قناة السويس .. تاريخ لمصر الحديثة

26/08/2015 - 3:23:32

قناة السويس الجديدة قناة السويس الجديدة

د.محمد عفيفي - كاتب مصرى

ينظر بعض المؤرخين إلى قناة السويس على أنها بمثابة "تاريخ مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين"، ولما لا وقد ضحى المصريون بدماء الآلاف منهم أثناء حفرها؟! وأثار مشروع حفر القناة، ومنذ البداية، حفيظة البعض؛ إذ عمدت بريطانيا إلى ضرب هذا المشروع عن طريق مد خطوط السكك الحديدية في مصر لتربط بين الإسكندرية والقاهرة والسويس، وكانت مصر نتيجةً لذلك من أوائل الدول التي عرفت السكك الحديدية في العالم. كما حقد المشروع الصهيوني، وفي وقتٍ مبكر، على قناة السويس وطرح مشروعًا بديلاً لربط البحرين المتوسط والأحمر بعيدًا عن قناة السويس. وما يزال هذا المشروع يراوِّد الأحلام الإسرائيلية حتى الآن!


وحاول الخديو إسماعيل الاستفادة من الحفل الأسطوري لافتتاح القناة عام 1869 في إعلان استقلال مصر، وطلب تدعيم أباطرة أوربا لفكرته. لكن هذه الفكرة لم يُكتب لها النجاح لأسبابٍ محلية ودولية.


وعملت بريطانيا على وضع قدم لها في مصر حيث حرصت على شراء حصة أسهم مصر في القناة، مستفيدة من الأزمة المالية التي عصفت بمصر أيام الخديو إسماعيل. وهكذا فقدت مصر ما تبقى لها من أسهم وحقوق في قناة السويس حيث أصبحت القناة شركة عالمية، بل وأضحت في الواقع دولة داخل الدولة. وصبر المصريون على هذا الوضع الشاذ على أمل أن تعود القناة مرةً أخرى إلى السيادة المصرية بعد مدة انتهاء امتياز الشركة في عام 1968.


القناة ليست للبيع:


وفي ظروفٍ غامضة في عام 1910 طرح البعض على الساحة المصرية مشروعًا غريبًا عن العقل الجمعي المصري؛ إذ روَّج البعض لإمكانية مد مصر لحقوق الامتياز لشركة قناة السويس بعد عام 1968 مقابل قدرًا كبيرًا من المال. وراح زبانية هذا المشروع يُعددون مزاياه؛ إذ ستستطيع مصر من خلال ما تتقاضاه من أموال سداد ما تبقى عليها من ديون، فضلاً عن هذا سيُوجَّه القدر الأكبر من هذه الأموال لمشاريع استثمارية لنفع الأمة!!


وهَّب الرأي العام المصري في ثورةٍ عارمة ضد هذا المشروع، إذ نددت الصحافة المصرية به مستنكرةً أن تُباع مصر. وأحرجت ثورة الرأي العام المصري سلطات الاحتلال البريطاني آنذاك التي لم تجد بُدًا من إلقاء الكرة في ملعب رئاسة الوزراء المصرية، لكن الأخيرة لم تستطع أن تأخذ رأيًا نهائيًا في المشروع وطالبت بعرضه على (الجمعية العمومية) برلمان ذلك الزمان. وهنا وقف النواب وقفة رجل واحد إزاء هذا المشروع ونددوا به وأحرجوا الوزارة نفسها. ووقف البعض في مجلس النواب واصمًا بالعار من يتبنى هذا المشروع، ورأى أخر أن هذا بيعًا لتاريخ مصر، ونبه ثالث الأذهان إلى أن الأجيال المقبلة لن تغفر لنا هذا الفعل الشنيع لأننا صادرنا حلمهم في عودة السيادة المصرية على القناة. وأمام ذلك كله وُئِّدْت فكرة المشروع وانتصر الرأي العام المصري ولم يبيع المصريون حاضرهم ومستقبلهم.


من هنا ندرك لماذا أطلق المصريون على تأميم جمال عبد الناصر للقناة في عام 1956 (ضربة معلم). لقد أدرك ناصر بالفعل أن عودة القناة إلى السيادة المصرية هي الحلم الذي ينتظره المصريون منذ عشرات السنين، ولذلك وقف الجميع وراء عبد الناصر في عام 1956 لأنه كان بمثابة أمل الأمة.


التاريخ يقول: القناة ستظل مصرية... تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.


القناة مقبرة الغزاة:


تنتهي مصر خلال أيام من مشروعها العملاق في توسعة قناة السويس، أو بالأحرى حلمها بإنشاء قناة سويس جديدة، تناسب المتغيرات العالمية والمنافسات الإقليمية والدولية في مجال النقل والخدمات البحرية.


وربما لا يعرف الكثيرون أن القناة ارتبطت في الوجدان المصري بقصص عديدة من التضحيات والكفاح، إلى الحد الذي دفع ببعض المؤرخين إلى القول بأن تاريخ مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين هو تاريخ القناة...


إذ ارتبط أول غزو لمصر في تاريخها في العصر الحديث، وهو الحملة الفرنسية، بمشروع حفر قناة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر. وعلى الرغم من فشل الحملة في نتائج الدراسات الخاصة بالمشروع إلا أن الحلم الفرنسي بإقامة القناة استمر ليعود من جديد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.


وأدى ذلك إلى ظهور مسألة جديدة في السياسة الدولية آنذاك، وهي الصراع على مصر، إذ رفضت بريطانيا المشروع الفرنسي لحفر القناة، وقدمت مشروعًا جديدًا وهو إنشاء خط سكة حديد الإسكندرية ـ القاهرة ـ السويس ليكون بديلاً عن مشروع القناة، للحد من النفوذ الفرنسي في مصر.


ومنذ ذلك الوقت فتح الباب على مصراعيه للتدخل الأوربي في الشأن المصري، وأدى ذلك إلى الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882، والغريب أن هذا الاحتلال لم ينجح في الوصول إلى القاهرة إلا بالالتفاف من ناحية قناة السويس، والنزول على الأرض حيث دارت معركة التل الكبير وهُزِم عرابي وجيشه، لتبدأ صفحة سوداء من تاريخ مصر لم تنتهي إلا عام 1956، وأيضًا على ضفاف القناة حيث دارت معارك العدوان الثلاثي، ومعركة بورسعيد الباسلة.


ومع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي ازدادت أهمية قناة السويس، ولما لا؟! خاصةً أن حلم الصهيونية منذ القرن التاسع عشر وحتى قبل إنشاء إسرائيل في 48 هو إيجاد قناة بديلة عن قناة السويس، لإضعاف مصر وإثراء الوجود الصهيوني في فلسطين. من هنا أدت حرب 67 إلى إغلاق القناة، لينجح الرئيس أنور السادات وبعد العبور العظيم، عبور القناة في 73، في إعادة افتتاح القناة، ويختار يوم 5 يونيو ليكون تاريخ إعادة افتتاح القناة ليمحو من الضمير المصري ذكرى أليمة وهي يونيو 67.


قناة السويس.. أكبر مشروع استثماري عالمي:


وكانت القناة في الأصل هي أكبر مشروع استثماري عرفته مصر في تاريخها الحديث، وربما عبر تاريخها بالكامل. إذ أدت القناة إلى ربط الشرق بالغرب وأحدثت تطورًا نوعيًا في تاريخ التجارة الدولية، الذي أصبح يؤرَخ بما قبل حفر القناة وما بعد حفرها.


لكن الاستثمار لم يقتصر على ذلك، إذ نشأت على ضفاف القناة عدة مدن جديدة، مثل بورسعيد التي سميت كذلك ـ أي ميناء سعيد ـ نسبةً إلى سعيد باشا الذي منح امتياز حفر القناة، والإسماعيلية نسبةً إلى الخديو إسماعيل الذي افتُتِّحت القناة في عهده، وبورتوفيق نسبةً إلى الخديو توفيق، وبورفؤاد نسبةً إلى الملك فؤاد. وتم حفر ترعة من النيل لتوصيل المياه العذبة إلى منطقة القناة هي "ترعة الإسماعيلية"، وكان من المستهدف بعد ذلك عبور الترعة إلى سيناء حتى تتحول الرمال إلى أراضي زراعية.


وأصبح مشروع حفر القناة في القرن التاسع عشر هو أكبر مدرسة تعليمية للمهندسين الفرنسيين، بل وترك الكثيرون منهم وظائفهم في فرنسا، ليعملوا في القناة لينالوا شرف أنهم خريجي مدرسة "برزخ السويس".


وفتحت القناة صفحة جديدة في التاريخ الاقتصادي لعالم البحر المتوسط، فكما يقول المؤرخ الفرنسي الشهير بروديل انتهى عصر البحيرة المتوسطية، إذ انفتح البحر المتوسط على العالم أجمع بفضل قناة السويس، وشهدنا تغير جغرافي كبير في حركة التجارة الدولية.


وأصبحت مدن القناة تنافس أعرق المدن والمواني العالمية من حيث الشهرة والانخراط في العولمة بمفهوم القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. إذ يقول كيبلنج: "إذ أردتم ملاقاة شخص ما عرفتموه وهو دائم السفر، فهناك مكانين على الكرة الأرضية يتيحا لكم ذلك، حيث عليكم الجلوس وانتظار وصوله إن عاجلاً أم آجلاً وهما: موانئ لندن وبورسعيد.


وبكثيرٍ من التفاؤل يرى الآن مهندس تخطيط المدن المصري العالمي نجيب أمين: "إن مستقبل بورسعيد يستطيع ببعض التخطيط السليم وبُعد النظر أن يكون مشرقًا". ويشرح ذلك قائلاً: "في كلمتين بورسعيد في غدها يجب أن تكون متواصلة مع بيئتها البحرية والبرمائية ومع سيناء وداخل الدلتا عبر الشرقية... مع خطط فعالة لجذب الزائرين والمستثمرين الراطنين بكل اللغات، ولخلق عمالة جديدة لسكان جدد من الصعيد والنوبة وسيناء معًا على شاطئ ثلاثي الأضلاع في شبه جزيرة بورسعيد".


لكننا توقفنا عند ما صنعه الأجداد واكتفينا به، ولم ننجح في استكمال مسيرة استثمار وتنمية القناة، التي دفع المصريون في سبيلها على مر تاريخهم الأرواح والدماء. فهل آن الآوان للقناة الآن لتكون بمثابة المشروع القومي لعبور مصر إلى المستقبل؟