رمضان المسيحي

01/09/2015 - 11:16:00

رمضان المسيحي رمضان المسيحي

هـــالة زكــــي

" لما نهض رسم البطرك علامة التثليث على صدره، وأعلنت المذيعة في وقار وهي تتابع طقوس الكنيسة البطيئة ":رمضان صار الآن واحداً من أبناء الكنيسة، مسيحياً ، تعمّد ببيت الرب، وتناول القربان المقدس، ونال بركة "سر الأفخارستيا"، وحرصاً على حياته، صار في حماية اليونان، ولاجئاً سياسياً؛ لأن- الهمج -  قد يقتلونه كأحد المرتدين.


كان ذلك يتكرر كثيراً، في التليفزيون اليوناني، ويُشعرنا بالغضب، الفرق أننا في هذه المرة نعرف رمضان.


مشهد البداية لرواية: "رمضان المسيحي" الصادرة عن روايات الهلال في عددها الجديد للكاتب عادل سعد، الذي أتحفنا منذ أشهر بمجموعة قصصية مثيرة للجدل بعنوان : " البابا مات" ، والمدخل يبدو منطقيا مع العنوان، لكنه كان صادما لهؤلاء الصعايدة الذين سافروا لليونان في مطلع السبعينيات، ليشاهدوا هؤلاء الذين يجهرون بتغيير ديانتهم للحصول على جنسية أو حق لجوء سياسي هربا من الواقع المرير في بلادهم .


خمسون شاباً صعيديا هبطوا على ميدان "أمونيا" بقلب أثينا.


" نزلنا من الأتوبيس، في وقت العصر، موعد خروج الحوريات بفساتينهن القصيرة جداً والشورتات الملتهبة والتي شيرتات الكاشفة للبطون، وأنسجتها القطنية الشفافة تظهر حلمات صدور ساحرة وعيوننا عاجزة عن الملاحقة..


كانوا قد جاءوا من واقع أشد تنكيلا ، من واقع العربجي الذي غامر بتغيير ديانته معلنا رأيه بصراحة : " دين ربنا قال: فيه جنة... وفي نار. الجنة... نسوان وويسكي ومارلبورو وفراخ وخوخ جورمادس..


 والنار هناك... في الأوضة الحر... وأمي الزهقانة.. وريحة البول.. ومراتي والأربع عيال وبوابير الجاز والفول والطعمية والسجاير الفرط والموت في خنق الأتوبيس"


 أما الصعايدة فقد كانت تطاردهم كلمات شاعرهم العظيم جلال علما الذي مات ولم يسمع عنه أحد : " قال المغفل للمغفول: إزاي نكون إحنا من الطين، ونستحمى.. ولا ندوبشي ف البحر أما كلام مجانين؟!


سوّح بقى سيدنا المغفول.. وكان معاه ف الرد حريص..قال له: صحيح إحنا من الطين.. بس إحنا من طين البلاليص"


تدور أحداث الرواية خلال عام ونصف من رحلة هؤلاء الطلاب لليونان.


شوارع أثينا وميادينها وقراها هاجر إليها مليون ونصف المليون مصري يوناني، بعد ثورة 1952.


سكانها كانوا لا يزالون يذكرون مصر بالخير بالرغم من كل الظروف . يقول المؤلف ,واصفا أحدهم: " وارتج المطعم بالرقص، على أغنيات محمد فوزي وفريد وعبدالوهاب.


وبكى العازف العجوز وهو يغني: «يا مصطفى يا مصطفى أنا باحبك يا مصطفى، سبع سنين ف العطارين وانا باحبك يا مصطفى».


 قلت: أين عرفت كل ذلك؟ قال: «حبيبي أنا كنت رئيس فرقة محمد فوزي واسمي موجود في معظم أفلامه».


لم يأكل سوى لقمة، وشرب كأساً من الكونياك، ولملم البوزوكي، وأدخله في الجراب الجلدي بمعاونة مرافق، وعانق صديقه صاحب المطعم وخرج، وقبل أن يرحل استخرج 500 دراخمة ودسها في يدي، وقال: «سلم لي على مصر، لأن متهيألي مش هاشوفها تاني».


وفي هذه الرواية شخصية محورية تماما هي الخالة تولا، صاحبة البيت،الذي أقام فيه المؤلف التي يصفها المؤلف بأنها كانت قصيرة وماكرة كأم كلثوم.


"رددت أسماءنا، وفركت يديها سعيدة، عندما عرفت أننا طلبة جامعة، سألت عن أماكن عملنا، واستغرقت في الضحك، على مصطفى، وهو يشرح مكونات سوق الخضار والفاكهة، ومحمد صلاح الخارج من صناديق القمامة في مصنع الورق.


تولا تسكن بالدور الثاني، في غرفتين، ونحن نقيم في أربع غرف بالدور الأرضي، والفيلا تمتلكها ابنتها، وتأكل وتعيش من الإيجار.


تلك اليونانية الفقيرة تركت بصمة لا تنسى، ولما يصطدم الراوي برمضان المسيحي ويصرعه بلكمة دامية، نرى الخالة تولا بوضوح أكثر.


لمحتها على سريري بين اليقظة والنوم، وكنت مخدراً.


قالت: هل تتذكر يوم خرجت لأطلي حجارة الرصيف، مع حلول الصيف، واحدة بيضاء والأخرى سوداء؟


يومها كنت أعرف أسماءكم بالكاد وخرجتم خلفي، وأصر مصطفى أن أستريح ويدهن مع الشباب ليس رصيف بيتنا فقط بل رصيف شارعنا بالكامل.


يومها شكرني كل الجيران، وأنا صرت معروفة في كل المنطقة.


قلت هامساً: أنا لم أنسَ.


وعقب دهان الرصيف، دخلنا بملابسنا المتسخة الحمامات، وخرجنا بالشورتات، ووقفت لأرقص معك "سلو" في حديقة البيت.


قالت: أنت مجرم.


ظلت تزورني طوال الليل، وقلت لها ألا تخاف؛ لأن الصعايدة لا يموتون. فضحكت.


إنها أثينا الفقيرة ،مدينة الحب التي كانت لا تعرف جائعا،وتفتح أبوابها للفقراء،  يقدمها المؤلف في لقطة تذكارية من بعيد، في مطلع الثمانينيات، للمقارنة بأثينا التي يئن شعبها الآن تحت مطحنة اليورو وهيمنة رأس المال.