الهجـــرة غير الشرعيــــة خطر على وحــدة أوربا

02/09/2015 - 12:24:32

تقرير: عزة صبحى

مصرع مهاجرين جدد إما خنقاً فى شاحنات التبريد فى النمسا، أو بفعل الجوع والمرض فى مسيرتهم على الأقدام لعبور الأسلاك الشائكة على الحدود مع صربيا إلى المجر ما هو إلا حلقة جديدة فى سلسلة الهجرة غير الشرعية، التى رآينا مآسيها من قبل فى غرق مراكب الموت فى البحر المتوسط، أوربا مازالت تتعامل على المستوى الأمنى فقط مع هذه المشكلة، مما يرشحها لمزيد من التفاقم فى السنوات القادمة ويزيد من خطورتها على كيان الاتحاد الأوربى ووحدته.


أتمت المجر فى الحادى والثلاثين من أغسطس إقامة سور الأسلاك الشائكة على طول حدودها مع صربيا البالغ طولها ١٧٥ كيلو متراً لمنع عبور المهاجرين غير الشرعيين إلى أراضيها ومنها إلى فضاء شنجن، حيث دول الاتحاد الأوربي.


تخطط المجر إلى إقامة جدار عازل بارتفاع أربعة أمتار بدلا من الأسلاك الشائكة فى الفترة القادمة لإحكام سيطرتها على الحدود، خاصة مع التوقعات باستمرار مشكلة المهاجرين غير الشرعيين لسنوات طويلة قادمة.


سبق ذلك توافد عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين معظمهم من سوريا، بالإضافة إلى آخرين من إفريقيا وبنجلاديش وغيرها من الدول عبر الحدود بين صربيا والمجر فى سباق مع الزمن لدخول الاتحاد الأوربى قبل انتهاء المهلة.


وتناقلت أجهزة الإعلام العالمية كالمعتاد صور المهاجرين من شباب ونساء وأطفال وهم يسيرون على الأقدام لمسافات طويلة على طريق ما يعرف بطريق البلقان الغربية فى محاولة لاجتياز الحدود قرب قرية روشتكى المجرية.


معظم هؤلاء قدموا من جزر اليونان إلى مقدونيا إلى صربيا ثم إلى المجر، وهى عضو فى الاتحاد الأوربى لينطلقوا منها بعد ذلك بشكل شرعى أو غير شرعى إلى بقية دول الاتحاد الأوربي، حيث تتيح اتفاقية شنجن حرية التنقل بين دول الاتحاد.


سجلت المجر وحدها عبور مائة ألف مهاجر غير شرعى منذ بداية هذا العام أى ضعف العدد المسجل فيها عام ٢٠١٤.


صور المهاجرين المنهكين والجائعين والمرضى على طريق البلقان تزامنت مع صور أخرى لجثث مهاجرين آخرين لقوا حتفهم خنقاً داخل شاحنات التبريد واستغلتها عصابات مهربى البشر لنقل المهاجرين إلى عمق القارة الأوربية.


وكالمعتاد عقب نشر هذه الصور ومثلما حدث عند نشر صور قوارب الموت وجثت الغرقى فى البحر المتوسط، تتوالى التصريحات والاجتماعات الرسمية لإيجاد حلول لمشكلة الهجرة غير الشرعية.


لكن على ما يبدو فإن سياسات الاتحاد الأوربى تجاه هذه المشكلة لم تعد ذات جدوى بل تزيد من تعقيد الأمور، الأمر الذى لم يعد خطراً على المهاجرين فقط، لكن على استمرار كيان الاتحاد الأوربى نفسه.


بالنسبة لمشكلة المهاجرين جاءت القرارات عبارة عن إنشاء مراكز لفرز المهاجرين وتصنيفهم إذا ما كانوا مهاجرين لأسباب اقتصادية أم لاجئين كذلك لبحث أسباب اللجوء الأمر الذى يستغرق شهوراً.


كذلك قرار تحديد معايير الدول الآمنة، التى يجب أن يرحل القادمون منها لأنهم لا يستحقون اللجوء، ويلقى ذلك خلافات أوربية داخلية حول هذه المعايير هل هى اقتصادية أم سياسية أم حقوقية.


فضلا عن البحث عن طرق ترحيلهم خاصة أن الكثير منهم لايحمل أوراقا رسمية، أما بعض توزيع المهاجرين على دول الاتحاد فمازالت دون حل شامل مع استمرار رفض دول مثل بريطانيا والدانمارك الحصول على حصة ثابتة من المهاجرين.


والأهم من ذلك أن هذه القرارات لم تأت بجديد فيما يتعلق بمنع تدفق مهاجرين جدد وإزالة الأسباب التى تدفعهم إلى الهجرة.


ويخشى الكثير من المحللين أن مشكلة الهجرة غير الشرعية ستؤثر سلباً على كيان الاتحاد الأوربى، الذى كان يعد نموذجا فى الاندماج فى العالم.


ذلك أن أهم معالمه كانت الوحدة النقدية المتمثلة فى العملة الموحدة اليورو وحرية التنقل التمثلة فى اتفاقية شنجن التى تزيل الحدود تماما بين دولة.


ولكن وبسبب مشكلة الهجرة غير الشرعية سارعت دول فى الاتحاد بإغلاق الحدود لفترات طويلة أو قصيرة لكبح الهجرة غير الشرعية وهو يخالف قوانين شنجن التى تضع ضوابط لذلك، هذا فضلا عن دول أخرى مثل الدنمارك التى أغلقت حدودها إلى الأبد وأعادت فرض الرقابة والحصول على إذن مسبق قبل العبور إلى أراضيها، الأمر الذى اعتبره الخبراء أول مسمار فى نعش اتفاقية شنجن، خاصة أن هناك دعوات أخرى تحت ضغوط الأحزاب المتطرفة فيها لتعديل اتفاقية شنجن لإعادة سيادة الدولة على حدودها من المخاطر التى تهدد كيان الاتحاد الأوربى أيضاً تزايد الدعوات العنصرية ضد المهاجرين أو الأوربيين من أصول عربية أو إفريقية وارتفاع معدلات الجرائم العنصرية ضدهم وهو خطر كبير خاصة إذا عرفنا أن عدد المهاجرين إلى أوربا فى العشر سنوات الماضية، بلغ خمسة وعشرين مليون مهاجر ٦٥٪ منهم دخلوا الاتحاد الأوربى بشكل غير شرعى هذا بالطبع غير المواطنين الأوربيين ذى الأصول الأفريقية أو الآسيوية أو العربية الذين يعيشون فى الاتحاد الأوربي.


كل هذه الأرقام المخيفة وكل الصور التى تعبر عن مأساة المهاجرين لم تغير شيئاً حقيقياً فى سياسة الاتحاد الأوربى مع هؤلاء الفارين من الفقر والحرب فى بلادهم آملين فى الوصول إلى الجنة الأوربية، كل السياسات جاءت أمنية وفى معظمها ولم تهتم بفكرة التنمية الحقيقية فى البلاد الطاردة للمهاجرين بما يوفر لهم حياة كريمة فى بلادهم واكتفت أوربا كالعادة بالمساعدات المالية، التى تعتبر غير كافية، كما وكيفاً بل لم تفعل بجهد حقيقى فى إطفاء نار الحروب التى أشعلتها فى إفريقيا وفى الدول العربية، والتى تعد من أهم أسباب زيادة أعداد المهاجرين.