إنى وضعتها أنثى

30/08/2015 - 4:07:27

إنى وضعتها أنثى إنى وضعتها أنثى

وجدان حامد

تصدر روايات الهلال فى 15مايو 2015 عددها الجديد، رواية "إنى وضعتها أنثى"، للروائية، الناقدة والشاعرة سعيدة تاقى، إحدى كاتبات الجيل الجديد بالمغرب، وهى ثانى عمل روائى لها بعد روايتها ( إيلاف "هم" – رحلة قاب القوسين أو أعلى).


تنسج  رواية  " إنى وضعتها أنثى" خيوطها من خلال تلك الأفكار القديمة والرجعية عن المرأة وطبيعتها وحياتها وما يكتنفها من قيود وأسوار تمنعها من إبداء رأيها والتفكير بمستقبلها وحتى أخذ قرار زواجها متى وممن تتزوج؟


فـ" مهدية" تلك الفتاة اليافعة الممتلئة بالحيوية، والتى حجبت عن إكمال تعليمها، الممنوعة من الخروج إلا فى صحبة أمها فى جولة للتسوق، كانت تحلم بحياة مغايرة عن حياة والدتها التى نشأت فى بيئة ذكورية مفرطة فى الشدة والحزم، حياة لا تعرف سوى " إياك يا فتاة"، كانت تحلم بحياة لا تسلب حريتها ولا تلغى إرادتها ولا تخذل ذكاءها.


هذه الحياة التى تعكس واقعاً مجتمعياً تعيشه مهدية ببلدتها " تطوان" يعتبر الأنثى عورة، يدفعها إلى الانزواء على نفسها ومحاولة إخفاء علامات أنوثتها المتفتقة بشريط تلفه حول صدرها حتى يتساوى مع جسدها فتتجنب عيون المتابعين لها.


كانت جولاتها بـ" تطوان" متنفسها، يستهويها الجمالُ الذي يحيطها فحلمت بامتلاك أدوات للرسم لتسجل بها بعض تلك الفتنة التى تشدها، ومن معلمتها " ماريا"، تلك الأم التى كانت لها دون أن تنجبها، تعرف بوجود المدرسة الوطنية الأولى للفنون الجميلة بمدينتها ذلك الحلم الذى تعلم صعوبة تحقيقه فتقرر فى يوم من الأيام الذهاب إلى المدرسة ومشاهدتها من الداخل.. حيث كان اللقاء..


ذلك اللقاء الموعود الذى لم يكن مخططاً له، مقابلة "مهدية" و " عزيز" فى المدرسة " تلك المصادفة الخارقة التى صنعتها فى لحظة واحدة مخلوقاً جديداً، له قلب وعقل ولسان وروح وجسد ، كان ببساطة ذلك الحلم الحى النابض بداخلها". فـ" عزيز" "كان يشبهها فى اختلافها وكان يفارقها فى الشبه ذاته مثلها هو لكنه ليس هى"، يجمعهما حب تطوان .


فى تلك اللحظات الصامتة بينهما كان الوعد باللقاء للمرة الثانية ولكن هذه المرة بمحض إرادتهما، إلا أن القدر الذى جعلهما يلتقيان دون موعد أبى عليهما أن يجتمعا فكان ذلك الخميس الأسود الذى بدل حياتهما ، وجعلهما يعيشان تلك اللحظات المسروقة من واقعهما فى حلم يراودهما معا.


ذلك الحلم الذى جعل " ميشيل عمران" يرى من خلال صورتها التى رسمها عزيز وتركها على الحامل لتجف بالدار البيضاء الماضى والمستقبل، نسج من خلال الصورة روايته التى لم يكمل فصولها عن "عزيز" و "مهدية" ، والتى أوصى لعزيز بتكملتها.


تلك الرواية التى أراد لها "عمران" أن تروى بلسان "عزيز السارد " لا " عزيز" البطل  تقوم على أربع جدران أو شخصيات : عمران – عزيز – مهدية- الراوى ، السرد فيها لا يكشف كل الخيوط دفعة واحدة. فذلك السارد تتعدد صوره المتداخلة.. الممتدة..فهو ليس ذاتاً واحدة .


فعمران كان الأصل لكنه كان مراوغا لم يترك للقارىء فرصة المتابعة المتدفقة للأحداث  فجعل كل الرؤى تتداخل وتتشابك حتى أنه يجعلك تتساءل من يروى لمن ومن يحكى عن من؟


عمران وعزيز ومهدية أبطال روايته جعل كلاً منهم يتحدث بلسان الراوى حسب رؤيته لنفسه ولغيره فيعيد كل منهم كتابة الأحداث من وجهة نظره.


لقد عبرت سعيدة تاقى بلغتها الثرية والقوية الرصينة  وجملها المتناغمة عن تلك الأحداث المتشابكة وعلاقاتها بالعديد من الشخصيات: شمس الضحى وزوجها وحكايتها بعد وفاة والد مهدية، والبشير عم عزيز وأحداث المغرب، وميجل ابن ماريا الذى يأتى لمهدية بأخبار عزيز فتسافر إلى أسبانيا تاركة وراءها "أبازكريا"، حاملة معها ابنتها " تودد" تحفزها نشوة اللقاء الذى لم يتم؛ باحثة لابنتها عن واقع مغاير فتقول:


 " مهدية الطفلة كانت تزور خيالى وتقتحِـم خواطري، كلّما فكَّرتُ في غد "تودُّد". لم تكن تطرأ على بـالي لـتعـيدني إلى طـفـولتي التي عـشـتُها بـوعي وشكّ، بل لتذكِّرني بأَّنني سأضُعها أنثى.. وتذكِّرني بأنّني أملك بعيداً عن ذلك المجتمع الذي فررتُ منه واجبَ حماية أنوثة طفلتي، لتنمو كاملة الحقوق..".