وعاش الحب أقوى من الموت وعنوانا للخلود .. نور الشريف .. حبيبى دائما

24/08/2015 - 2:16:43

نور الشريف وبوسى نور الشريف وبوسى

كتب - أشرف غريب

أصل الحكاية عن ولد شبهى وشبهكوا تمام .. فى قلبه لسه بيتولد قمر الحواديت والشجن والكلام .. شبهى وشبهكوا تمام .. وفى ليلة من ذات الليالى راح .. راح والقمر مخنوق ، والعتمة مالهاش عيون "..


الشاعر عبد الرحيم منصور على لسان نور الشريف فى فيلم " الزمار "


هكذا يفعلها الموت دائما ..


ينتهز اختناق القمر ، وغياب العيون فى عتمة الليل ، فيتسلل ليسلب أحلى ما فينا ، وأغلى من فينا ونحن لا حول لنا ولا قوة ، نعم هو حق ، لكنه قاس عنيف بلا قلب أو رحمة ، راح الولد ، رحل من هو " شبهى وشبهكوا تمام "


الآن سكنت آلام نور الشريف لتبدأ آلامنا نحن ، استراح الجسد العليل لتزداد معاناة كل من زرع فى قلبه بذرة محبته وارتوت بمواقفه الإنسانية النبيلة ، وهم كثر ، من عرفوه حق المعرفة ومن فقط استظلوا بفنه البديع ، هل تصدقون أن من ملأ أفلامه حيوية وحركة يرقد الآن بلا حول فى ظلمة بلا " نور" لا يستأنس فيها إلا بعمله " الشريف " ؟ هل تصدقون أن جديد إبداعه قد توقف ولم يبق لنا إلا شريط ممتد عبر نحو خمسين عاما كنا نطمع فى أن يطول ويطول ؟ نعم هو حق لكنه ثقيل وسقيم وصعب الاحتمال .


وفى لحظة حزينة كهذه ، وفى حضرة جلال الموت قبل ساعات قليلة من تشييع جثمانه لن يكون من اللائق القول بأنه بين فيلمى " قصر الشوق " سنة 1967 و" بتوقيت القاهرة " سنة 2015 قدم محمد جابر عبد الله أو نور الشريف نحو مائة وخمسة وسبعين فيلما وعشرات المسرحيات والمسلسلات ، كما لن يكون مجديا الإشارة إلى تجاربه الإخراجية فى المسرح والسينما ، أو الجوائز التى حصل عليها وعلى رأسها جائزة التمثيل فى مهرجان نيو ديلهى عن فيلم " سواق الأتوبيس " سنة 1983 ، بل حتى لن يكون مناسبا التأكيد على أنه لم يكن مجرد ممثل موهوب ، وإنما هو حالة فنية شديدة الخصوصية والتميز بين أقرانه من ممثلى جيله .


لكن الذى لم يغب عن ذهنى فى هذه اللحظة التى تحتشد فيها المشاعر وتختلط فيها الأحاسيس تلك المفارقة الأليمة بين ما حدث فى رائعة نور الشريف وبوسى " حبيبى دائما " قبل خمسة وثلاثين عاما تقريبا وبين ما حدث لهما فى الواقع فى السنوات الأخيرة ، فإبراهيم وفريدة بطلا فيلم كوثر هيكل وحسين كمال كانا يعيشان قصة حب رقيقة سرعان ما فرقت بينهما الأيام وذهب كل منهما فى طريقه ، ثم تصاب فريدة بالمرض اللعين ، فيجمع الحب بينهما من جديد ، ويقرر إبراهيم البقاء بجانبها فى محنتها حتى يكون معها فى لحظة الرحيل ، كانت تريد أن يكون آخر وجه تراه فى هذه الدنيا ، وكان يريد ألا يشاركهما أحد لحظة النهاية ، لقد كان إبراهيم وفريدة إذن قصة حب خالدة على شاشة السينما استلهم فيها صناع " حبيبى دائما " قصة حب المطرب عبد الحليم حافظ الحقيقية ، أما فى الحقيقة فقد حدث العكس تماما للعاشقين نور وبوسى .


فجأة وبعد قصة حب وزيجة ناجحة امتدت لأكثر من ثلاثين عاما راعنا جميعا خبر انفصال نور الشريف وبوسى بصورة هادئة وراقية تليق بحبهما الكبير وبثمرتى هذه الزيجة سارة ومى ، ورفض الاثنان الخوض فى الأسباب متمسكين بهذه الحالة من الود والاحترام التى ظللت دائما حياتهما الزوجية ، وحينما تسرب قبل سنوات خبر مرض نور الشريف اتجهت الأعين كلها إلى بوسى ترقب موقفها من حبيب العمر ، لكن بوسى كانت هناك بجواره وبجوار ابنتيها تتابع حالته وتشحذ إرادته كى يتغلب على محنته ، ثم اتخذت الحطوة الأكثر شجاعة ووفاء بالعودة إلى عصمته كى تكون أقرب إليه من أنفاسه وأحن عليه من إحساسه ، لقد أرادت بوسى _ هذه المرة _ أن تعيش معه آلامه ، وألا تتركه وحده ما بقى له من عمر .. يا لها من مفارقات القدر ويا لها من قسوة هذا القدر .


لقد أثبت نور وبوسى أنهما بالفعل قصة حب دائمة وخالدة لا تقل رقة وعذوبة عن قصة إبراهيم وفريدة فى " حبيبى دائما " وأن النوات التى واجهتهما لم تنل من نبل مشاعرهما وصدق إحساسهما ، وأكدت بوسى تحديدا بموقفها الأخير على قيمة أكبر من مجرد واجب زوجة أصيلة تجاه زوج مأزوم ، وهى قيمة وفاء المحب لحبيبه وإخلاص العاشق لمعشوقه .. هكذا يذوب " العاشقان " ويتوحد الحبيبان ، فينتصر الحب على الفراق ، وينحاز الخلود للعشاق ، فالحب الحقيقى _ كما علمنا نور وبوسى - لا يغيبه موت ، أو يغربه رحيل .


فكل العرفان والمواساة للعظيمة بوسى ، وعاش الحب دائما أبقى من الأجساد وأقوى من الموت وعنوانا للخلود .