ثقافة نور السينما

24/08/2015 - 2:17:55

فيلم السراب فيلم السراب

كتب - يوسف القعيد

قال لى الحاج محمد مدبولى _ يرحمه الله رحمة واسعة _ إن نور الشريف الفنان المصرى الوحيد الذى يرسل سائقه الخاص له كل أسبوعين لكى يعطيه الحاج محمد الجديد فى سوق النشر المصرى والعربى. صحيح أن نور حضر ذات مرة بنفسه لكى يتولى الاختيار. لكن وجوده أربك العمل وأدى لمشاكل. بل وعطل عمليتي البيع والشراء طوال وقت وجوده. فالناس التفت حوله وبدأت تحدثه عن أعماله. وبعضهم حاول معرفة الكتب التى سيشتريها. لذلك قال للحاج مدبولى سأرسل لك السائق بين الحين والآخر لتعطيه حسب اختيارك أنت كل ما هو جديد فى ميدان النشر.


لم يكن نور من الذين يدعون الثقافة. فقد لاحظت فى بيوت الفنانين التى دخلتها الحرص على وجود مكتبة كبيرة. رغم أن ما يقولونه من كلام وما يطرحونه من رؤى يؤكد عكس فكرة القراءة والمتابعة والاطلاع. لكنى عندما ذهبت إلى منزل نور الذى كان فى أحد شوارع المهندسين اكتشفت مكتبة مهولة. ليست من أجل المباهاة ولا "الفشخرة الكدابة". ولكنها تلبى احتياجاته لفكرة القراءة والاطلاع.


وعندما دعتنى صديقتى الفنانة معالى زايد لكى أحضر تصوير فيلم: «كتيبة الإعدام». واخترت أن أذهب لمشاهدة ما يتم تصويره فى دار القضاء العالى. ولأن الدار مواجهة للمنزل الذى كانت تسكن فيه معالى زايد. فكانت تعزم "الكاست" بأكمله طوال النهار على ما تحضره من منزلها من طعام وشراب.


ولأن من هواياتى المحببة حضور عمليات التصوير. سواء لأفلام أو مسلسلات مأخوذة عن روايات لى أو لغيرى. فقد رحبت بتلبية دعوة معالى. وكنت هناك فى الوقت المحدد. لحظة دخولى دار القضاء العالى من الباب الخلفى رأيت نور الشريف. وقد جمع حوله كل من كان موجوداً فى المكان. وكان يشرح لهم أمور الفكر والثقافة. وكان مستغرقاً فيما يقوم به كأنه معلم وكأنهم تلاميذه. وكان يمارس العمل بقدر غير عادى من الإخلاص والحب. وكأن تعليم الآخرين رسالة أتى للدنيا من أجل أن يقوم بها.


لفت نظرى اتساع ثقافته. لم تكن ثقافة ممثل ولا فنان. لكنها ثقافة إنسان شبه متخصص فى ثقافات عدة. سمعته يتحدث عن أرسطو وعن أفلاطون وتناثرت أسماء مخرجين مهمين فى السينما العالمية. وممثلين كبار ومؤلفين لا يمكن الخلاف أو الاختلاف حول أهميتهم فى الكتابة الأدبية. بصرف النظر إن كانوا قد كتبوا للسينما أم لا؟ كانت إحاطته الثقافية تتعدى كثيراً جداً الثقافة المصرية وتتجاوز الثقافة العربية وتصل إلى الثقافة العالمية بمعناها العام.


لم يتوقف كلامه حول الفن. ولا قراءة الكتب فقط. كان مستمعاً جيداً للموسيقى الكلاسيك. مشاهداً من نوع فريد للوحات الفن التشكيلى. متابعاً لما تعرضه دور السينما وما يقدم على خشبات المسارح. وما يدور فى الواقع من مناقشات حول قضايا الفن والحياة. لدرجة أننى سمعته يتكلم يومها عن علم اجتماع الأدب. وعلم اجتماع الفن.


لم تكن ثقافته ثقافة فنان فقط. كان له اهتمام خاص بالسياسة. وكان لديه إدراك لأهمية أن يعبر الفنان عن هموم الناس. وأن يرتبط بهم. أيضاً كان ابناً من أبناء ثورة يوليو 1952، يؤمن ببعدها القومى. ويعتبر أن كل قضية تمس قطرا عربىا شقيقا. تمسه هو شخصياً. ولعل ما جرى له بعد إنتاجه لفيلم: «ناجى العلى» يحتاج لحكايات وحكايات. ومع هذا أصر على تقديمه.


ولأنه ابن السيدة زينب. رغم أنه ولد فى قرية من قرى المنيا. وتيتم وهو فى السنة الأولى من عمره. ومات والده صغير السن. كان فى السادسة والعشرين من عمره. فقد عايش الفقراء عن قرب. واستمع إليهم. وشاهد معاناتهم اليومية. ولذلك حاول بقدر الإمكان التعبير عنهم والوقوف مع أحلامهم والدفاع عن حقهم فى حياة لا أقول حرة ولا كريمة. ولكن أكتفى بالقول إنها حياة مقبولة منهم.


عندما فكَّر يوسف فرنسيس فى تحويل كتاب توفيق الحكيم: عصفور من الشرق. لفيلم سينمائى. وكان يوسف فرنسيس يعمل صحفياً بالأهرام. فذهب إلى توفيق الحكيم فى مكتبه يناقشه فى المسألة. ورحَّب الحكيم بسعادة بالغة. وعندما سأله يوسف فرنسيس عن الممثل الذى يمكن أن يجسد دور توفيق الحكيم فى هذا العمل. قال له دون تفكير: نور الشريف.


خلال تصوير الفيلم. سواء فى باريس أو القاهرة. كان نور يتابع حياة توفيق الحكيم. ويقرأ عن حيوات الذين هاجروا من مصر وراء غواية الشمال. بحثاً عن العلم وبحثاً عن الحضارة. لم يتوقف نور الشريف عند تجربة توفيق الحكيم. لكنه امتد إلى تجربة طه حسين. وغيرهما من مثقفى النصف الأول من القرن العشرين. الذين ذهبوا إلى أوروبا وعادوا محملين برؤى وثقافات وأفكار جديدة.


قال توفيق الحكيم أكثر من مرة إنه رأى نفسه فى أداء نور الشريف. كما لو كان هو توفيق الحكيم. وأن نور لم يكن يمثل شخصية الحكيم. بقدر ما كان يجسدها. ولم يكن يتقمص الحكيم بقدر ما كان يستحضره، ويمسك به. ويحاول أن يوصله للناس.


ولأن نور توقف أمام هذه الحقبة. فقد كانت لديه رغبة أن يؤدى عملاً من أعمال طه حسين. وجاءته الفرصة عندما قام ببطولة: أديب. العمل الأدبى الذى كتبه طه حسين عن نفسه. ونعامله بإهمال شديد. رغم أنه كسيرة ذاتية لا يقل أهمية عن الأيام. ربما كان أكثر تفوقاً من الأيام.


للأدب مكان خاص فى مشروع نور الشريف. عندما كان طالباً فى المعهد العالى للفنون المسرحية. قرأ رواية نجيب محفوظ: السراب. وتوقف أمام شخصية كامل رؤبه لاظ. وهى شخصية مركبة ومعقدة وتعانى من مشاكل نفسية أكثر من المشاكل التى يطرحها الواقع على الإنسان. وحلم لحظتها أن يجسد هذا الدور فى السينما.


بعد سنوات جرى تحويل الرواية لفيلم سينمائى. وعرض الدور على أكثر من ممثل. وبقصر نظر وحسابات صغيرة رفض أكثر من ممثل القيام بالدور. فكامل رؤبه لاظ. مرتبط بأمه ارتباطاً يزيد كثيراً عن حب الأبناء لأمهاتهم. وهذا الارتباط أفسد عليه القدرة على أن يعيش حياته الطبيعية مع زوجته.


قال لى نور الشريف إن الفنانة عزيزة حلمى التى شاركها العمل فى أعمال مختلفة. اتصلت به وعرضت عليه الدور. ودهشت عندما قال لها إنه قرأ الرواية. وأنه كان يحلم أن يقوم بالدور. طلبت منه أن يزورها فى بيتها. وهناك أخذته إلى زوجها على الزرقانى. وقالت له:


- هذا هو كامل رؤبه لاظ.


لعب نور الشريف دوراً من أهم أدوار حياته فى فيلم: السراب. المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ.


وعندما كان حسن الإمام يصور الجزء الثالث من ثلاثية نجيب محفوظ: قصر الشوق. سأل حسن الإمام الفنان عادل إمام. عن شاب مبتدئ يمكن أن يجسد شخصية كمال عبد الجواد. التى هى شخصية نجيب محفوظ فى سنواته الأولى. قبل أن يصبح أديباً وقبل أن تصيبه الشهرة. أشار عادل إمام عليه بنور الشريف.


ذهب نور الشريف إلى حسن الإمام ودهش حسن الإمام كثيراً عندما اكتشف أنه قرأ الرواية. وتوقف طويلاً أمام شخصية كمال عبد الجواد. وأثناء التصوير كان نور يتوقف أمام بعد الجمل فى الحوار. ويذهب إلى حسن الإمام ويقول له إن هذه الجمل فى النص الروائى مختلفة عن الطريقة التى جاءت بها فى السيناريو. فكان حسن الإمام يغير الجملة فوراً ودون مناقشة.


عندما مثَّل نور الشريف فيلم: الزمار. وهو من أهم أفلام السينما المصرية المظلومة. والتى تم اغتيالها مع سبق الإصرار والترصد. والفيلم مأخوذ عن مسرحية: أورفيوس يهبط. للكاتب المسرحى الأمريكى: تينسى وليامز. والمسرحية تعد إعادة صياغة لأسطورة إغريقية قديمة. قرر نور الشريف أن يكون حوار الفيلم كاملاً بشعر العامية. وذهب إلى عبد الرحيم منصور. الذى كتب له الحوار. ليس على لسان البطل الذى أدى دوره نور الشريف. ولكن على ألسنة كل الأبطال الآخرين بشعر العامية. وجرى نطقه موزوناً طوال الفيلم. دون أن يشعر المشاهد بأى غربة وهو يستمع لحوار شعرى فى فيلم سينمائى أقل ما يتم الاهتمام فيه يكون عادة بالحوار.


رحم الله نور الشريف رحمة واسعة.