مايقرب من ٣٨٠ منفذا تبيع بأقل الأسعار وسياراته تصل العشوائيات الجيش يحارب مافيا اللحوم

02/09/2015 - 12:44:39

  عدسة: شرين شوقى عدسة: شرين شوقى

تقرير يكتبه: أحمد أيوب

انتشرت على الفيس بوك مئات الصفحات التى تحدد أماكن وعناوين منافذ بيع القوات المسلحة؛ ليلجأ اليها المواطنون بدلا من الرضوخ لأطماع الجزارين والاستسلام لأسعارهم التى يريدون فرضها على المصريين، لم يفعل رواد الفيس بوك هذا مجاملة للقوات المسلحة ولا ترويجا إعلانيا لمنافذها، وإنما لإدراكهم أن أفضل الطرق لمواجهة جشع التجار والجزارين ومافيا اللحوم ليس فقط المقاطعة، فلن يستطيع المواطنون مقاطعة اللحوم طول الوقت، ولكن الأفضل أن تكون المقاطعة للجزارين عقابا لهم على أسعارهم، والسبيل الوحيد لنجاح المقاطعة هو وجود لحوم بديلة وبأسعار أقل وجودة تساوى إن لم تفوق لحوم الجزارين، ولا يقدر على هذا سوى منافذ القوات المسلحة، وهى ما يقرب من ٣٨٠ فرع ومنفذا للقوات المسلحة تنتشر فى أغلب محافظات الجمهورية قررت أن تساند المواطنين فى محاربة الغلاء، فقدمت لحوما بأسعار لا تتعدى سعر التكلفة، وربما تقل عن ذلك عندما تطرحها فى المناطق العشوائية والأحياء الفقيرة، فأسعار اللحوم لم تتجاوز فى منافذ ومجمعات القوات المسلحة ٥٦ جنيها للكيلو، لكنه ينخفض فى السيارات التى دفعت بها القوات المسلحة الى مناطق العشوائيات والأحياء الشعبية إلى ما لا يزيد على ٣٨ جنيها للكيلو.


بالتأكيد هذه الأسعار قد تثير التساؤلات حول جودة اللحوم المعروضة، لكن يكفى للإجابة على هذه التساؤلات طوابير المواطنين وتزاحمهم أمام منافذ مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وانتظارهم لها بالساعات، وتأكيدهم أن جودة لحوم القوات المسلحة أفضل بكثير من غيرها ويكفى أنها مضمونة، بعض المنافذ التابعة للقوات المسلحة ينتظر المواطنون أمامها صباحا بالساعات حتى تفتح أبوابها ليحصلوا على اللحوم واحتياجاتهم طازجة دون أى استغلال لتزاحم المواطنين وإقبالهم، فلم يرصد أحد أن منفذا للجيش استغل زيادة الإقبال لتحديد سعر اللحوم أو غيرها من المنتجات.. القصة ببساطة أن القوات المسلحة لا تتعامل فى منافذ بيع السلع والمنتجات الغذائية بمنطق المكسب والبحث عن أرباح، وإنما هدفها الأساسى هو إتاحة السلع بشكل عام أمام المواطنين بأسعار مناسبة تحقق أكبر قدر من التوازن فى السوق، لأنها تعتبر الغذاء أمنا قوميا فى المقام الأول، ويجب توفير كل ما يجعله متاحا أمام المواطنين وبأسعار وجودة تناسبهم، وفى الوقت نفسه رغبة من المؤسسة العسكرية فى رد الجميل للشعب المصرى، فلا تتركه معرضا للاستغلال وانتهازية التجار، فمنافذها فى كل مكان لا تتعامل مع العسكريين فقط بل مفتوحة أمام الجميع، وربما يؤدى الإقبال الشعبى عليها كثيرا إلى نفاد السلع دون أن توفى باحتياجات عسكريين كانوا ينتظرون دورهم، لكن الجميل أن هذا لم يتسبب مرة واحدة فى غضب أحد العسكريين أو اعتراضه، لأن تربيتهم فى تلك المؤسسة العريقة فى الوطنية علمتهم أنهم كما يضحون بأرواحهم من أجل الدفاع عن تراب الوطن فهم كذلك يضحون حتى باحتياجاتهم من أجل التخفيف عن كاهل المواطنين، فهم الذين يسارعون عندما تواجه الدولة أزمات طارئة يبحثون لها عن حلول عاجلة، مرات كثيرة يكون تدخل القوات المسلحة ورجالها سببا فى إنقاذ مناطق سكنية ومواطنين من كوارث، لم يقل واحد من أبناء القوات المسلحة إنه يقوم بما لا تفرضه عليه وظيفته كمقاتل، لأنهم تربوا وتعلموا أنهم مقاتلون من أجل الوطن، قبل ذلك كان تدخل مصانع القوات المسلحة منقذا من أزمة كادت تتعرض لها البلاد فى المياة المعدنية وكانت ستتسبب فى رفع أسعارها للضعف، وفى مرات عديدة كانت مزارع القوات المسلحة فى منطقة الجيش الثالث سببا فى إجبار التجار فى منطقة السويس على تخفيض اسعار الخضراوات بعد أن كانوا يسعون لرفعها بشكل لا يطيقه المواطنون، حتى عندما واجهت الدولة قبل ذلك أزمة فى توفير مادة الشبه التى تستخدم فى تنقية المياه كان تدخل القوات المسلحة هو المنقذ، فأقامت مصنعين للشبة لتوفير هذه المادة التى لم يكن يتخيل أحد أن نقصها يمثل تهديدا للأمن القومى لأنها ستؤثر على نقاء المياه التى يشربها المصريون.. كما لاينس المصريون تدخل أتوبيسات القوات المسلحة لمواجهة أزمة سائقى النقل العام.


المبدأ فى فى كل هذه المرات كان تدخل القوات المسلحة حماية الأمن القومى المصرى وهو نفس المبدأ الذى جعل القوات المسلحة تتدخل وتصدر التعليمات بضخ كميات إضافية من اللحوم فى منافذها والدفع بسيارات ضخمة محملة باللحوم الى المناطق التى لا تتوافر فيها منافذ أو التى تتواجد بها كثافة سكانية أو نسبة فقر مرتفعة، بل دفعت القوات المسلحة بسيارات إلى بعض محافظات الصعيد عندما استغاث بها أهالى تلك المحافظات لمساندتهم فى مواجهة تحكم الجزارين، ووصل الأمر الى أن بعض المحافظين لجأوا الى القوات المسلحة لتدعمهم بسيارات لحوم؛ و فتح منافذ بيع جديدة لتوفر للمواطنين فى محافظاتهم ما يكفى احتياجاتهم من اللحوم، ولو كان هؤلاء المحافظون يدركون أن مجمعات التموين وحدها تستطيع الوفاء بما يطلبونه لفعلوا لكنهم لجأوا إلى المؤسسة التى يعلمون أنها لن تتأخر فى دعم المواطنين بالسلع التى يحتاجونها.


عندما سألت أحد العسكريين السابقين عن سر هذه التحركات السريعة من القوات المسلحة لتوفير السلع التى يحتاجها المواطن، رد بأن الجيش يحارب من أجل الأرض التى يعيش عليها شعب مصر، فما بالك عندما يتعرض الشعب نفسه لمشكلة تمس حياته، أكل الغلابة أمن قومى لا يمكن التساهل مع من يتلاعبون به، وطالما أن الحكومة لا تملك اتخاذ موقف ضد من يرفعون الأسعار على المواطنين، فالقوات المسلحة بالعلاقة التاريخية بينها وبين الشعب لم تفكر بل سارعت بكل طاقتها لتمد يدها وتقدم السلعة التى يحتاجها المصريون وبالأسعار التى تناسب إمكانياتهم حتى تواجه جشع التجار وتحمى المواطنين من الاستغلال.


هذا الكلام لخص الواقع فى الشارع فما لم يلتفت إليه كثيرون أن تدخل القوات المسلحة بمنافذها وسياراتها كان سببا حقيقيا فى إطالة أنفاس المشاركين فى حملة « بلاها لحمه» وتثبيتهم فى مواجهة مافيا اللحوم الذين تخيلوا أن المقاطعة « موضة « ستنتهى سريعا وتعود لهم السيطرة على الأسواق والتحكم فى الأسعار كما يريدون.


فالجزارون كانوا يراهنون على أن المواطنين ليست لديهم ثقة فى لحوم المجمعات الاستهلاكية بتاريخها الذى لم يمح حتى الآن من ذاكرة المصريين، كما أنهم لا يتقبلون اللحوم المستوردة، حتى ولو كانت بضمان الحكومة، وبالتالى فلن يستطيع المصريون تحمل البعد عن لحوم الجزارين كثيرا، هكذا كان رهان التجار والجزارين، لكن المفاجأة التى أربكتهم وفرضت عليهم إعادة حساباتهم تدخل منافذ الجيش وسياراته بكل طاقتها؛ لتفسد مخطط المحتكرين وأباطرة اللحوم وتجبر كثيرين منهم على تخفيض الأسعار.


الأهم أن منافذ القوات المسلحة لم تكتفِ بطرح كميات إضافية من اللحوم وإنما زادت المطروح أيضا من الأسماك والفراخ وبأسعار تقترب كثيرا من التكلفة حتى تغلق الباب عن استغلال بعض التجار لحملة مقاطعة اللحوم ورفع أسعار البدائل، فيضطر المواطنون إلى الرجوع مجبرين الى اللحوم، غلاء بغلاء، لكن القوات المسلحة أصرت على ألا تسلم المواطن للتجار لتثبت دائما أنها الأقرب إلى المصريين