تأملات نفسية

27/08/2015 - 11:02:18

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوى

عندما نذهب ليلتقط لنا المصور صورة نضعها فى إطار نزين بها أيامنا وجدراننا ، أو نضعها بجوارنا على منضدة صغيرة تصاحب فراشنا ، هل تتظر إلى هذه الصورة جيداً ؟ هل يمكننا أن نستشف منها ما سيصير عيه مستقبلنا ؟ هل نضمن بقاء البهجة التى تنطق بها ملامحنا فى الصورة ؟ صورة تحمل رجلاً وامرأة ، رجل ارتدى حلته السوداء واعتنى جداً بمظهره ، تطل الفرحة من عينيه وتكاد ملامحه كلها ترقص ، بجواره فتاه جميلة يلفها الثوب الأبيض وترى روحها أشد نقاء من لون الثوب ، باقات زهور بالصورة تكاد تشم عطرها ، هل نتصور أن يأتى يوم ونستل به سكيناً نذبح بها الصورة ؟ ليصبح كل من الفارس والأميرة وحيداً بعدما كان فى حضن اهتمام شريكه ؟ لماذا نمزق الأوراق ؟ لماذا نهشم رأس القصيدة ليصبح البيت شطرين ، والشطر مجرد كلمات مبعثرة كانت فى الماضى لتصبح لحناً ؟ لماذا لم يفكر أحد ممن تم طلاقهم أن يذهب للمصور مع شريكه - الذى كان - ليلتقط صورة تجمعه بهذا الشريك ، ثم يضع صورة الزفاف بجانب تلك الصورة البائسة ليعرف الفرق ؟!


***


قول يتردد ولا يعجبنى " فاقد الشيئ لا يعطيه " هكذا تحكمون على النفوس ؟ وقد يرجع فولهم غلى أن فاقد الشيئ لا يشععر بهذا الشيئ اصلاً ولا باهميته لأنه لم يتعايش معه ولم يذق حلاوته ، وعليه فهو لا يمتلك القدرة على إعطاء ما حرم نعمة الشعور به ، والبعض يبالغ عندما يرجع رايه إلى أن فاقد الشيئ محروم ، والمحروم قد يعانى حالة نقص مزمنة ، لذلك فهو يمتنع تماماً عن إعطاء ما حرمته الحياة منه ، وبذلك يتهمون المحروم بالغيرة ، بالحقد على من يمتلك شيئاً ينقصه هو ، لذلك فهو لا يتورع عن حرمان غيلاه من شيئ لم يستطع الوصول إليه ، مهما كانت آراؤهم ، وأياً كانت مبرراتهم فأنا أقف بشدة مع فاقد الشئ ، لأنه ببساطة إنسان محروم ، والحرمان من أقسى الأشياء التى يمكن أن تعانيها النفس البشرية ، وتؤثر كثيراً فى ردود أفعالها تجاه الحياة وتجاه الآخرين .


فاقد الشئ فى رؤيتى ، غما فعلاً لا يعطى هذا الشئ ، وإما يعطيه بغزارة ، عندما لا يعطى هذا الشئ فسيكون السبب إما لجهله بأهميته وإما لنقص مقدرته على العطاء فى شئ لم يجربه من قبل ، لكنه إذا أعطاه فهو يعطيه بغزارة ، وراقبوا أى فاقد شئ يعطى وستتأكدون أنه يعطى بشكل مبالغ فيه وبغزارة واضحة ، لماذا ؟!


لأنه جرب الفقد ، فإذا كانت روحه شفافة ونفسه عاليه عزعليه أن يعانى غيرة ما عاناه هو ، إنه فى هذه الحالة ينتقم من لحظات الحرمان فى لحظات رضا يراها فى عيون الاخرين ، وإلا اشرحوا لى لماذا تصر فتاه صغيرة تهوى الادب والشعر أن تلتحق بكلية الطب وتغير مسارها تماماً وتتخصص فى فرع معين ؟! لأن والدها عانى وذهب صريع هذا المرض الذى تسعى هى للتخصص فيه انتقاماً لوالدها من المرض ونجدة لمن يعيشون ظروفها خوفاً من فقد حبيب لديهم ، لماذا يتحمل هذا الرجل عجرفة زوجته ومضايقتها المستمرة له ويتجنبها والكل يقف مندهشاً من تحمله ؟ لأنه عانى اليتم وذاق الذل مع زوج’ أبيه ، ولا يريد لأبنائه نفس المصير ؟ لماذا تفنى هذه المرأة نفسها وشبابها فى صفقات تلو صفقات ولا تهدأ ولا تشبع ؟ يصفها من حولها بالجشع حيث لا تكتفى من جمع الروة ، هل تفعل ذلك لأنها عانت الفقر وذاقت ذله ؟ وعندما أصبحت أرملة خافت أن تذهب هى الاخرى لتترك الصغار بلا سند ؟


أمثلة كثيرة تؤكد أن الحرمان غول يحاول الإنسان محاربته ، ولكل منا سلاحه فى هذه المعركة ، والنفاذ لنفسية إنسان حرمته الحياة نعمة جادت بها عليك ، هى مسألة صعبة ومحفوفة بالمخاطر ، فقبل أن نتهم الآخرين الذين عانو الفقد ونقول عنهم ، "فاقد الشئ لا يعطيه " لنسأل أنفسنا أولاً هل أعطينا مما جاد به الله علينا من نعم ؟!