أحفاد الشابي .. إطلالة على المشهد الشعري في تونس

20/08/2015 - 12:14:10

أبو القاسم الشابى أبو القاسم الشابى

إعداد وتقديم: وئام غداس - شاعرة تونسية

    قبل نحو عشرين عاماً، قال أدونيس: "عدّلوا ساعاتكم الشِّعرية على المغرب العربي وما يُكتب فيه"، دحضاً للتصوّر العام آنذاك من أن بلدان المغرب تزخر بالأكاديميين ويعوزها الشعراء والمبدعون في المجالات الأدبية والفنيّة، وتنبأ بما سيكون عليه الحال بعد سنوات، عدّلوا ساعاتكم الشعرية على المغرب العربي، ليست تلك إشارة للكمّ فقط، وإنما أيضا لشدّة ما ستكون عليه القصيدة المغاربية من خصوصية يسهل تفرقتها وتمييزها عن غيرها وما ستتوفر عليه من جمالية.


    عندما كُلّفتُ بملفّ حول الحركة الشعرية في تونس، وقفتُ أمام عجزي عن الإلمام بكلّ الأسماء المتوفرة على الساحة اليوم، سواء من هذا الجيل والجيل الذي سبق بقليل، وراعني أنني مهما اجتهدت في انتقاء أسماء سيكون من المستحيل إيرادها جميعا في ملفّ واحد، مع الانتقائية الشديدة تبقى الأسماء الجادة والمبدعة في مجال الشعر في تونس كثيرة، والتجارب والمشاريع الإبداعية لا تحصى. يمكن القول إن هنالك جيلا بأكمله اليوم قد عاش تحولا جذريا وعميقا، بعد التأثر بتجارب محلية سابقة والانفتاح على تجارب عربية وعالمية، تمكن من خلق نصه خارج هذه النصوص، ممعناً في تفرّده والأخذ بمشاغله الخاصة، وتأسيس لغته ومفرداته الفنيّة وصوره التي قد تحمل على عاتقها ذات الهموم الإنسانية المشتركة، غير أنها تعيد إنتاجها بتصوّر خلاّق لم يشبه يوما سوى نفسه.


    هذا الملف ما هو إلا لمحة شاملة، تسليط بعض الضوء فقط، ودعوة للتنبّه: هنالك شِعر، بمفهومه الحقيقيّ، آتِ من هذه الجهة.


    لا مغالاة في القول إن ثورة جمالية حقيقية تتأسس عليها الحركة الشعرية المعاصرة اليوم في تونس، لكن من ينتبه إليها أو يراها؟


    الغريب أنها تكاد لا ترى الشمس لكنها قوية البنية، مكتملة العناصر بما يجعلها تنمو وتزدهر حتى في الظِّل، هنالك تكريس لا يمكن التأكيد إن كان تلقائيا أو ممنهجا لتجارب معينة ليس فيها من هم تونسيون، وربما ذهاباً للاعتقاد السائد والمغلوط بقصور النص التونسي عن الارتقاء إلى مرتبة المشاريع الشعرية.


    أترك الحكم للقارئ، بناء على هذه النماذج المقتضبة، عليّ الإشارة أيضا إلى أن هذه المحسوبيات الثقافية لصالح مناطق جغرافية دون أخرى، عولت على تنازل تونس عن حقها في إظهار وإعلاء مبدعيها، وتقديمهم ودعمهم، وانتقصت من إمكاناتهم، وقصرت في حقّهم وحق المشهد الثقافيّ المحلي ككلّ، لم تؤمن الدولة ومؤسساتها في تونس ـ على عكس بلدان عربية كثيرة في المشرق ـ بدور، وحظوظ الثقافة في نماء كلّ مجالات الحياة وقطاعاتها، لكني أقول إن القصيدة التونسية مستمرّة رغم ذلك، باقية، تتألّق وتعلو.