقة يمكن نقلها وتنفيذها فى أماكن متعددة عبر خبراء الأمانة العامة لدور الإفتاء.


عضوية مدى الحياة


وتبدأ عضوية الأمانة العامة لدور الإفتاء بعشرة من الأعضاء المؤسسين،ويتم اختيارهم بالتنسيق والتشاور مع كبار المفتين فى العالم الإسلامي.


وتستمر عضوية الأعضاء المؤسسين مدى الحياة، ويشكلون المجلس الأعلى للأمانة.


ويحق لكل الدول طلب الانضمام للأمانة العامة لدور الإفتاء ويكون بعد عرض الطلب على المجلس الأعلى وموافقة ثلثى الأعضاء عليها.


ويجوز أن يمثل الدولة المفتى الرسمى شخصيا أو من ينيبه هذا المفتى أو من تحدده الدولة عند عدم وجود منصب للمفتى عندها، وفى كل الأحوال لا يمثل رسميا كل دولة إلا عضو واحد فقط .


وبالنسبة للأقليات المسلمة فى بلاد غير المسلمين والراغبة فى أن يمثلها مفتي، لها أن تحدد مفتيا يمثلها إذا توفرت فيه الشروط التالية:


- أن يكون من أهل العلم المشتغلين بالعلوم الشرعية المشهود لهم بأنهم من أهل المنهج الوسطى المعتدل.


- أن توافق على تمثيله الجهات الممثلة للجاليات المسلمة فى بلده.


- أن توافق على تمثيله الجهات الرسمية فى البلد التى يمثلها.


حصانة دبلوماسية


وتتمتع الأمانة العامة لدور الإفتاء فى أعضائها وموظفيها و مقرها ومكاتبها ومؤسساتها التابعة لها بالحصانة المكفولة للمنظمات الدولية فى القانون العام والعرف الدولي، وبما تنص عليه الاتفاقات المبرمة مع دولة المقر ومع الدول التى تستضيف المكاتب والمؤسسات التابعة.


وتتكون الأمانة العامة لدور الإفتاء من ثلاثة أجهزة رئيسة هي:


• المجلس الأعلى للإفتاء ورئيسه سماحة مفتى الديار المصرية الأستاذ الدكتور شوقى علام


• الأمين العام للأمانة العامة لدور الإفتاء.


• والسكرتارية التنفيذية للأمانة العامة لدور الإفتاء.


المقر:


وأكد المشروع المقترح على أن المقر الدائم للأمانة العامة لدور الإفتاء هو القاهرة، ويجوز لكل الدول الأعضاء بالأمانة أن تنشئ مكتبًا يمثل الأمانة العامة فى دولها بشرط الموافقة الرسمية من المجلس الأعلى للأمانة على إنشائه.


خمس مؤسسات


المشروع حدد خمس مؤسسات ستكون تابعة للمجلس الاعلى للأمانة العامة هدفها العمل على تحقيق أهداف الدار وهي:


- هيئة الأبحاث الشرعية، وتختص بإعداد البحوث الشرعية التى تكلف بها من قبل المجلس الأعلى للإفتاء، مما يساعد على توضيح الرؤية أمام المجلس الأعلى، ويقوم على رأس هذه الهيئة رئيس ينتخب بأغلبية ثلثى الأعضاء من المجلس الأعلى للإفتاء.


- هيئة الخبراء، وهى هيئة تابعة للمجلس الأعلى للإفتاء وتتكون من نخبة من علماء الأمة البارعين فى العلوم الإنسانية والطبيعية والتقنية والتطبيقية التى تساعد المفتى على فهم الواقع وتصوره بشكل أفضل، ويقوم على إدارتها رئيس يختار من بين أعضاء الهيئة إذا رأى المجلس ذلك.


- معهد الإفتاء العالمى وهو عبارة عن أكاديمية علمية تختص بتأهيل الشرعيين الراغبين فى التصدر لمهمة الإفتاء، والمعهد يتبع بصفة مباشرة مجلس الإفتاء العالمي.


ورسالته نشر الوسطية فى الإفتاء للحفاظ على مجتمع إسلامى كفء وفعال، ومساعدة المتشرعين على بيان الأحكام الشرعية بمصداقية ووعي.


- المركز الإعلامي، ويضم قناة فضائية ومجلة وموقعا الكترونيا وهو جهاز يختص بأعمال الإعلام عن الأمانة العامة وأنشطتها المختلفة.


- مركز ضبط الجودة والمعايير الإفتائية، وهدف هذا المركز رفع كفاءة و تقويم وتطويرعملية الإفتاء فى ضوء معايير الأداء التى وضعتها الأمانة من أجل تحقيق الجودة الشاملة والتطوير المستمر لمنظومة الإفتاء، والارتقاء بمستوى الكفاءة والقدرة العلمية للقائمين والمتصدرين للإفتاء فى العالم.


وتتمثل رؤية هذا المركز فى العمل على اكتمال مقومات نظم ضمان الجودة الداخلية بجميع الهيئات بحيث تكون قادرة على التطوير المستمر، وكذلك التحقق من توفر المعايير لدى المؤسسات التى لها صلة بالفتوى (دور إفتاء، كليات شرعية،....) بما يؤهلها للحصول على الاعتماد من منظمة الأمانة العامة للإفتاء.


ضوابط شرعية للفتوى


ويختم المشروع ببيان بعض المعايير والضوابط المقترحة لضبط عملية الفتوى التى ستنتهجها الإمانة العامة لدور الافتاء، وهى:


تفتى الأمانة العالمية للإفتاء فى المسائل التى تحتاج إلى اجتهاد جديد أو تمس الأمة بأسرها.


أما المسائل التى لا تحتاج إلى اجتهاد جديد أو التى تتعلق بالأفراد، فليس من تخصص الأمانة العامة للإفتاء أن تفتى فيها، وإذا وردت إليها فإنها تحيلها على المفتين المحليين، وإلا فيرجع الأمر فيها لما استقر عليه كل إقليم على حده.


وتعتمد الأمانة العامة للإفتاء المذاهب الأربعة فى الفتوى، وإلا فتُخرِّج على أصول هذه المذاهب.


وحسب المشروع تصاغ الفتوى فى المسائل المستحدثة على مستويين:


الأول: فتاوى مطولة تناسب المتخصصين.


والثاني: فتاوى مختصرة تناسب عامة المسلمين.


• وتراعى الفتوى ذكر البدائل المشروعة للأمور المنهى عنها تصحيحا للفاسد من أفعال المكلفين، وحتى لا يقع الناس فى الحرج.


- وتصوير الواقعة المراد بيان الفتوى فيها فى الجواب.


- تصاغ الفتوى بعبارة واضحة صحيحة تفهمها العامة ولا يزدريها الخاصة؛ لئلا تفهم خطأ.


-إذا لم يكن فى السؤال تفصيل لحال السائل وكان فى جواب المسألة تفصيل، لم يطلق الجواب، بل يستفصل من السائل إن حضر، وإلا فيفصِّل الأقسام فى جوابه،‏ ويذكر حكم كل قسم.‏


- تشتمل الفتوى على مناحٍ تربوية للنهوض بثقافة الأمة عامة وفى مجال الفتوى ونشر أدب الخلاف خاصة.


- الفتوى فى الأمانة العامة للإفتاء فتوى جماعية.


- مراعاة الفتوى للآثار المترتبة والمآلات.


معايير جودة الفتوى:


ووضح المشروع معايير جودة الفتوى المقترحة المنشورة للمسلمين والتى أكدت على ضرورة أن تشفع الفتوى بالدليل على صحتها.


وتصاغ الفتوى على النحو التالي:


-يذكر السؤال بأسلوب مفصل


-تذكر مقدمة يوضح فيها ما يلزم القارئ العادى فهمه وكذا الباحث، مِن تعريفات وألفاظ ذات صلة ونحو ذلك مما يساعد على التصور الصحيح للواقعة، فمعلوم أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.


- تذكر المذاهب فى المسألة إذا كانت المسألة موجودة فى تراثنا، ويراعى أن تكون المذاهب المذكورة منقولة من مصادرها المعتمدة.


- يكون الاستدلال سواء للمذاهب أو لرأى المفتى نفسه بالقرآن ثم بالسنة ثم بالمعقول من قياس أو قواعد أو مصالح، مع مراعاة الرد على الإيرادات, واتِّباع قواعد التعارض والترجيح المنصوص عليها فى علم أصول الفقه.


- يبين الراجح عند المفتى مع بيان سبب رجحانه.


- لا تخالف الفتوى الإجماع.


- لا تستند الفتوى على قياس فى مقابلة النص.


- لا تدعى الفتوى احتكار الحق إلا فى حالات الإجماع وهى قليلة.


- لا تشتمل الفتوى على تجريح للمخالف؛ فهذا من أسباب ظاهرة «فوضى الإفتاء».


- لا تصدر الفتوى عن غير المتخصص المؤهل ممن يكون حاصلا ً على مؤهل شرعى جامعي، ولزم مجالس العلماء وتخرج على أيديهم وزكّوه.


- يجب أن تراعى الفتوى الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، فما يصلح فى بلد قد لا يصلح فى أخرى وهكذا.


- تتخذ الوسائل المتاحة لمنع تزوير الفتوى، بالإضافة عليها أو بنسبتها إلى غير قائلها ونحو ذلك.


-لا تسارع الفتوى إلى التكفير أو التفسيق ونحو ذلك.


مفتى متحرر من التعصب:


ووضح مشروع الأمانة العامة للفتوى المعايير التى يجب توافرها فى المفتى وهى:


- أن يكون المفتى بالغا، فإن الصبى وإن بلغ رتبة الاجتهاد وتيسر عليه درك الأحكام فلا ثقة بنظره ولا طلبه فالبالغ هو الذى يعتمد قوله .


- عالما باللغة فإن الشريعة عربية وإنما يفهم أصولها من الكتاب والسنة من يفهم العربية، ولا يشترط أن يكون غواصا فى بحور اللغة متعمقا فيها لأن ما يتعلق بمأخذ الشريعة من اللغة محصور مضبوط، ولا يجوز أن يفتى الناس من لم تكن له ملكة فى فهم لغة العرب وتذوقها، ومعرفة علومها وآدابها حتى يقدر على فهم القرآن والحديث..


- أن يكون عالما بالقرآن فإنه أصل الأحكام وأن يعرف ناسخه ومنسوخه عالما بالحديث مميزا لصحيحه من سقيمه عالما بالفقه وبأحكامه المستقرة، ولا يجوز أن يفتى الناس من لم يتمرس بأقوال الفقهاء، ليعرف منها مدارك الأحكام، وطرائق الاستنباط، ويعرف منها كذلك مواضع الإجماع ومواقع الخلاف، ولا يجوز أن يفتى الناس من لم يتمرس بعلم أصول الفقه، ومعرفة القياس والعلة، ومتى يستعمل القياس، ومتى لا يجوز. كما لا يجوز أن يفتى من لم يعايش الفقهاء فى كتبهم وأقوالهم، ويطلع على اختلافهم، وتعدد مداركهم، وتنوع مشاربهم، ولهذا قالوا: من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم رائحة الفقه.


- أن يكون المفتى ظاهر الورع مشهورا بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة.


- أن يكون كالراوى فى أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر لأن المفتى فى حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوى لا كالشاهد.


- متحررا من العصبية المذهبية، والتقليد الأعمى، فمتى كان من أهل الاجتهاد والنظر ولو على مستوى المسائل وغلب على ظنه واجتهاده صواب رأى من الآراء بدليله لزمه بيانه.


و ألا يلتزم رأيا فى قضية بدون دليل قوى، ولا يسمى العلم علما إذا كان ناشئا من غير دليل، ولقد قال الإمام على كرم الله وجهه: «لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله».


وأن يكون قادرا على الترجيح بين الأقوال المختلفة، والآراء المتعارضة بالموازنة بين أدلتها، والنظر فى مستنداتها من النقل والعقل، ليختار منها ما كان أقربنصوص الشرع، وأقرب إلى مقاصده، وأولى بإقامة مصالح الخلق التى نزلت لتحقيقها شريعة الخالق.


ويكون أهلا للاجتهاد الجزئي: أى الاجتهاد فى مسألة معينة من المسائل وإن لم يكن فيها حكم للمتقدمين، بحيث يستطيع أن يعطيها حكمها بإدخالها تحت عموم نص ثابت، أو بقياسها على مسألة مشابهة منصوص على حكمها، أو بإدراجها تحت الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غير ذلك من الاعتبارات والمآخذ الشرعية.


- أن تغلب عليه روح التيسير والتخفيف على روح التشديد والتعسير، وذلك لأمرين:


الأول: أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج عن العباد، وهذا ما نطق به القرآن، وصرحت به السنة فى مناسبات عديدة.


ففى ختام آية الطهارة من سورة المائدة، وما ذكر فيها من تشريع التيمم، يقول تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (الآية ٦)، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، ويقول: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين».


والأمر الثاني: طبيعة عصرنا الذى نعيش فيه، وكيف طغت فيه المادية على الروحية، والأنانية على الغيرية، والنفعية على الأخلاق، وكيف كثرت فيه المغريات بالشر، والعوائق عن الخير، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، حيث تواجهه التيارات الكافرة عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه، تريد أن تقتلعه من جذوره، وتأخذه إلى حيث لا يعود، والفرد المسلم فى هذه المجتمعات يعيش فى محنة قاسية، بل فى معركة دائمة، فقلما يجد من يعينه، وإنما يجد من يعوقه، ولهذا ينبغى لأهل الفتوى أن ييسروا عليه ما استطاعوا، وأن يعرضوا عليه جانب الرخصة أكثر من جانب العزيمة، ترغيبا فى الدين، وتثبيتا لأقدامه على طريقه القويم، وقد نقل الإمام النووى فى مقدمات «المجموع» كلمة حكيمة للإمام الكبير ـ إمام الفقه والحديث والورع ـ سفيان الثوري، قال فيها: «إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!»،


• أن يخاطب الناس بلغة عصرهم التى يفهمونها، متجنبا وعورة المصطلحات الصعبة، وخشونة الألفاظ الغريبة، متوخيا السهولة والدقة، وقد جاء عن الإمام علي: «حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ وقال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ولكل عصر لسان أو لغة تميزه، وتعبر عن وجهته، فلابد لمن يريد التحدث إلى الناس فى عصرنا أن يفهم لغتهم ويحدثهم بها.


ولا نعنى باللغة مجرد ألفاظ يعبر بها قوم عن أغراضهم، بل ما هو أعمق من ذلك، مما يتصل بخصائص التفكير، وطرائق الفهم والإفهام ولغة عصرنا تتطلب عدة أشياء، يجب على المفتى أن يراعيها:


- أن يعتمد على مخاطبة العقول بالمنطق، لا على إثارة العواطف بالمبالغات، فمعجزة الإسلام الكبرى معجزة عقلية هى القرآن، الذى تحدى الله به، ولم يتحد الخوارق، مع وقوعها للنبى صلى الله عليه وسلم ـ ولم تعرف البشرية دينا يحترم العقل والعلم كما يحترمه الإسلام.


- أن يدع التكلف والتقعر فى استخدام العبارات بالأساليب، فيستخدم اللغة السهلة القريبة حتى يفهمه الناس.


وختمت دار الافتاء مشروعها المقترح برجاء أن يلقى القبول


من أولى الأمر والمسئولين عن الفتوى فى ديار الإسلام، وأن يتعاونوا فى سبيل جعل فكرة هذا المشروع المقترح واقعا لعله يخفف من أزمة الإفتاء التى تحياها الأمة.