الرواية لا تكتب التاريخ

27/08/2015 - 6:26:36

صوره أرشيفيه صوره أرشيفيه

سعيدة تاقى - كاتبة مغربية

قبل البداية:


قد تبدو جملةُ "الرواية لا تكتُب التاريخ" جملةً مراوِغةً بعض الشيء، من منطلق الوعي  النقدي بأن التاريخَ روايةٌ كبرى تستضمر مَرويات عديدة ومتفاوتة من حيث القوة التأريخية والسلطة التشييدية والسطوة الاجتماعية. لكن واقع الكتابة الروائية ينضح بالكثير من الزوايا التي تتيح للمقاربة النقدية أن تتعدَّد وتتشابك وقد تتعارض، وهي تتأمل ذلك اللقاء الُمحْـتَمل بين الرواية بوصفها جنساً أدبيا مميَّزاً وبين التاريخ بوصفه السجل المدوَّن لماضي الشعوب والمُـثـبَت وفق الرواية الرسمية التي لا تكاد تبتعد في السجلات المكتوبة باللغة العربية عن ظلال المؤسسات الحاكمة الحزبية أو الوطنية أو القومية.


    لننطلق من البداية المفترضة لكل لقاء بين غريبين أو غريمين، ماذا يعني أن تلتقي الرواية بالتاريخ داخل رقعتها الأدبية المكتوبة نصياً بإبداع؟


    قد يحمل السؤال منذ صياغته تشكيكاً صريحا في دلالات التحقُّق، لكن المُضمر في المقال يتجاوز إمكان البحث في المتحقِّق روائيا من لقاءات مفترضة للرواية بالتاريخ على جسد متون عديدة تداولها النقد بالقراءة والنظر والتحليل، قصد أن يتطلَّع إلى احتمال الـتأمل في المُمكن روائيا وتاريخياً وتأريخا ونقدا.


1 ـ "الرواية التاريخية" من التحديد إلى الاحتمال


    مسالك الاختلاف: يذهب بعض النقاد والمنشغلون بقضايا التأسيس والتأصيل العربيين إلى أن مسمّى "الرواية التاريخية" واقع متحقٌّق في الأدب العربي منذ جرجي زيدان وسجلاته الحكائية، مرورا بنجيب محفوظ في رواياته الثلاث "عبث الأقدار" و"رادوبيس" و"كفاح طيبة"، وصولا إلى أمـيـن معـلوف في "ليـون الإفريقي" وجمال الغـيـطاني في "الـزيني بـركات" وبنسالم حميش في "مجنون الحكم" و"العلّامة"، وواسيني الأعرج في "كتاب الأمير أبواب مسالك الحـديد" وغيرها من روايـات. ومن ثم فقد اقـتـحم الجـنـسُ الـروائي منذ بدايـاتـه العربية التاريخَ وأسفاره، واستمد حبكاته السردية من مدَّخرات التاريخ الحكائية والمَروية والمسجَّلة والموثقة.


    بعيدا عن هذا المنظور، يؤمن القارئ المنغمس في قضايا الحاضر، ذلك القارئ الذي يغـصّ قـلبه بكل ما تتبارى نشـرات الأخـبار، هنا وهـناك، في نشـره وتـداوله أو صنعـه أو ترسيخه، بأن الانصراف عن اللحظة الراهنة في الكتابة الروائية إلى أسفار الماضي وأروقة متاحفه الفخمة هو هروب يستجدي فيه المبدع سجلات التاريخ، كي يداري عجزه عن مواجهة الشائك من قـضايـا الراهـن التي تستـدعي ـ منذ البدء وقبل الخـوض فيها ـ امتـلاكَ وضـوح الـرؤيـة، والـقدرة على تحديد المسافة البينة بين الإبداع الروائي الأدبي والتقرير الصحفي. بيد أنّ الـرواية بوصفـها جـنـساً أدبـياً منـفـتحاً على استـيـعاب كل الأجـنـاس والخـطابات والأنساق، تمتلك القدرة على أن تستلهم دروس التاريخ مثلما تستلهم الحياة اليومية المعيشة بأبعادها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية وتستوحي من الحكاية الشعبية والموروث الثقافي والفنون وكل المدونات الحضارية المتنوعة  المكتوبة والشفهية.


    لكن لماذا قد يستهوي الكتابةَ الروائية في أصلها الإبداعي أفقُ التاريخ فتعدَّه منهلاً للاستمداد أو للاستلهام؟


  من الرواية إلى التاريخ:


    لنتفق أنّ فعل الكتابة الروائية وإنجاز التَّـسريد الذي تعتمده الرواية نصياً، لا يُشرِفُ على الوجود الإبداعي انطلاقاً من محـسوس سابقِ الوجود أو لاحق في المحاكاة، بل إن التأليف الروائي يشيِّدُ تسريدَه على معنى مبهَم كامـن يبحـث لماهيته عن نصٍّ كي يوجَد في حيِّزه. ومن تمَّ فما تشخِّصه الرواية في نصها الأدبي عبر "الحبكة التسريدية" و"المادة الحكائـيـة" لا يمكن لغـير ذلك الاحتـمال الأدبـي استيعابَـه أو امتلاكَـه. ولا يمكن للـرواية أن تكـون روايـةً وفق الهـويـة الأجـناسـية التي انفـردت بها وهي تتميَّز بخـواصها الأدبـيـة والسردية والرؤيوية عن باقي الأجناس الأدبية وغير الأدبية، بغير تلك الهوية المُـمـيَّـزة والمُـمَـيِّزة.


    يقتضي هذا الاستنتاج أن النهل من أيّ معين مهما كانت ماهيته، لا يخلق في كل المستويات الإبداعية غير نسق تخييلي موسوم بكل الخواص التسريدية التي تحدِّد هوية النص ضمن جنس "الرواية".


    لعل في ذلك ما يجعل الشـغـوفين بالرواية وبمنجـزها الإبـداعي المنفـلت عن كل تقييد أو تحـديد أو تـقـنين يـرون أن روايـات عبد الرحمـن منـيف وحـنـا مـينه وإيمـيـل حبـيبي وسـحـر خلـيفة وبـهاء طاهر وحـلـيـم بركـات وعـبد الله العـروي وغـيـرهم بالإضـافـة إلى روايـات أخـرى لمحـفـوظ والغيطاني وحميش والأعرج ومعلوف تقدّم تأريخاً لواقع المجتمعات المعاصرة لا تلجأ فيه الرواية إلى التسجيل والتوثيق والتدويـن، وإنما تتخذ من فعل التخيـيل المتـحرِّر من كل إلـزام موضوعـاتي أو حكـائي مسبق أو جـاهز، مـوطنا جـديدا يرسم لـحاضر الحـياة الاجتماعية والفكرية والسياسية تاريخاً حيّـاً، يعاين عبره كيف يمكن للحـكي عن الحاضر أن يغدو تدويناً لتـاريخ المجتمع ولحيواته، مثلما كان أونوري دو بلزاك ورواياته عينا على حقبة من تاريخ فرنسا بدل أن يكونا تمثيلا  للواقعية الفرنسية وحسب.


ـ من التاريخ إلى الرواية:


    يفضي اللقاء المُحتَمل بين الرواية والتاريخ إلى منعطف ثان، يجب إدراك مناحيه العامة قبل الاسترسال في تشييد الميـثاق النقدي الذي تنفتح عليه تلك الرواية المميَّزة. إن المادة التاريخية حين تنسكب فوق فضاء النص الروائي بموفور نسقها، تقف في الجوهر بين باطن التاريخ وظاهر الرواية أو بين ظاهر التاريخ وباطن الرواية. إن العارض حين ذاك مجرّد تعلة تخييلية يُمليها الاختيارُ الإبداعي بوحي مُحْكَمٍ يرى في الحقيقة التاريخية مادةً صالحة لأن يعاد تشكيلها فنيّاً بصياغات وحبكات وتوليفات لا حد لاحتمالاتها.


    إن المادة التاريخية قد تحفظ للتاريخ ولاءها وهي تستجير بالرواية من جهة أولى، وقد تُرائي الرواية ولا تذكر التاريخ إلا قليلاً. لكن في العمق يجب أن يكمن مبدعٌ خلَّاق يرى في أدواته الروائية ما يسدُّ ظمأ الإبداع ويسدِّد دروب الحرية، وينزاح عن مزالق الاستنساخ ويفيض على احتمالات الإدهاش.


    إن الرواية حين تعانِق التاريخ بلهفة وشغف لا تتوخى في نوايا الإبداع الخلَّاق اقتناصَ متعة يسيرة، أو خيانة الأدب بسبْـق نسْغ حكائي وترصُّد خطاب تسريدي. لأن الرواية في التـفـاتها إلى السـجل التـاريخي إنما تستعير بعض مياه التاريخ لتروي ظمأ الحاضر المُبهَم بما فاض عن الماضي الجليّ. ولأن المادة التاريخية وهي ترتدي رداء التخـيـيل، لا تُصالِح غير صفـاء الأدب الذي لا تُحـبَـك أنسجـتُه بعـيدا عن التخييل والتجريب والخلْق، أو يفتَرض فيها ذلك بالنظر إلى جيد الأدب ورديئه كذلك.


    في ضوء ذلك يبدو تحديد الرواية التي تحتفي بالمادة التاريخية وفق المرامي النقدية التصنيفية بـ"الرواية التاريخية"، انقياداً مستسلماً إلى المنطق البنـيـوي المُغلَق الذي يأخذ الكل الإبداعي النصي بـ"جريرة" الجزء التكويني. وبناء على التصنيف الجاهز يغيِّبُ المنظور النقدي التحليلي احتمالات انفتاح تلك الرواية على تعددية الأنـساق الثقافية، أثناء التفاتها إلى ما دوَّنـه التاريخُ في سجلاتِهً، ويُضعِف القدرة على استيعاب ما يشيِّده العالم الروائي الذي تحتضنه تلك الرواية من جِدّة وخلْـق وإبداع.


2 ـ الرواية والتاريخ غير المروي:


"الروايةُ الوحيدة" للتاريخِ "المتعـدِّد"


    إن الرواية المبدِعة عن وعي احترافي لا تكتبُ التاريخ في مستوى الاستمداد، بل تستعير حقائـقه من منطلقاتها الإبداعية، وترمِّم أجزاءه السائدة التي تداولت الصيغُ الرسمية (للمؤسسات الحاكمة الحزبية أو الوطنية أو القومية) إقراَرَها تثـبيـتاً للرواية الوحيدة للـتـاريخ وفق ما يراه المـؤرخ الـرسمي ومصالح الجهة التي أوكلـته فعل التدوين ومداد التأريخ وسجل الأمجاد وأساطير الحاكمين ورقاب المحكومين.


    الرواية لا تكتب التاريخ في ذلك المستوى، بل إنها تحرٍّر الـماضي من الرؤية الأحـاديـة وتقاوم استبداد المنتصر بحق التخليد وهو يشيِّد أمجادَه على أنقاض إنجازات الذين انحسر زمنهم أو ضاع حقهم في امتلاك القوة أو الصوت أو النُّصرة. الرواية تواجه الحقيقة المثبتة في السجلات الرسمية باحتمالات روايات أخرى لم تمتلك القوة التأريخية والسلطة التشييدية والسطوة الاجتماعية، لما لَحـقَـها من إقصاء أو تحريف أو نـبذ أو تبديد.


    بناء على ذلك لا تكتب الرواية ـ بوصفها جنساً أدبياً ـ التاريخَ وهي تلاحق بأجنحتها المحـلِّقـة في سـماء الإبـداع المـتحرٍّرة من كل قيود أرضية مـوالية لهذه الصـيغة الرسـمية أو لتلك، بل إنها تبحث في الأفق غير المُدرَك عن الصيغ البائدة وأجزائها التي سعت الصيغ الرسمـية إلى طمسها، وتفنَّـنت المـؤسـسات التي تـواترت على السـيادة والتـأريـخ والتخليد في تبديد معالمها.


الروائي والمؤرِّخ:


    الروائي ليس مؤرِّخا لكونه يكتب "رواية تاريخية" وفق التحديد البنيوي الذي نقضت الفقراتُ السابقة منظورَه الضيق. ولا يصح للروائي أن يتحوّل إلى مؤرِّخ إن كان ينـوي كتابة "الرواية التاريخية"، لأن الكتابة الروائية إبداع متحرِّر من مراسيم التقييد والتوثيق، مُنعتِق من سطوة الوصاية والانتماء، مُنفلِت عن صورة المرآة الوحيدة التي تسلِّطها سطوة الصيغة المنتصرة تاريخياً.


    إن الرواية ـ بوصفها جنسا أدبياً ـ حين تخوض في أروقة التـاريخ وسجلاتـه المعـتمة تستضيء بوهـج الإبـداع وبصيرة الخَـلْـق، فتحوِّل الأرقام العديدة التي سطَّرها المؤرخ للضحايا وأحصاها للمنهزمين وأعلنها عن المستضعفين غُفلاً من قيد الأسماء وثقل الأجساد وسمو الأرواح، إلى ذواتٍ من لحم ودم وروح واسم. تتحـوَّل أعدادُ ضحايا الحروب والكوارث والأوبئة والصراعات والانـقـلابـات والــهـجـرات والانتفاضات الشعـبية والاضطهادات في الرواية ـ بوصفها جنساً أدبياً إبداعياً ـ إلى كينونات إنسانية، تحكي بصوتها ما عاشته وتعيشه وستعيشه خارج وصاية الصيغة الرسمية للتاريخ المروي. وتتيح الرواية لـ"الأبطال" أن يرتدوا أزياء أكثر إنسانية بعيدا عن الأساطير التي يثـبِّـتها التاريخ المروي أحيانا، فيشفّ الضعف وتهوي القوة ويخطئ القائد ويُصيب الكسير. الرواية حينها لا تكتب التاريخ الأحادي في منظوره الرسمي، إنها تصنع له صيغه الإنسانية المتعددة وفق ما تحتمله مرايا الحياة غير المحدودة.


على سبيل الختم:


    قد تكون جملةُ "الرواية لا تكتُب التاريخ" في المنتهى جملةً غير مراوِغةً، لأن مُحتَمَل الكـتابـة الروائـية مُفارِق لمتحقِّـق الكـتابة التأريخية، ولأن أزياء الرواية المتعددة والمبهرة والخلَّاقة لا تقبلُ الاستكانة لقِمَاط التاريخ المشدود بصيغه الرسمية.


    التاريخ المروي ليس انشغال الرواية المبدعة بسبْـق نسْغ حكائي وترصُّد خطاب تسـريدي. الـروايـة تنشغـل بأنـسـاق لم يـروها التـاريخ الرسـمي، فيها المُـضمر والمَـنـسي والمقـصي والمُلتــبِس والمحرَّف والمنبوذ والمبدَّد، وفيها الحاضر الذي يعاش "الآن" وستؤرٍّخه السجلاتُ والأسفار لاحقاً.


  الرواية المُبدِعة لا تكتُب التاريخَ.. إنها تُحْـدِثُـه.