العقاد ينتصر للديمقراطية ويتنبأ بنهاية أسطورة هتلر

26/08/2015 - 3:27:10

العقاد العقاد

د. سعيد إسماعيل علي - أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس

عندما كانت الحرب العالمية الثانية تستعر معاركها فى أنحاء كثيرة من العالم، كانت مصر، مثل كثير من البلدان العربية، تعيش تحت وطأة الاحتلال، سواء الفرنسى مثل دول المغرب العربى، وسوريا ولبنان، أو الإنجليزى، مثل مصر والسودان والعراق وفلسطين.


  وعلى أبواب مصر الغربية كانت المعارك حامية بين دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) وبين دول التحالف الغربى، وكان قائد القوات الألمانية هو الجنرال الألمانى الشهير ”روميل” الذى بدأت قواته تدق أبواب حدود مصر.


   داخل مصر نفسها، كان هناك موقفان: فريق تصور أن الألمان إذا انتصروا فسوف يخلصون المصريين من الاحتلال البريطانى، ومن هنا كانت الفرحة تعم هؤلاء كلما جاءت الأنباء بانتصارات متوالية للألمان، حتى لقد سارت مظاهرات حاشدة فى بعض أنحاء مصر تهتف: إلى الأمام يا روميل! بل كان الملك فاروق نفسه، الذى تمرغت هيببته أمام الدبابات الإنجليزية، حيث صاحبت اقتحام اللورد كيلرن ـ المعتمد البريطانى ـ آمرا فاروق بتغيير وزارى يريدونه هم بزعامة النحاس ”باشا"، حتى يضمنوا مؤازرة شعبية مصرية، وكان حزب الوفد، حتى ذلك الوقت هو الحزب الشعبى الذى يحظى بأوسع تأييد من جموع المصريين، منذ ثورة 1919، وزعيمه الأول سعد زغلول.


    وكان من المشايعين للمعسكر الألمانى أيضا: مفتى فلسطين الشيخ أمين الحسينى، ورشيد عالي الكيلاني من العراق، ومصطفى الوكيل رفيق أحمد حسين فى مصر مؤسسا مصر الفتاة، وكذلك القائد المصرى الشهير عزيز المصرى، والذى تعاون معه أنور السادات، وآخرون من الضباط المصريين، حيث حاولوا الهرب بطائرة إلى معسكر روميل، ومن سوء الحظ أن سقطت الطائرة وضُبط من فيها، وطُرد السادات بسبب ذلك من الجيش فترة مؤقتة.


    لكن فريقا آخر رأى أن الاستعمار هو الاستعمار، مهما تغيرت أقنعته بين الدول القائمة به، والإغراءات التى كانت ألمانيا النازية تلوح بها للمصريين والعرب عموما إنما كانت فقط للمساعدة فى هزيمة قوى التحالف الغربى، حتى إذا تم لهم ما أرادوا، أسفروا عن وجوههم الاستعمارية البغيضة، وكانت الإذاعة الألمانية باللغة العربية التى كان يديرها "يونس بحرى" تروج لهذه الأمانى والأحلام.


   وكان المفروض أن يعى العرب الدرس المرير الذى تلقوه أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما منّاهم المعكسر الغربى بالاستقلال إذا وقفوا معه ضد الدولة العثمانية التى كانت تحكمهم، حتى إذا انتهت الحرب، وانتصر الغرب فعلا، وقعت العراق، وفلسطين وسوريا ولبنان فى براثن الاحتلالين: الإنجليزى، والفرنسى، بل ظهر الاستيطان الصهيونى الذى فاق كل صور الاستعمار السابقة واللاحقة!!


   ومن هذا الفريق الذى أدرك هذه الحقيقة منذ وقت مبكر، كان عملاق الفكر العربى، عباس محمود العقاد، الذى عرف تاريخه كله بأنه مناصر للديمقراطية، ولا غرابة فى ذلك، ففى أواخر العشرينيات من القرن الماضى وقف فى  البرلمان المصرى ليؤكد استعداده لمناهضة أية قوة غير ديمقراطية حتى ولو كانت أكبر رأس فى البلاد، مما أدى به إلى السجن عدة شهور، بتهمة العيب فى الذات الملكية، إذ من يكون صاحب "أكبر رأس" فى مصر إلا الملك فؤاد فى ذلك الوقت؟


   وفضلا عن ذلك، فإن التكوين الشخصى للعقاد ساعده على ذلك، فهو نموذج فريد للعصامية، فهذا العملاق الضخم الذى انفرد بمكانة ملحوظة فى الفكر العربى المعاصر، لم يدرس أكثر من مستوى المدرسة الابتدائية، ومع ذلك تزود بالتعلم الذاتى بثقافة قلّ من ماثله فى استيعاب حجمها ونوعيتها، فكان بذلك معتزا بذاته بشكل غير عادى، ومثل هذا النمط لا بد أن يعتز بحرية الرأى، ليظل هو نفسه مرفوع الرأس.


   ومن المؤشرات الدالة على هذا أيضا هو منهجه ”النفسى” فى الكتابة عن الشخصيات العظمى التى تركت بصماتها على مسيرة التاريخ، وفى المقدمة منها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب (عبقرية محمد)، وسار على هذا النهج عندما كتب عن أبى بكر، وعمر، والحسين، وغيرهم من أئمة الإسلام.


    وفى الوقت الذى كانت قوات المحور بقيادة روميل تتقدم إلى مصر من الغرب، مما أوهم كثيرين بانتصار الألمان وهزيمة الإنجليز، وبدأ كثيرون يهاجرون لا من الإسكندرية وحدها، وإنما من القاهرة كذلك إلى جنوب مصر، بل والسودان، خاصة ممن كانوا لا يؤازرون الألمان، إذا بالعقاد يؤلف كتابا غريبا عنوانه "هتلر فى الميزان"، شدد فيه النكير على النظم الدكتاتورية، وفى مقدمتها كل من إيطاليا الفاشية، وحليفتها ألمانيا النازية، مؤكدا أنه مهما تكن الأحوال التى كانت حاضرة تُظهر انتصارات متتالية للألمان، إلا أن النصر فى النهاية لابد أن يكون للديمقراطية، فينقلب الحال فى المعارك الحربية ويخفق الألمان.


   وكان من الطبيعى أن يطير أمر العقاد وموقفه وكتابه إلى الألمان، فيصنفوه فى معسكر الأعداء، فتوعدته الإذاعة الألمانية العربية، فما كان من العقاد إلا أن حزم أمره على ضرورة ترك القاهرة، والهجرة إلى الجنوب.


    وفى عدد مجلة روزاليوسف (19 يناير 1976) مقال مهم للناقد الأدبى عباس الأسوانى، والد الأديب الحالى علاء الأسوانى عن موقف العقاد هذا وكتابه، حيث إن البعض مع الأسف الشديد أرجف بأن العقاد ما كتبه إلا تلبية لطلب من الإنجليز فى مصر.


    فقد كان العقاد قد كتب فى جريدة الدستور القديمة فى أغسطس 1939، ونذر الحرب العالمية الثانية بدأت تلوح فى الأفق، أكد فيه أن المصريين منذ عام 1935 وهم ينادون باستقلال مصر بالدفاع عن نفسها، حيث كان الإنجليز يبررون وجود قواتهم بأنها من أجل الدفاع عن مصر، رغم حصولها رسميا على الاستقلال عام 1922، ومن هنا كان يحمل على وزارة توفيق نسيم، وكذلك مصطفى النحاس، ويقترح تكوين جيش مصرى قوامه مائة ألف، ومن الممكن ساعتها عقد تحالف مع الإنجليز، يحدد المصريون بأنفسهم مداه وسبله.


   فلما نشبت الحرب العالمية الثانية، وكلما بدت انتصارات دول المحور، كان العقاد يبرهن على أنه متأكد أن النصر فى النهاية لا بد أن يكون للمعسكر المعادى للنازية والفاشية، وهو ما رأيناه فى مقال له نشرته مجلة آخر ساعة، العدد 526، نوفمبر 1944، فيما أورد عباس الأسوانى.


    لكن رأى العقاد بعيد النظر هذا لم يلق قبولا واسعا لدى كثيرين، الذين دفعتهم الكراهية للإنجليز بحكم احتلالهم مصر إلى الارتياح عندما يرون قوة أخرى تمرمغ أنوفهم فى تراب الهزيمة، وفقا للمقولة الشهيرة: عدو عدوى: صديقى!!


   وقد كان العقاد بعيد النظر فى التشاؤم من احتمال انتصار الألمان، لوعيه العميق بالنزعة العنصرية والفاشية التى حملها كل من نظام موسيلينى الفاشى فى إيطاليا، ونظام هتلر النازى فى ألمانيا، فمثل هذه النظم يستحيل أن تسلك مسلكا ديمقراطيا، وإن لوحت به للشعوب المحتلة، فما كان ذلك إلا ما يفعله الصياد الذى يقذف بما تشتهى الضحية، حتى يسهل صيدها.


   ولا شك أن الإنجليز قد سعدوا بما كتبه العقاد فى كتابه "هتلر فى الميزان" مهاجما الزعيم النازى، وعموم النازية، منتصرا لمعسكر الديمقراطية، وعملوا على ترويج الكتاب، لكن العقاد هو الذى تكفل بطباعة الكتاب على نفقته الخاصة، وهو ما نقله عباس الأسوانى عن مقال للعقاد فى العدد 526 من مجلة آخر ساعة عام 1944، حيث جاء فيه:


   "طبعت على نفقتى كتابا كبير التكاليف، هو كتاب "هتلر فى الميزان"، وأحدوثة هذا الكتاب هى الأحدوثة الظريفة التى أبسطها للقراء فى هذه المناسبة، لأنها لا تخلو من فكاهة وجد واعتبار، فما أن صدر الكتاب حتى تلقيت عشرات الكتب والزيارات ممن يتشفعون فى مصالحهم إلى بعض السفارات، وبالذات إلى السفارة الإنجليزية، فكانت دهشتهم البالغة تنم عن الشك، بل التكذيب حين أذكر لهم أننى لا أتصل بأحد قط فى سفارة أجنبية، وأننى أدافع عن الديمقراطية منذ نيف وثلاثين سنة لأننى مؤمن بها، لا لأن الآخرين مؤمنون بها..."


   وأكمل مؤكدا: "ليعلم الملأ كله حقيقة هذا الكتاب، كتاب هتلر فى الميزان، وهى حقيقة لا تخفى على من يطلبها ويبحث عنها على مدى خطوات، فقد طبعت هذا الكتاب واشتريت ورقه من مكتب السيد هوارى المشهور فى شارع المدابغ ـ بالقاهرة، ولم أطلب ورقة واحدة لطبعه من جهة من الجهات. ولما تم طبعه لم أطلب إلى أى جهة من الجهات شراء نسخة واحدة منه".


    ثم ذكر العقاد أن واحدا اتصل به طالبا شراء 300 نسخة من الكتاب، فتردد فى ذلك حيث إن مثل هذه الكمية تشير إلى نية توزيعها بالمجان، مما سوف يلحق الضرر بالمكتبات التى اشترت منه مئات النسخ، فاتصل به الضابط شوقى عبد الرحمن من وزارة الدفاع، مؤكدا أن الكمية المطلوبة سوف توزع بالخارج، ومن ثم لن تضار مكتبات الداخل المصرى، فوافق عندئذ العقاد على تسليمهم النسخ المطلوبة.


   وذكر العقاد أنه اضطر فى فترة إلى بعض مال، فباع كثيرا من النسخ الباقية لمكتبتين شهيرتين فى القاهرة، وهما المكتبة التجارية بشارع محمد على، ودار الكتب الأهلية بجوار دار الأوبرا الملكية، بسعر التكلفة.


    هذه هى حقيقة كتاب العقاد "هتلر فى الميزان" الذى روّج البعض أنه وضعه بإيعاز من الإنجليز، وهو الأمر غير الصحيح.