شركات الإنترنت ترفع شعار «الأسعار نار.. والخدمة فى الانهيار»

02/09/2015 - 12:57:38

تحقيق يكتبه - عبد اللطيف حامد

أكد عدد من خبراء الاتصالات أن خدمات الإنترنت فى مصر أصبحت «خارج الخدمة» وجميع الأطراف تدرك أنها فى تراجع مستمر، وشكاوى العملاء لا تتوقف على مستوى الجمهورية رغم ارتفاع أسعارها، ولا حياة لمن تنادى من الشركات المقدمة للخدمة أو جهاز الاتصالات، بينما من المفترض أن يكون صاحب الكلمة العليا فى هذا القطاع الحيوى بحكم دوره الرقابى والتنظيمى، ولابد أن يمارس مهمته على الوجه الأكمل أو يترك الدفاع عن حقوق المستخدمين لكيان جديد يقف بالمرصاد للمشغلين فى مجالى المحمول والإنترنت معا خصوصا أنهم بالملايين، وهذه الخدمات لم تعد رفاهية بل ضرورة حياتية، وتنموية واقتصادية. وفى نفس الاتجاه طالب هؤلاء الخبراء بدعم شباب حركة «ثورة الإنترنت»؛ لأنهم فى طريقهم لإجراء تحول نوعى فى مواجهة تدهور الخدمة؛ دفاعا عن حقوق المستخدمين، وعلى المواطنين التجاوب مع دعوات المقاطعة للشركات سواء المحمول أو الإنترنت من أجل إصلاح الخلل فى منظومة الاتصالات، مع التأكيد أن خطوة قياس الجودة التى يتبناها المهندس عاطف حلمى وزير الاتصالات على الطريق الصحيح لكنها لا تكفى وحدها.


فى البداية يقول المهندس إسلام خالد منسق حركة ثورة الإنترنت إن المنظومة الحالية للإنترنت فاشلة، ولابد من تطوير البنية التحتية المتهالكة بداية من السنترالات ثم الاستماع جيدا لطلبات المشتركين، وحل مشاكلهم فى مختلف المناطق، ودراسة أسباب سوء جودة الخدمة بمعدلات لا يمكن قبولها، ووضع حلول عملية لها بعيدا عن الردود المعتادة من موظفى خدمة العملاء فى كافة الشركات بأن المشكلة فى أجهزة تليفون المشتركين «عمال على بطال»، قبل الكلام عن خطوة قياس الجودة وكأنها فتح جديد فى عالم الإنترنت، وفى الوقت نفسه ليس من المعقول السكوت على الأسعار المبالغ فيها، ولا مثيل لها فى معظم الدول سواء العربية أو الغربية أو حتى الأفريقية، ونستخدم أقل سرعة فى العالم تقريبا، وهنا مضطر لعمل بعض المقارنات مع دول أخرى منها تونس سرعة ٢ ميجا بنحو ٤٤ جنيها، بينما فى مصر يصل سعرها إلى ٢٢٠ جنيها شهريا، وفى المغرب سعر سرعة ٤ ميجا ٨٤ جنيها، وسرعة ٨ ميجا يبلغ سعرها ١٢٦ جنيها، بل الأغرب أن سرعة ١٢ ميجا فى فلسطين المحتلة ١٧٥ جنيها مصريا، وفى غانا سرعة ١٠ ميجابايت سعرها ٣٠٠ جنيه مصرى، ولن أتطرق إلى دول أوربية، لأن خدمات الإنترنت فى بعضها أصبح مجانيا فى الشوارع والأماكن العامة كالنوادى والسينمات ومنها فرنسا والمكسيك، علما أن هذه الأسعار ليست عروضا أو تخفيضات مؤقتة، بل أنظمة تسعير معمول بها بصفة مستمرة، لأن ما قامت بها شركات الإنترنت المصرية مؤخرا مازال فى إطار العروض طالما لم تلغى الأنظمة القديمة، بل الأخطر أن ما وفرته للعميل باليد اليمنى فى زيادة السرعة من ٥١٢ بايت إلى ا ميجا حصلت عليه باليد اليسرى عند الرغبة فى زيادة السعة بالجيجا، وبصريح العبارة هذه تخفيضات «فانكوش».


مكاسب شركات النت الخاصة


ويرى أن ضغوط شركات الإنترنت الخاصة على الشركة المصرية للاتصالات لتخفيض إيجار بنيتها التحتية من أجل تقديم هذه التخفيضات لمشتركيها خطأ يجب تداركه، لأن الأولى تبيع ١ الميجا بـ١٤٠ جنيها بينما تدفع للثانية ٣٨ جنيها إيجار عن كل ميجا، إلى جانب ١٠ فى المائة كإيجار للبوابة الدولية بمعدل ١٤ جنيها، وبالتالى يكون مكسب شركة النت الخاصة نحو ٨٨ جنيها فى الميجا، ولو افترضنا أن كل شركة لديها ٥٠٠ مشترك يعنى أن مكاسبها تصل إلى ٤٤ مليونا على الأقل ستتحمل منها نحو ١٠ ملايين جنيه كأجور ودعاية، فيكون صافى أرباحها نحو ٣٤ مليون جنيه، وبالطبع يمكن أن تتضاعف هذه الأرباح كلما ارتفع عدد المشتركين، بينما شركات النت الثلاث يدفعون للمصرية للاتصالات سنويا ١.٢ مليار جنيه، رغم أن هذه الشركات تابعة لشركات المحمول التى تحقق مكاسب تتراوح من ٣٢ إلى ٣٥ مليار جنيه سنويا، لذلك كان من الضرورى وقوف مسئولي جهاز تنظيم الاتصالات ضد لوبى شركات الاتصالات فى مصر الذى يقف بالمرصاد ضد شركة وطنية، ويحاول تدميرها برفض حصولها على رخصة محمول، ويروج بعض الأكاذيب عن تراجع مكاسبه على غير الحقيقة.


ويضيف منسق ثورة الإنترنت أن الحركة ستواصل مسيرة مقاضاة وزير الاتصالات؛ لأنه الرئيس الفعلى لجهاز الاتصالات، وصاحب القرار النهائى فى إدارة مرفق الاتصالات كله، ورئيس جهاز الاتصالات بحكم أنه المراقب والمنظم لخدمات الاتصالات فى مصر، بالإضافة إلى كل الشركات المقدمة لخدمات الإنترنت سواء حكومية أو خاصة لأنهم المسئولون الفعليون عن سوء الخدمة، مع عدم اختصام رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء حتى لا يقوم البعض بتسيس مطالبنا، والقفز فوقها لتفريغها من مضمونها، فنحن حركة ليس لها أى توجه سياسى أو حزبى، وكل ما يهمنا تخفيض أسعار الإنترنت، ورفع السرعات وإلغاء سياسة الاستخدام العادل، فلا يجب تحديد سقف للحصول على الخدمة، لكن من يستهلك أكثر يدفع أكثر، وفى هذا الاتجاه نستعد لجمع مليون توقيع على استمارة الحركة من المواطنين التى يفوض فيها المشترك كعضو فى جمعية الشعب المصرى صفحة «ثورة الإنترنت» فى اتخاذ كافة الإجراءات القانونية فى مواجهة سوء خدمات الإنترنت، وارتفاع أسعارها، ووقف جشع واستغلال الشركات للعملاء، والقضاء على الاحتكار، وبالفعل جمعنا أكثر من ١١ ألف استمارة من محافظتى الشرقية والقاهرة فقط، وكل يوم يتصل شباب متطوعون من مختلف المحافظات للانضمام إلى الحملة، ومن المتوقع الانتهاء منها خلال شهرين لتقديم هذه الاستمارات إلى هيئة المحكمة التى ستنظر القضية فى القضاء الإدارى.


ولفت المهندس إسلام خالد إلى أن «ثورة الإنترنت» لن تتوقف عند مطلب تحسين خدمات الإنترنت الثابت وأسعاره فقط، بل ستمتد إلى خدمات الموبايل إنترنت؛ لأنها فى تراجع من فترة لأخرى ثم خدمات المحمول الرديئة، رغم أن شكاوى المستخدمين لا تتوقف دون استجابة من الشركات، والمطالبة بإدخال خدمات الجيل الرابع للمحمول إلى مصر، وتغطية كافة المناطق النائية، وإجبار جهاز الاتصالات على ضم ممثلين للحركة فى لجنة حماية المستهلك لتفعيل نشاطها، حتى لا تكون مجرد ديكور فقط.


٤ أسباب وراء الخدمة السيئة


ويرى المهندس محمد أبو قريش رئيس جمعية مهندسى الاتصالات أن هناك عدة عوامل تقف وراء انخفاض مستوى خدمات الإنترنت أولها:عدم وجود جهاز مستقل عن منظومة الاتصالات يستطيع مراقبة الأداء، ودراسة شكاوى المستخدمين بشكل علنى وشفاف، بينما ما يحدث الآن أن هذه الشكاوى وكل ما يخص الاتصالات منذ عام ١٩٩٦ لا يخرج عن هذه المنظومة، ويظل طى السرية والكتمان، وجهاز الاتصالات لا يصلح للقيام بهذا الدور؛ لأنه يخضع لسلطة الوزير، وليس من المنطقى أن يراقب نفسه، ويجب أن يتفرغ الجهاز لدوره التنظيمى فقط، وترك هذه المهمة لجهاز جديد ليكون أكبر قدرة على التحرك للدفاع عن حقوق المستخدمين، وثانيا: قلة عدد الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال مراقبة نشاط شركات الإنترنت، والتأيثر الأكبر من نصيب الكيانات التى تضم فى عضويتها رجال الأعمال فى قطاعى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وبالتالى الدفاع عن الاستثمارات فيهما، ولا يعنيها مصلحة العملاء، وثالثا: غياب القيمة التى تحكم خدمات الاتصالات فى مصر باعتبارها حقا إنسانيا حرصت عليه مواثيق الأمم المتحدة، كالحق فى الملبس والمأكل والتعليم والصحة، مما أدى لتجاهل وجود اعتبارات حاكمة لهذه المنظومة بين أطرافها الثلاثة فى مقدمتها المواطنون، ثم الشركات المقدمة للخدمة والأجهزة الرقابية والتنظيمية، ورابعا: السياسات الحاكمة لمنظومة الاتصالات خاطئة، فمن يتولى قيادتها من الضرورى أن يكون قانونيا، خصوصا فى جهاز تنظيم الاتصالات وليس مجرد مهندس أو أستاذ جامعى من أجل إدراكه للأبعاد التى ستترتب على أى اتفاق مع الشركات المقدمة للخدمة بما يتناسب مع المصلحة الوطنية أولا، ولا مانع من الاستعانة بمساعدين فنيين.


ويعترف أبو قريس أن حركة «شباب ثورة الإنترنت» حركت المياه الراكدة فى هذا المجال، وفى طريقهم لإجراء تحول نوعى فى مواجهة تدهور وسوء خدمات الاتصالات دفاعا عن حقوق المستخدمين، وعلى المواطنين التجاوب مع دعوات المقاطعة للشركات، سواء المحمول أو الإنترنت التى يطلقها هؤلاء الشباب؛ لأنها أحد الوسائل الفاعلة لإصلاح الخلل الذى أصبح عصيا على المواجهة فى ظل تجاهل المشغلين لمطالب العملاء.


ترتيب متأخر دوليا


وفى نفس الاتجاه يقول د. أحمد الحفناوى عضو الاتحاد الدولى للاتصالات السابق إن خدمات الإنترنت فى مصر سيئة جدا، ونأتى فى ذيل القائمة عالميا في سرعة التحميل، لأننا فى الترتيب ١٨٧ من بين ١٩٤ دولة، والمشكلة أننا نفتقد لوجود موصفات أو معايير تحدد طريقة الحصول على الخدمة بشكل واضح لضمان حقوق المستهلك، والفوارق بين المشغلين متفاوتة سواء فى مجالى المحمول أو الإنترنت، والمواطن المصرى يشترك فى باقة الـ٥ ميجا، لكنه لا يحصل على خدمة إلا بسرعة ١ ميجا، وشركات المحمول تهتم أكثر بخدمات الصوت على حساب البيانات لأنها الأكثر مكسبا، فتتوالى العروض الجديدة على المكالمات، بينما تتراجع خدمة الموبايل إنترنت دون اهتمام، وإذا كان هناك نية صادقة لتحسين خدمات الإنترنت لابد من الاتفاق أولا على تعريف الجودة سواء فى الإنترنت الثابت أو المحمول، ووضع مجموعة من الضوابط تلتزم بها الشركات دون تحايل أو مجاملة من الجهات المعنية، والتوقف عن حجة الوصلات غير الشرعية وتأثيرها على الخدمة، وإلغاء سياسة الاستخدام العادل بل فتح المجال أمام العميل للحصول على كفايته من الخدمة على غرار التيار الكهربائى، ويدفع فاتورة استهلاكه أيا كانت كبيرة أو صغيرة، وزيادة مراكز البيانات لأن الموجودة حاليا لا تتجاوز واحد من ألف من المطلوب لنشر خدمات الإنترنت على مستوى الجمهورية مع محاولة التخلى عن البعد الأمنى فى التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وتقديم النظرة الاقتصادية.


ضعف المحتوى العربى


ويشير د. عبد العزير بسيونى خبير الاتصالات إلى أن جودة خدمات الإنترنت محليا أقل من المتوسط العالمى، ولا تتعدى نسبتها فى أحسن الأحوال ٦٠ فى المائة بسبب عدم التعاون بين شركات الإنترنت والشركة المصرية للاتصالات، رغم أن الوصول إلى حلول وسط فى تسعير البنية التحتية سيجعل العائد أكبر مع زيادة عدد المشتركين خلال المرحلة المقبلة حتى لو كان على المدى البعيد، والتوافق على تقديم الخدمة والسعر بين الأربع شركات أفضل مكسبا من عمل بنية تحتية لكل شركة على حدة، وعلى الحكومة أن تدرك أنها قامت بـ « قصقصة ريش» المصرية للاتصالات منذ عام ١٩٩٨ عندما حرمتها من امتلاك رخصة المحمول الأولى، ولم تعد تعرف هل هى شركة حكومية أم قطاع خاص، بل إنها اضطرت لإنشاء شركة «تى أى داتا» لتقديم خدمات الإنترنت، ولابد من التدخل لحمياتها وإعادة هيكلتها، حتى لا تفترسها شركات المحمول، ويكفى أن الشركة بها ٥٠ ألف عامل مقابل ٥ آلاف عامل فى موبينيل ومثلهم فى فودافون، وبالطبع لا يمكن أن ينافس موظفون حكوميون القطاع الخاص إلا بعد تأهيل جيد، ويكفى أن مبنى المصرية للاتصالات بالأوبرا الذى تعرض للحريق مؤخرا لم يكن فيه طفاية حريق واحدة صالحة للاستعمال ـ على حد تعبيره ـ


ويطالب د. بسيونى بأن تقود مصر مبادرة زيادة المحتوى العربى والمصرى، خاصة على الشبكة الدولية للإنترنت؛ لأنه لا يتعدى ٣ فى المائة، بينما العرب يقدرون بنحو نصف مليار نسمة، والمفترض ارتفاعه إلى ١٠ فى المائة على الأقل، لكن بعد رقمنة التراث العربى فى شتى المجالات ليكون متاحا على شبكة الإنترنت، وفى الوقت نفسه يجب أن تجبر مصر شركات الكبرى كاجوجل وياهو وغيرهما على وضع سيرفرات فى مصر على غرار السعودية والإمارات، لأن ذلك سيتح فرصا أكبر لعمل تطبيقات مصرية على الشبكة العالمية، وفتح آفاق أوسع للتنمية، كما أن عدد المشتركين المصريين فى الإنترنت فى تزايد مستمر، وأصبح لدينا إرادة سياسية قوية بعد ثورتى يناير ويونيه تمكن من الإصرار على هذا المطلب المشروع.