إذا رأى ميكروفونا.. عن النشاط السياسي لجونتر جراس

27/08/2015 - 7:50:24

جونتر جراس في اليمن جونتر جراس في اليمن

سمير جريس - كاتب ومترجم مصرى يعيش فى ألمانيا

باكتمال ثلاثية دانتسج عام 1963،ترسخت شهرةالكاتب الألماني جونترجراس (1927 ـ 2015) في ألمانياوخارجها،بالرغم أن عمره لم يكن تجاوزالخامسة والثلاثين آنذاك. كان هدف جراس بالثلاثية ("طبلالصفيح" و"قطوفأر" وسنواتالكلاب") أن يتناول موضوع النازية والذنب الألماني ، والتحرر من هذاا لموضوع بالكتابة ، ثم الالتفات إلى موضوعات أخرى. وهو ما فعله جراس في سنوات الستينيات حيث بدأ يتدخل تدخلا مباشرا في شؤون السياسة العامة في ألمانيا ، وراح يدلي بدلوه في كافة النقاشات المطروحة على الرأي العام.


وهنا كمقولة ساخرة أطلقها عليه زميله السويسري ماكسفريش ، وهي: "إذا رأى جونترجراس ميكروفونا ، فلابد من أن يصدر تصريحا!" وبالفعل ، كان الكاتب السياسي جراس هو الذي يشغل الرأي العام الألماني بدءا من الستينيات أكثر من الروائي والشاعر جراس. أصبح صاحب ثلاثية دانتسج عندئذ رمزا للمثقف اليساري الليبرالي الذي لا يكتفي بالكتابة ، بل يتدخل في شؤون السياسية ، ولا يتوقف عن مهاجمة كافة أشكال الفاشية والدكتاتورية.


ولم يقتصر جراس في نشاطه السياسي على الاشتراك في المناقشات السياسية أو كتابة المقالات ، بل تعداه إلى النشاط الحزبي ، فأعلن استعداده لكي يقوم بتحرير خطب في ليبرانتا لذي ربطته به صداقة كبيرة ، وهو ما أثار الحيرة والدهشة لدى بعض من زملائه الذين كانوا يرون أن دورالأديب يختلف عن ذلك. لم يكتف جراس بتحرير خطابات برانت ، بلخاض الحملات الانتخابية لصالح الحزب الاشتراكي الديمقراطي في عامي 1965 و1969، و كانت ثمرة تلك الحملات كتابه "منيومياتحلزون" (1972). في هذا الكتاب يحكي جراس لأطفاله الأربعة عن نشاطه السياسي وأسفاره خلال المعركة الانتخابية ، كما يعود إلى دانتسجو يحكي لهم عن ملاحقة اليهود خلال الحقبة النازية ، وكذلك عن مصيرهم في المدن التي زارها خلال الحملة الانتخابية. والصورة التي يستخدمها جراس في العنوان تمثلله التطور البشري الطبيعي ، أو التقدم الذي يتسم بالبطء والإصرار في الوق تنفسه. لكن جراس نفسه سيعود ليشكو من بطء  "الحلزون" في إحداث التغييرات المطلوبة في المجتمع بعد تولي فيليبرانت رئاسة الحكومة. وسيجهر جراس بهذا النقد بعد إعادة انتخاب برانتعام 1973. وسيكتب برانت في مذاكراته الأخيرة التي صدرت عام 1988،أنه لم يكن سعيدا بهذا التشبيه ، فالحلزون من السهل أن يُدهس بالأقدام ، كما أنه لا يستطيع القفز. أما في السياسة فإن النكسات والطفرات و القفزات جزءمن التطور  التاريخي.


رغم كل شيء ، كان برانت الأب الروحي للكاتب في حقبة الستينيات والسبعينيات. وإذا كان من المعروف أن جراس لم يطمح لمنصب سياسي في الحزب ، فإن الصحفي ميشائيليورجسي نقض في كتابه عن جراس هذا الرأي  ، ويؤكد أن ساسة الحزب فكروا بعد نجاح فيليبرانت عام 1969 في أن يعهدوا إلى جراس بأحد المناصب ، مثلا سفير الألمانيا في بولندا (حيثتقعدانتسجالآن)، إلا أنهم تخلوا سريعا عن الفكرة ،لأن صاحب "طبلا لصفيح" لم يكن أبدا طبالا ، بلمواطن ذورأي مستقل يتعارض في كثير من الأحيان مع الحزب ؛ مواطن لا يكف عن إلقاء الدروس السياسية إلى درجة أزعجت المستشار الجديد الذي قال ذات مرة ، والعهدة على يورجس، "ازيحوا هذا المتحذلق المتعالم من طريقي".


العامة يجربون الانتفاضة – فأين الشاعر؟


تعالج الأعمال الأدبية التي نشرها جراس في تلك الفترة – مثل مسرحية "العامة يجربون الانتفاضة" (1966) ورواية "تخديرموضعي" (1969) وقصة "منيومياتحلزون" (1972) – قضية مسؤولية المثقففي المجتمعو تبين كذلك نشاطها لسياسي.


بعد عدة محاولات مسرحية فاشلة يعود الروائي العالمي إلى خشبة المسرح ، ويتناول في مسرحيته " العامة يجربون الانتفاضة "، التي أطلق عليها "مأساة ألمانية "، موقف الشاعر والمسرحي برتولتبريشت من انتفاضةالعمال في برلين في 17 يونيو 1953. خلال الانتفاضة يكون بريشت – الذي عاش وعمل بعد الحرب في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) – منشغلا بإعداد مسرحية شكسبير "كريولانس" للعرض. يذهب الثوار في المسرحية إلى الشاعر ويسألونه أن يكتب لهم مانفيستو ، لكنه يخوض معهم نقاشا يستمر ساعات ، ويفقدون بذلك وقتا ثمينا يقضونه في الكلام، بدلا من الفعل. ويمتنع الشاعر عن تقديم يد العون إلى العمال ، معتبرا أن الفشل مصير انتفاضتهم لأنهم  "لم يحتلوا مبنى الإذاعة ولم يعلنوا الاضراب العام".


لم يكن اختيار مسرحية  "كريولانس" اختيارا بالمصادفة ، فالمسرحية تدور حول قائد عسكري من طبقة النبلاء الحاكمة يحتقر "العامة" ويعتبرهم غير مؤهلين للالتحاق بالجيش. وينتقد جراس الكاتب المسرحي الكبير بريشت ، بدون أن يسميه ، لأنه تجاهل الانتفاضة العمالية عام 1953 خلال إعداه مسرحية للعرض في برلين الشرقية ، رغم أنها تتناول موضوعا مشابها . ينتقد جراس الكاتب بريشت في مسرحيته  "العامة يجربون الانتفاضة" لأن الشاعر الثوري لم ينضم إلى الثوار ، بل بقي في برجه المسرحي يجري بروفات المسرحية الثورية ، متخذا من الثوار مادة مسرحية فحسب ، بينما ترك " العامة يجربون الانتفاضة "، متنبئا بفشل تلك الثورة التي لم يكن لها قائد. المسرحية كما – يقول الناقد مارسيلرايش- رانتسكي – تعالج موضوعات مهمة ، كالتناقض الواقع فيها لشاعر الذي يريد أن يغيرالعالم  بمسرحه ، لكنه يفشل في التواصل مع الثوار الذين يأتون إليه طالبين مساعدته ، بل يحاول أن يستغلهم في مسرحيته. هذا الشاعر الذي يصبو إلى الثورة ، ويتغني بالنضال ضد القمع ، لايستطيع خوض هذا النضال ؛أي أن المسرحية تدور حول العلاقة بين الأدب والحقيقة ، بين المسرح والحياة ، وبين المثقف والدكتاتورية وعلاقته بالسلطة من ناحية ، وبالشعب من ناحية أخرى. غير أن رانتسكي يعيب على جراس فشله في تحويل هذه الأفكار العظيمة إلى مسرحية ناجحة. ولذلك جاءت معالجته فاترة ، وعجز عن معالجة الموتيفات المطروحة معالجة درامية حيوية.


كان على الشاعر – يقول جراس – أن ينزل إلى الشارع ويختلط بالواقع القذر. وهذا بالتحديد ما أراد جراس أن يفعله .  ليسعلى المسرح، بل في الواقع. أراد جراس أن يتدخل في الحياة العامة ، وراح يدعو الألمان إلى الإقدام على المزيد من الديمقراطية ، وانتهاج سياسة  "الخطوات الصغيرة" التي تتيح التغيير البطيء إلى الأفضل كما كتب فيما بعدف ي "يوميا تحلزون".


في العام نفسه، 1965، حصل جراس على جائزة بوشنر ، وهيأ رقى الأوسمة الأدبية في ألمانيا ، فانتهز الفرصة لكي يعبر في كلمة الشكر التي ألقاها عن إحباطها لسياسي ، كما انتقد زملاءها لأدباء ، مثلها ينريشبُلو ألفريد أندرش ، لأنهم  ينأ ونبأ نفسه معن أو حالا لنشاط السياسي المباشر.


"تخدير موضعي" 


في أعقاب الثورة الطلابية التي تفجرت عام 1968 نشر جراس عملين تناولا موضوع الثورة و الإصلاح . العمل الأول كان مسرحية بعنوان " قبل ذلك" (1969)،أما الثاني فكان رواية نُشرت في العام نفسه بعنوان "تخدير موضعي" ، وتعتبر معالجة نثرية للمسرحية. كان رد فعل النقاد على العملين متشابه ، وهو أن جراس الآن لم يعد يصل إلى مستوى جراس صاحب ثلاثية دانتسج. وكان حكم ناقد شهير مثل رايش - رانتسكي معبرا عن خيبة أمل النقد الأدبي في جراس عندما قال إن سنوات الستينيات  " أضعفت "  صاحب " طبل الصفيح "، بل لقد "أصابته بالشلل". الطريف في الأمر أن الرواية كانت مصيرها الفشل في ألمانيا ، غير أنها استقبلت بنجاح كبير في الولايات المتحدة بعد ترجمتها ، وظلت لأسابيع في عام 1970 تتصدر قائمة أفضل المبيعات ، وهو ما يُظهر أن تلقي عمل ما قد يختلف باختلاف الزمان أو المكان.


وبطل رواية " تخدير موضوعي" هومعلم في الأربعينيات من عمره (أي في عمر جراس وقت ظهور الرواية ) اسمه إبرهاردشتاروش. هذا المعلم يعاني من آلام في الأسنان – ومن هنا عنوان الرواية – ويُكثر من استخدام المسكنات والتخدير الموضعي.


مثلت هذه الأعمال التي تهتم بالسياسة بشكل مباشر ("من يوميات حلزون") أو غير مباشر  ("تخدير موضعي" ) الذروة في حياة جراس ككاتب سياسي في ألمانيا. صحيح أنه ظل يتدخل في الحياة العامة ، وظل يشارك في بعض الحملات الانتخابية ، غير أن الفترة اللاحقة شهدت تراجعا كبيرا في دوره السياسي لصالح دوره الأدبي.


في سنوات الثمانينات خرج جراس من دائرة السياسة الحزبية نحو الشأن العام ، وشارك في مظاهرات تحتج على إعادة تسليح ألمانيا بالرؤوس النووية. وراح يلقي الخطب ، يحاضر ، ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون بلاده. كان له دائما رأي ، ورأيه كان مسموعا. كثيرون من أصدقائه ومنتقديه اعتبروا نشاطه السياسي مبالغا فيه ، ونصحوه بالعودة إلى مكتبه .  لكن جراس لايجد الكلمات: "نحن نحيا في عصر يمتلك قدرة تدميرية لاتكفي لمحو الجنس البشري وحده ، بل كلما يزحفو يطير أيضا ."  هذا الخطر الماثل يستدعي كتابة أخرى ، كلما تلم يجدها بعد. عندما كان يمسك بالقلم ، كانت تتراءى أمامه صور ، تدفعه إلى البحث عن الريشة. يبدأ في رسم مجموعة من اللوحات محورها الجرذان ، ومن هذه الرسومات يبدأ في التخطيط لروايته الجديدة بعد صمت أدبي دام أربع سنوات :  " الجرذة " (1986)، وفيها استلهم جو الصراع النووي ، وتخيل فناء العالم وخلوه من البشر. الجرذان تحكم العالم ، وتسعد بهواء نظيف وبحار وأنهار لاتلوثها نفايات الإنسان. إلا أن رد الفعل النقدي على  " الجرذة " دفعه إلى الانسحاب من الحياة الأدبية ، بل من ألمانيا كلها والسفر إلى الهند لستة أشهر ، بحثا عن الراحة من " الوطن المُتعِب ". إلا أن الهجوم النقدي الضار يتكرر ، بل ازداد ضراوة مع روايته التي صدرت عام 1995 بعنوان  " مجال شاسع" (800 صفحة ) ، والتي عبر فيها جراس عن آرائه المتعلقة بالوحدة الألمانية التي كان منذ البداية معارضا لها ، أو على الأقل لحدوثها بمثل هذه السرعة.


ظل جراس حتى النفس الأخير أديبا مشاركاً في الحياة السياسية ، وفي اًلمبدأ التدخل في شؤون السياسة ، فهو يمثل جيلاً من الأدباء الملتزمين بهموم المجتمع ، يعبر أبناؤه بصوت عال عنر أيهما لسياسي. هذا الجيل انقرض من ألمانيا ، وكان جراس بلا شك آخر ممثليه الكبار. وكان جراس قد انتقد بشدة الحرب على العراق معتبرا أنها تجسيد لظلم الأقوى .  وتفجر تآخر معاركه السياسية عندما كتب - "طاعنا في العمر ، وبآخر قطرات الحبر "  - قصيدة  " ماينبغيأنيُقال " التي انتقد فيها إسرائيل وتوريد ألمانيا غواصات لها ، وهيا لقصيدة التي تناولناها في عدد مايو 2015 من " الهلال ".


( فصـــل مـــن كتـــــاب عـــــن جونترجراس سيصدر قريبا عن  " الكتبخان " بالقاهرة).