رحلة شهرزاد الموسيقية .. حين ترى لحن كورساكوف بأذنيك

20/08/2015 - 11:43:43

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. رانيا يحيى - عازفة وكاتبة مصرية

تحيا مؤلفات "ألف وليلة وليلة" فى وجدان كثير من المجتمعات والبيئات حيث يتم تناولها بالحكى والقص للأطفال فى مقتبل أعمارهم، فتخلد فى الذاكرة لما فيها من موضوعات تمزج ما بين الواقع والخيال باقتدار، كما أصبح شخوصها رموزا، ولهم شهرة عالمية فى الأدب والدراما، ورغم كونها مجموعة من القصص الشعبية إلا أنها ألهمت كبار الموسيقيين والفنانين التشكيليين لإبداع أعمال مستلهمة من عناصر التشويق.


    ومن أكثر القصص قربا من النفوس مع اختلاف الأعمار والثقافات "علاء الدين والمصباح السحرى"، "على بابا والأربعين حرامى"، "رحلات السندباد البحرى"، "معروف الإسكافى"، "الشاطر حسن وست الحسن والجمال". وترتبط حكايات ألف ليلة وليلة لدى الشعوب العربية ولدينا تحديداً فى مصر بشهر رمضان الفضيل منذ خمسينيات القرن العشرين، وإلى الآن بعد أن قام طاهر أبو فاشا بتأليف حلقات إذاعية بعنوان "ألف ليلة وليلة" التى أخرجها رائد أدب الأطفال فى العالم العربى محمد محمود شعبان "بابا شارو"، ثم عرضت كمسلسل تليفزيوني أخرجه عبد العزيز السكري ثم فهمى عبد الحميد، وعرض في أشهر رمضانية متعاقبة. وستظل ألف ليلة محور اهتمام المبدعين فى المجالات الفنية المختلفة لما تختزنه من عبقرية وإبداع وجمال، حتى فى رمضان هذا العام (1436 هجرية، 2015 ميلادية) عرضت حلقات ألف ليلة وليلة للمخرج رؤوف عبد العزيز بطولة شريف منير، ونيكول سابا، ورغم وضع موسيقى خاصة لتتر حلقاتها إلا أن موسيقى شهرزاد العالمية الساحرة المستلهمة لروح الشرق ظلت الإطار الذى يجمع كل حلقات هذه المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية بشكل أو آخر.


    ينبغى أن نقف عند شهرزاد، العمل الموسيقى العبقرى المصنف 35 الذى كتبه الروسي ريمسكى كورساكوف عام 1888 بمنتهى الملكة الإبداعية والجمالية التى حققت تجسيداً لهذه الحكايات ذات النزعة الشرقية، فكانت هى المترجم الحقيقى سمعياً لهذه القصص البديعة التى خلدت فى قلوب الجماهير من المشرق إلى المغرب. فشهرزاد من أبرز أعمال الربرتوار العالمى لما لها من جمال فى اللحن وإبراز لقوة ومهارة العازفين، وقسمها كورساكوف أربع حركات: الأولى "البحر وسفينة السندباد" وفيها تجسيد لبطلى القصة من خلال مجموعتين من الآلات، الوتريات ذات الصوت الغليظ والآلات النحاسية، للتعبير عن صوت شهريار كملك بصوته الرجولى الذى يتسم بالغلظة والوقار، وآلات الفيولينة والهارب من جانب آخر لتكون هى المعبر عن صوت شهرزاد، مع وجود موتيفات لحنية مستوحاة من مؤلفته ذات النزعة الشرقية بعنوان "عنتر"، أما الحركة الثانية "الأمير الكالندارى" فتتباين فيها السرعات بين البطء والسرعة، للتفاعل مع الأحداث المراد ترجمتها بلغة الموسيقى، ونلحظ التكوينات الآلية الجلية تستهل بالفيولينة والهارب (شهرزاد) بإيقاع راقص، آلات النفخ النحاسية بعمق واضح وكأنها (شهريار) والإيقاع حماسى يتسم بالعنف والقوة ليعكس مدى المخاطر التى يواجهها الأمير الكالندارى، ولكن مع بزوغ  الكلارينيت ثم الفاجوت نستمع لجزء لحنى مغاير لتهدأ بعده الموسيقى، ثم تصعد تدريجيا لتختتم بقوة وعظمة، ومع الحركة الثالثة "الأمير الشاب والأميرة الشابة" يتسم هذ الجزء بالغنائية واللحنية فى انسيابية لترجمة قصة الحب التى تجمع الأمير والأميرة، ويمثلهما تكوينات آلية مختلفة، حيث تبرز الوتريات صوت الأمير والكلارينيت صوت الأميرة، لكن آلة الفلوت بصوتها الناعم البراق تدخل بحيوية مع إيقاعات راقصة تعكس الأجواء الشرقية الملامح.


    ومع اقتراب نهاية الحركة تتعالى أصوات الآلات متصاعدة بقوة وانفعال، ونستمع برقة للأصوات الآلية المنفردة، لتستهل الحركة الرابعة والأخيرة "المهرجان فى بغداد" بتداخل الآلات الأوركسترالية مجتمعة فى بداية قوية، حيث ختام المقطوعة الموسيقية بمنتهى البراعة فى التأليف والملكة الإبداعية الهائلة التى تصل لأقصاها فى هذه المرحلة النهائية من رحلة شهرزاد وشهريار الموسيقية، بكل ما فيها من تشويق وإثارة، وفى المهرجان تنشط الموسيقى وتميل لمرح وفرح يتناسب مع هذه الأجواء الاحتفالية، وينتقل بنا المؤلف إلى الموضوعات التى تم طرحها وخاصة فى الحركة الأولى البحر وسفينة سندباد لتصل لذروة الانفعال فى هذه الحركة مع تلاطم الأمواج وارتطامها بالسفينة حتى تتهشم فى النهاية، وآلات النفخ تتألق بمهارة وتقنية عالية على مستوى الكتابة والأداء فى هذه الحركة. وفى الختام تعبر الألحان الرنانة عن إعجاب شهريار بشهرزاد.


    اعتمد كورساكوف، هذا العبقرى، فى هذا العمل على الكتابة للأوركسترا السيمفونى بتكويناته الآلية مكتملة. ويتميز التوزيع الأوركسترالى فى هذا العمل بالبراعة الشديدة من حيث الانتقالات اللحنية بين الآلات الموسيقية فى الأوركسترا، وكذلك إعطاء دور البطولة لآلات بعينها داخل الحركات الأربع تضفى لونا صوتيا يبرز جماليات الكتابة، وما ينتج عنها من تدفق فى المشاعر تجعل من هذه المقطوعة أيقونة لقصص ألف ليلة وليلة يتم الاستعانة بها فى أى عمل درامى، باعتبارها صوت شهرزاد الذى يشعرك للوهلة الأولى بطريقة الحكى الخيالية لدى المتلقى ما بين بطلى القصة الحقيقيين شهرزاد وشهريار.


    لقد استلهم كورساكوف إحساس الشرق فى التيمة اللحنية الشهيرة المعروفة لدى الجميع بأداء آلة الفيولينة المنفردة والتى تمثل الوحدة العضوية للحركات الأربع، ونجد تجسيدا حقيقيا لقصص ألف ليلة وليلة وخصوصا التعبير عن أسلوب القص الشهرزادى الشهير لشهريار، من خلال هذا اللحن الذى يمكن اعتباره من أجمل الألحان على الإطلاق، وله قدرة حسية وجمالية لتجسيد الشخصية للدرجة التى تجعل  آلة الكمان وكأنها إنسان له القدرة على النطق، فمن خلال الأربعة أوتار استغلها المؤلف لتمكنه من الكتابة الاحترافية والتكنيكية العالية لهذه الآلة التى تتميز باقترابها من الصوت البشرى، وقدرتها التعبيرية الملامسة للوجدان، مع إبراز لبعض التناقضات والتى تمثلها الطبقات الصوتية الآلية. وهذه الجملة اللحنية غير تقليدية واستطاعت أن تحظى بهذه الشهرة الواسعة وأن تصل بمؤلفها للعالمية، رغم أن الشائع فى الموسيقى الغربية الكلاسيكية أن شهرة المؤلف قيمة كبيرة لأعماله، لكن مؤلفنا هنا خلده التاريخ لكتابة هذا اللحن، رغم ما ألفه من أعمال موسيقية كثيرة تتمتع بالجمال ورقى الإحساس إلا أنها لم تصل إلى عظمة هذا العمل التاريخى.


    وأعتقد أن ذلك يرجع لأسباب:


    أولها: الشهرة العالمية لقصص ألف ليلة وليلة والتى أضفت بعدا تاريخيا وأبديا لهذه الموسيقى التى اقترنت بالعمل الأدبى.


   الثانى: استغلال هذه الموسيقى دراميا للتعبير عن الرؤية الفلسفية محور الربط بين مجموعة القصص للبطلين، فظلت فى الأذهان.


    ثالثا: براعة صنعة التأليف الموسيقى، والحنكة فى استخدام الهارمونيات التوافقية المصاحبة للألحان الأساسية، والتى لعبت دورا فى التأثير وخلق هذا البعد النفسى والجمالى.


    لقد رأينا موسيقى شهرزاد بآذاننا وسمعناها بأعيننا، وهو التعبير الفلسفى الرائع الذى استقيته من أستاذنا الراحل ثروت عكاشة، وكانت بحق خير دليل على هذه الفلسفة.


    رغم سلاسة هذه المقطوعة الأوركسترالية وبساطة اللحن الأساسى الذى بني عليه العمل إلا أنه من المؤلفات التى تمتاز بصعوبة مهارية فى معظم الآلات المشاركة، وبخاصة آلات النفخ، أيضا الطابع الاستعراضى مع الإيقاعات السريعة والنشطة يخلق حالة من الحيوية على الطابع العام للحركات السريعة، وتتضح قدرة المؤلف على صياغة الألحان الثانوية باقتدار، بحيث تتفاعل الألحان مع بعضها داخل نسيج عضوى بوليفونى يملؤه الدفء، ليؤجج المشاعر ويخلب الألباب. ومن شدة الإعجاب بهذه المقطوعة تعاد صياغة ألحانها بما يتوافق مع تكوينات آلية صغيرة كموسيقى حجرة، وأيضا للآلات المنفردة فمثلا نجد ثنائى بيانو، وآخر لآلات وترية بمصاحبة البيانو، وكذا آلات النفخ مع البيانو وغيرها الكثير، حتى يسهل تقديمها فى الحفلات الصولو لما تجده من رواج وشعبية عند سماعها جماهيريا.


    ولهذا رغم انتماء هذا العمل للمؤلفات الموسيقية العالمية إلا أنه يرتبط فى وجداننا بلحنيه الرئيسيين مع الدراما الرمضانية ذات المخزون التراثى والعاطفى تجاه قصص الطفولة والشباب الرقيقة ألف ليلة وليلة، وتظل موسيقى كورساكوف بمسماها "شهرزاد" أيقونة هذه القصص الساحرة على مر الأزمان.