كل الاحتمالات أمام لبنان مفتوحة «طلعت ريحتكم» مظاهرة لبنانية تهدد الإخوة الأعداء

26/08/2015 - 2:26:35

تقرير - نجوان عبد اللطيف

“لبنان الكرامة والشعب العنيد” كما تغنى الرائعة فيروز.. يفاجئنا الشعب اللبنانى بخروجه المتكرر للشارع مرة احتجاجاً على الحرب الأهلية ومرة ثانية ضد اجتياح القوات الإسرائيلية لبيروت، وأخرى للغضب على مقتل رئيس وزرائه الحريرى، ثم لإجبار القوات السورية على الرحيل مرات ومرات نجح الشعب اللبنانى فى فرض إرادته، ترى هل سيفعلها هذه المرة؟ هل سينجح فى إعادة لبنان الجميلة عروس العالم العربى؟ هل سيعيد لها بهاءها بثورته على “النفايات” التى ملأت الشوارع وشوهت صورتها البهية؟ هل سيتخلص من نفايات الشوارع والنفايات السياسية؟ هل سيفضح فساد الكبار الذى فاق كل الحدود فكان شعار الحملة التى أطلقها الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى “طلعت ريحتكم” وكانت هى الشرارة التى أطلقت المظاهرات فى الشارع اللبنانى مؤخراً، والتى بدأت بأزمة النفايات والفساد إلى الاحتجاج على الطائفية البغيضة التى أصابت البلد بحالة من الشلل، شلل الحكومة وشلل البرلمان ودخول لبنان للعام التالى بدون رئيس للجمهورية؟ أم أن محاولة بعض الأطراف لاستغلال هذه الأحداث أجهضت هذا الحراك، البعيد عن الطوائف والأحزاب بعد أن عملت على تحويل هذه المظاهرات السلمية إلى مواجهات عنيفة، بما يجر البلاد لفوضى، ربما تعيد تشكيل الأوضاع السياسية بما يعطى هذا الطرف وضعاً أفضل من الآخرين؟ وبالرغم أن جماعة “ طلعت ريحتكم” التى بدأت المظاهرات أعلنت تعليق الحراك فى الشارع اللبنانى بعد اشتباكات بين مجموعة من المتظاهرين غير معروفين بالنسبة لها وبين الأمن ، إلا أن أعداد من الشباب لم تمتثل للقرار وعادت مرة أخرى إلى الشارع بما ينذر أن كل الاحتمالات أمام لبنان مفتوحة، وأن ما حدث فى دول الربيع العربى قابل للتكرار في لبنان بشكل غير مأمون العواقب ..


يوم السبت الماضى كان هناك حوالى ٥ آلاف لبناني يتظاهرون فى ساحة رياض الصلح فى بيروت التى شهدت العديد من الاحتجاجات من قبل، “طلعت ريحتكم” هذا التعبير التلقائى الذى اختارته مجموعة من الشباب اللبنانى النشطاء فى المجتمع المدنى لحملتهم التى بدأت بشبكات التواصل الاجتماعى على الإنترنت، ثم إلى حراك فى الشارع بسبب أزمة النفايات التى بدأت منذ فترة بانتهاء مدة التعاقد بين الحكومة وشركة ( سوكلين) الأجنبية فى ١٧ يوليو الماضى، حيث تتولى جمع القمامة فى بيروت والجبل (٣ آلاف طن يومياً) ومعالجتها وطمرها، هذا الشعار يجمع بين أزمة النفايات التى باتت تهد د الصحة والسياحة، وبين فساد رجال السياسة المتنفذين فى لبنان، وسعى كل فريق للحصول على حصة من صفقة الزبالة التى تدر الملايين، وكانت الأوضاع تفاقمت بعد إجازة عيد الفطر، حيث امتلأت شوارع بيروت ومناطق جبل لبنان بآلاف الأطنان من القمامة التى غطت الحاويات فى الشوارع وفاضت عنها، وزاد من تدهور الأوضاع مع إغلاق مستودع ومكبس “الناعمة” نظراً لمضاره الصحية والذى كان يستوعب القسم الأكبر من نفايات بيروت والجبل، وأعلن وزير البيئة محمد المشنوق قبل أيام أنه استنفد كل الحلول الممكنة، وسيعرض الأمر على مجلس الوزراء. البعض يتهم المسؤلين بالإهمال المتعمد ليعاد التعاقد مع الشركة، ويشير إلى أن المناقصة طرحت منذ ١٥ يوماً ولم يتقدم لها سوى شركة “سوكلين” بعض النشطاء يطالبون الحكومة بتولى المسألة بنفسها وإنشاء شركة لهذا الغرض واستيراد المعدات، وأن هذا سيكون الأوفر وسيوقف الفساد الذى يشوب العملية، حيث يتهم بعض النشطاء أسماء سياسية بعينها متنفذة فى بعض المناطق بحصولها على عمولة من الشركة مقدرة على كل طن.


تحرك يوم السبت الماضى هو التحرك السابع فى بيروت نحو حل لأزمة النفايات، ولكنه سرعان ما تحول إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، وحل مجلس النواب الذى لا يمارس عمله، والدعوة إلى انتخابات جديدة وفق قانون انتخابى جديد، ولكن القوى الأمنية اعتدت على المتظاهرين فى ساحة رياض الصلح، باستخدام العصى وخراطيم المياه ورصاص الخرطوش والرصاص الحى، وفقا لكلام النشطاء وحالات المصابين من المتظاهرين أكثر من ٥٠ مصابا وبينهم شخص أصيب بطلقة فى رأسه وحالته خطيرة، وكالعادة إدعت قوات الأمن أن المتظاهرين هم الذين بدأوا بالاعتداء، وعاد وزير الداخلية “نهاد المشنوق” من إجازته التى كان يقضيها فى الخارج.


أثار استخدام العنف من رجال الأمن ضد المتظاهرين ليلة السبت غضب اللبنانيين مما دعا رئيس الوزراء تمام سلام لعقد مؤتمر صحفي صباح الأحد انتقد فيه الاستخدام المفرط للقوة من قبل الأمن، وأكد على محاسبة المسؤلين عن ذلك وقال “لا يمكن أن تمر دون عقاب” ودعا إلى الحوار مع المتظاهرين “أنا على استعداد للجلوس معكم والاستماع إليكم”، وقال إن اجتماع مجلس الوزراء القادم يجب أن يكون له نتائج وإلا فلا داعى للمجلس فى إيحاء لاستعداده لتقديم استقالته، كما اعترف تمام سلام بأن مشكلة القمامة كانت القطرة التي أفاضت الكأس متسببة في غضب الرأي العام اللبناني، مضيفًا: “لكن المسألة المطروحة اليوم في لبنان هي مسألة القمامة السياسية“. ودعا تمام سلام مجلس الوزراء إلى الاجتماع قريبًا؛ لإيجاد حل للأزمة، كما شجب الانقسامات السياسية التي تشل مؤسسات الدولة.


ولكن الأوضاع شهدت منحناً جديداً مساء الأحد، حيث وقعت اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين واستخدمت الشرطة خراطيم المياه والغازات المثيلة للدموع، وقامت مجموعة ملثمة قوامها ٢٠٠ شخص بالتشابك مع الأمن ومحاولة اقتحام مبنى رئاسة الوزراء واستخدام المولوتوف والحجارة، فقام المتظاهرون بمغادرة المنطقة (رياض الصلح) والاتجاه إلى ساحة الشهداء للحفاظ على سلمية المظاهرة، واتهم البعض جماعة أمل الشيعية بأنها وراء هذه الأحداث، إلا أن زعيمها رئيس مجلس النواب نبيه برى، رفض هذا الادعاء، ومحاولة إثارة الفتنة وتأجيج المشاعر الطائفية. وقال برى عندما يُشل البرلمان ولا يستطيع القيام بدوريه التشريعي والمحاسبة، من الطبيعي أن يطالب الشعب بإقالته. من حق اللبنانيين أن يصرخوا ويعبروا عن آرائهم ويتظاهروا وهذا حق مشروع». وعن المطالبة باستقالة الحكومة، قال بري: «ما هو البديل غير الفراغ، ألا يكفينا الشغور الرئاسي؟”.
وأشارت صحيفة النهار اللبنانية إلى أن الرئيس سلام تلقى أمس من سفراء الدول الكبرى والاتحاد الأوربي اتصالات تؤكد عليه وجوب عدم الاستقالة. ودعوة للصمود وأن يواجه التطورات خشية أن تتطور الأمور نحو إدخال لبنان في الفوضى العربية، وهذا الأمر ممنوع بقرار دولي. ويتوافق رأى سعد الحريري رئيس تيار المستقبل مع هذا التوجه قال: «إسقاط الحكومة يعني إسقاط آخر معقل شرعي ودخول لبنان في المجهول”.
وأكد في بيان له دعمه لموقف رئيس مجلس الوزراء وقال: «نستنكر أي شكل من أشكال الإفراط الأمني في مواجهة التظاهرات السلمية»، منبهاً من «محاولات استدراج البلاد إلى الفوضى والمجهول”.
ونحن نعترف أن هناك تقصيرا في حل أزمة وطنية، باتت تطاول كل قرية ومدينة في لبنان، ولكن الاعتراض على مشكلة النفايات والمطالبة بحلها بسرعة شيء، والمطالبة بإسقاط الحكومة والنظام شيء آخر. إن إسقاط الحكومة يعني إسقاط آخر معقل شرعي ودخول لبنان في المجهول، ونحن لن نسمح بأن ينهار لبنان وتنهار شرعيته، ونؤكد في الوقت عينه أن مشكلة النفايات لن تبقى أسيرة التجاذبات السياسية، وهي ستأخذ طريقها إلى الحلول الواقعية في الأيام المقبلة.


بينما وصف العماد ميشيل عون «التيار الوطنى الحر» المؤتمر الصحفى لرئيس الوزراء بقوله: «مؤتمر العجز المقيم والاحتواء العقيم لن يمر من دون رد مناسب في مجلس الوزراء وخارجه»، ويرجح مراقبون سياسيون أن «حزب الله» الحزب الذي اتخذ قراره بمنع كسر عون، وجه من خلال التحركات الأخيرة رسالة واضحة إلى الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها، مفادها أن قرار عدم إسقاط الحكومة لا يلغي قرار تعطيلها وإسقاط هيبتها في الشارع.


صحيح أن هذه المظاهرات الأخيرة رفعت قضية النفايات فى الواجهة، لكنها انسحبت بالضرورة على أزمة النظام السياسي فى لبنان ككل والتى انعكست على أحوال اللبنانين فى أزمات الكهرباء والمياه والبطالة، وفى فساد مالى وسياسي رموزه هم رموز العمل السياسي الذين توارثوا هذا النفوذ عن عائلاتهم، وكشفت عورات هذا النظام الطائفى البعيد كل البعد عن الديمقراطية والعلمانية اللتين يوصف بهما النظام فى لبنان، والذى أدى إلى شلل سياسي بسبب النزاع بين الإخوة الأعداء، فالبرلمان ينقسم بين نواب تحالف١٤ آذار الذى يضم تيار المستقبل والكتائب والقوات اللبنانية والمدعوم من أمريكا والسعودية وبين جماعة ٨ آذار التى تضم حزب الله وحركة أمل والتيار الوطنى الحر والمدعومة من إيران وسوريا، وبين مجموعة صغيرة وسطية بين الاثنين من أبرز رموزها وليد جنبلاط ونجيب ميقاتى، ولم يستطع أحد الفرقاء الحصول على أغلبية مطلقة، فكان الثلث المعطل الذى سلب البرلمان دوره فى الرقابة والتشريع بل واختيار رئيس الجمهورية، فبعد انقضاء مدة رئاسة العماد ميشيل سليمان مايو العام الماضى فشل مجلس النواب فى تحقيق النصاب القانونى (ثلثى المجلس) فى ٢٧ جلسة متتالية خصصت لانتخاب الرئيس بسبب غياب نواب ٨ آذار، حيث يصرون على انتخاب العماد ميشيل عون رئيساً، حيث قال الشيخ حسن نصر الله زعيم حزب الله «عون ممر إلزامى للرئاسة»، بينما جماعة ١٤ آذار ترفض هذا الخيار، كما يرغب الطرف الآخر فى مرشح من اختياره، تنازع الإرادات بين الفريقين، يكاد أن يودى بلبنان إلى هاوية الفوضى، وهو مادعا إلى تكوين جماعة (طلعت ريحتكم) هى جماعة غير أيديولوجية تضم من اليسار إلى الليبراليين جماعة كما يقولون زهقت من السياسيين الفاسدين الباحثين عن مصالحهم لا مصالح لبنان، جماعة ترفض الطائفية البغيضة تبحث عن مستقبل حقيقى للشباب اللبنانى، وبالرغم من أن البعض يعيب عليهم عدم التنظيم والتخطيط لخطواتهم ولخطوات بديلة، ورغم أنهم وقفوا التظاهر يوم الاثنين حتى يتدبروا أمورهم إلا أنهم يحملون الأمل فى لبنان جديد أفضل، ربما هم البديل الثالث.


إحدى الأمهات الشابات التى شاركت فى المظاهرة قالت من حق ابنتى أن تعيش فى مجتمع بلا نفايات فى الشوارع وبلا نفايات سياسية، من حق ابنتى أن تجد عملاً وحياة سعيدة فى وطنها، من حقى أن أحتفظ بها ولا أفقدها كما فقدت إخوتى الذين فروا مهاجرين ..


كما قال محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».