زمن الثورة

30/08/2015 - 3:14:14

زمن الثورة زمن الثورة

احمد شامخ

هذا عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في 5/5/2015 للكاتب سلامة كيلة الذي يقول كانت نهاية سنة 2010 مفتتح “عالم جديد” في كل أرجاء الوطن العربي، حيث اندلعت الثورة في تونس يوم 17/12/2010، لكنها امتدت إلى معظم البلدان العربية، كثورات أو كحراك شعبي.


هذه الحالة غذّت الكثير من الأحلام، لكن أيضاً الكثير من الأوهام. لكن كذلك من الآمال ما فاق ممكنات الواقع. حيث جرى الاعتقاد بأن تغييراً جذرياً سوف يتحقق، وأن الماضي انتهى لمصلحة مستقبل مبهر قريب. هكذا اعتقدت “النخب” والأحزاب التي اتخذت صفة المعارضة على الأقل، بينما كانت الشعوب تطمح لأن تغيّر في واقعها الذي بات لا يُحتمل نتيجة البطالة والفقر الشديد والتهميش.


أيضاً ظهر وكأن ما يجري في البلدان العربية هو مقدمة لثورات عالمية، حيث كانت الأوضاع الاقتصادية في أوروبا وآسيا وإفريقيا، أي في عديد من بلدان العالم، تسير نحو الأسوأ، خصوصاً بعد الأزمة المالية التي حدثت في سيبتمبر سنة 2008، والتي بدت أكبر من أن تكون أزمة مالية، رغم مظهرها المالي، حيث أوضحت عمق الأزمة التي تعيشها الرأسمالية ككل. لهذا ظهر التعاطف العالمي مع الثورات، وباتت المثال الذي يوجه نشاط الشعوب الأخرى، من إسبانيا إلى وول ستريت. ولقد انقلب النظر إلى العرب كعرب، من نظر سلبي قاتم إلى نظر بطولي. ومن الإهمال والاستخفاف إلى الاهتمام الفائق والدعم المفرط. ليظهر أننا وقد أصبحنا قدوة العالم، في أكبر فعل يحتاجه: الثورة.


إذن، لقد نهض الحلم من أسْره، وتملّك شعوب تريد العيش والتحرر. ولقد فعلت ما كان يبدو مستحيلاً خلال أشهر سبقت، حيث استطاعت أن تهزّ نظماً بدت كالجبروت. ولهذا تطاير الأمل بتحوّل كبير قادم، وبتغيير عميق لا بد أن يتحقق. وسعت كل فئة أو طبقة لأن تصيغ هذا التحوّل بما يحقق مصالحها هي فقط، لهذا عمدت فئات وسطى، وأحزاب هرمة طالما “ناضلت من أجل الديمقراطية”، لأن تعتبر أن الهدف هو الحرية والديمقراطية، وإنْ تجرأت أكثر طالبت بـ “الدولة المدنية”.


هذا الكتاب يحاول أن يواجه اليأس، وسوء الفهم، والتخبط، ليقول بأن ما جرى هو مفتتح مسار ثوري، قد يطول وقد يقصر، لكنه مستمر. ولقد كان مفتتحاً فقط لأن عفوية الشعب بالغة القوة التي ظهرت فيها لم تلاقِ من القوى من يستطيع تحديد مسارها، ووضعها في سياق يفرض “إسقاط النظام” بمعناه الاقتصادي السياسي. لهذا لم تفعل العفوية سوى إضعاف النظم، وفرض تغيير فيها، النظم التي حاولت المناورة من أجل الاستمرار فقدّمت تنازلات شكلية. وما يجعل هذا المسار يطول أو يقصر، بالتالي، هو معالجة النقص الذي ظهر في الثورات منذ البدء، حيث كانت ثورات شعبية عفوية بكل معنى الكلمة. فشباب الفئات الوسطى، والشباب المفقر، هو من حاول أن يديرها، لكن دون أن يكون قد امتلك وعياً سياسياً وفكرياً، أو رؤية للبديل الضروري، أو مقدرة على تنظيم الحشود لكي تفرض انتصارها هي. لا شك، فقد كان ذلك نتيجة استبداد طويل، وتدمير قصديّ للتعليم والثقافة، وأزمة اقتصادية أتت بالبطالة والفقر والتهميش، دفعت الشباب إلى الانكفاء الذاتي، والهرب من مواجهة واقعهم هذا إلى سياقات تنفي السياسية.


ولقد كانت الأحزاب التي تنشط في المعارضة “ميتة”، أو تشارف على الموت، بعد أن حصرت نشاطها في حدود الحريات وحقوق الإنسان. ورغم أهمية هذه القضايا، لكنها تبتعد كثيراً عن “الوضع المباشر” للأغلبية الشعبية، الذي كان يشير إلى “الأزمة المعيشية” كحاجة ماسّة، وواقع يفرض تصاعد الاحتقان. لقد غدت أغلبية غير قادرة على العيش أصلاً، وهذا ما كان يزيد في الاحتقان لديها، ويدفعها لأن تكسر حالة الخوف التي فرضتها النظم بطابعها البوليسي. لهذا لم تكن فاعلة في الثورات، حيث فوجئت، وارتبكت لأنها كانت تضع إستراتيجية “الانتقال إلى الديمقراطية” وليس إلى الثورة. وفي هذا المسار فقدت “القاعدة الاجتماعية” وانحصرت في فئات كانت تميل إلى الكهولة دون شباب يرفدها، حيث كانت أزمة الشباب هي تلك الأزمة المجتمعية التي تتعلق بالعيش.


بهذا يظل السؤال هو: هل تنتج الثورات ذاتها البديل الذي يعبّر عن المطالب التي تحملها؟ أي هل تستطيع الشعوب التي ثارت، وخلال حراكها الثوري، أن تبلور البديل الذي يحقق مطالبها، والرؤية التي تسمح بانتصار الثورات حقيقة؟


هذا هو التحدي، الذي يرتبط به الزمن الثوري، زمن الثورة. وهذا يعني أننا ننطلق من أن الأمر لا يتعلق لا بربيع ولا بخريف، بل بثورة بدأت ولن تتوقف قبل أن تحقق مطالب الشعب، فقد كسر حالة الخوف ولم يعد يمتلك ترف التراجع أو السكون، بل بات يمتلك جرأة الاستمرار إلى أن ينتصر.