جماليات الإبداع عند صلاح جاهين .. للدكتور حسن يوسف طه

30/08/2015 - 3:12:55

جماليات الإبداع عند صلاح جاهين  .. للدكتور حسن يوسف طه جماليات الإبداع عند صلاح جاهين .. للدكتور حسن يوسف طه

أحمد شامخ

هذا هو عنوان كتاب الهلال الشهري الذي سيصدر 5/4/2015 عن الشاعر والفنان الراحل صلاح جاهين وإنجازاته في الشعر العامي والفصيح، حيث الرباعيات و “الليلة الكبيرة” ورسومه الكاريكاتيرية التي كنا نتطلع إليها في جريدة الأهرام لتضفي على الأحداث بلورة سحرية مكثفة من الفهم والتدقيق والرمز لحياتنا السياسية والاجتماعية آنذاك، كلها تضافرت معا لتضفي على حياتنا دهشة الاكتشاف الموصولة بالبهجة و المتعة والراحة آنذاك لتظل مستمرة إلى هذه اللحظة و ما بعدها فيما أعتقد، و هذا ما يميز عظام المبدعين.


فإعجابنا بعبقرية جاهين و إبداعاته لم تقتصر على منجزاته من الشعر و الفن، ولم تقتصر على ما فتحه أمامنا بما فتح الله عليه من آفاق فنية فلسفية لامتناهية، بل امتد بآثاره لا بالأعمال الفنية العظيمة التي أبدعها فحسب بل بما تركه من آثار عميقة في اللغة وما حفلت به أعماله وتعليقاته من صور نقدية و أدبية نادرة المثال، فضلا عما كشفته لنا أعماله الفنية من حصافة في فهم أسرار السلوك البشري والاجتماعي في مرحلة حرجة من التاريخ. لقد أضافت رؤاه و لغته الشاعرية وحساسيته المفرطة في فهم الكون والحياة الكثير بمقاييس التذوق الفني والأصالة والوعي بالحياة الإنسانية بحيث لم يعد و لن يعد بإمكان عقلنا و تفكيرنا ووعينا معرفة ما دار وما يدور الآن إلا بمثل هذه النظرة الواعية لدي جاهين وأمثاله من المبدعين . كانت لديه مهارة خارقة حيث إنه كان يقدرمن خلال بضع كلمات قصيرة ومختزلة من العامية والفصحي أن يفتح آفاقا من المعاني والفكر لم تكن موجودة من قبله مما جعل اللغة العربية برباعية واحدة من رباعياته قادرة أن تثري و أن تظل أثرى مما كانت عليه قبل أن يظهر جاهين مسجلا بكتاباته ورسومه مشاعره عن الحياة والفن والسياسة.


لقد استطاع حسن يوسف أن يوظف عمقه الفلسفي ليتناول هذه الشخصية بما يليق بها من تحليل و إدراك فلسفي نادرا ما نجده بين كتاب السير الشخصية و نقاد الفن في مصر. فمن أجل القفز على منكبي أحد المشاهير بأمل أن يشتهر الكاتب من شهرة هذا أو ذاك، تراجعت قيمة التحليل المتعمق لفن السيرة و أعمال الإبداع و تركت للتسطيح و التركيز على جوانب هامشية و مبتسرة من حياة المبدعين. و هذا ما تجنبه الدكتور حسن يوسف بحق. “جماليات الإبداع عند صلاح جاهين،” للدكتور حسن يوسف تجعلك تتذكر ما يعلمنا إياه علم النفس الحديث في دراسته للتذوق الفني. فمن علم النفس و من التجارب التي أجريت بهدف دراسة عمليات التذوق الفني تعلمنا أن التذوق عملية إبداع لاتقل أهمية عمن يكتب عنه من المبدعين.


فتذوق فنان عظيم يحتاج بالمثل لمتذوق له نفس التكوين و نفس عناصر الإبداع التي تتوجه لها الأنظار بفضل ما يقوم به الناقد المتذوق لأصحاب الخلق والإبداع..


كتاب الدكتور حسن يوسف يعتبر بهذا المعني إعادة قراءة و إعادة منظور من التذوق لحياة صلاح جاهين، و ما كان لأحد أن يتفهم حقيقة هذه الشخصية و قدراتها و ما اتسمت به من مهارة إلا شخص له مثل هذا الاستعداد تذوقا و فكرا وإبداعا، وأن يحس بجماليات “الليلة الكبيرة” و أن يراها بعيدا عن كونها ليلة من ليالي المولد -أي مولد-  وأن يدركها لا كتصوير تسجيلي توثيقي لليلة عشوائية في منطقة شعبية مكثفة في زحامها و زخمها بهذا المعني، كيف لأحد أن يراها بعيني جاهين أي -كما أرادها جاهين.


لعل الدكتور حسن يوسف بهذا التناول المتعدد المحاور يتحفنا بين الحين والآخر بتحليلات مماثلة و إعادة قراءة لسير عظمائنا و عباقرتنا من نفس هذا المنطلق. فإننا نود أن نعرف عنهم ما نعرف الآن عن جاهين بنفس الميزان الذي بذله في هذه الدراسة.