وشم الوجدان

20/08/2015 - 11:36:23

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

هدى يونس - كاتبة مصرية

تداعت الأهوال على.. فصمت وقلت إنه الامتحان.. قبيل الأذان الأول.. أثناء الغموض الكامل للكون أصحو.. أتحدث إليه.. أعاتبه.. أبكى أتمرد.. حتى ينكشف الكون على ما فيه.. أهرب إلى الداخل حرصاً على حمايتى من رؤية ما يزيد نفورى.


ما حدث اليوم اندهشت له.. ضاعت أوراقى ومستنداتى التى تؤكد وجودى فى العالم أين ؟ متى ؟ رتبتها منذ يومين ووضعتها فى مكانها !


ظللت أبحث طول اليوم فى حجرة ضيقة لا تملك القدرة على الإخفاء.. سحبت منها على إلحاح رنين التليفون يجبرنى بالسفر إلى بلدتى .


ركبت عربة تشبه عربة الموتى.. صعدت سلمها بصعوبة وجلست.. انكمشت على نفسى.. أسندت رأسى على الكرسى وحاولت الهرب من كل ما يدور بداخلى.. صوت الراديو يصر على مطاردتى.


سمعت صوت امراة وموسيقى لا أحب سماعها.. أسئلتها متلاحقة.. وإجابات الآخر هادئة مستقرة.


قالت: احكى.


قال: كنت أقود عربتى .. اعترضنى سائق دراجة وسبنى..


ركنت العربة وأخرجت زجاجة بنزين وعدت مسرعاً إلى من سبنى وأشعلت فيه النار.


سألته: هل هذا تصرف طبيعى؟!


: عادى جداً !


: هل لك أولاد ؟


: طفلان.


: ما شعورهما وأنت سجين ؟


: عادى .. أنا لست سارقاً أو متهماً فى شرفى !!


: بعد انتهاء الحكم هل ستكرر هذا ؟


: أعتقد .. لن أفعلها ..


علا صوت الراديو.. بموسيقى سمعت حيرة الملك التائه ووزيره فى الصحراء.. رأيا رجلاً غريباً رجلاه قصيرتان جداً وقدماه كبيرتان.. وذراعاه قصيرتان.. أما يداه فكبيرتان ونصف وجهه مخفى.


تقدم إليهما وطلب منهما الدخول من بوابة السور.. وعند سؤاله أين السور ؟ أشار بيده .. هنا !.. إندهش الملك والوزير ولم تطل دهشتهما فقد وجدا السور وفتح لهما الرجل القصير البوابة.. فرأيا حديقة واسعة .. تساءلا: كيف يوجد بستان مثل هذا فى الصحراء ؟!.. لم يجب! وانسحب خارجاً وتركهما فى البستان.. كانت غزالة تجرى هرباً من مطاردة ثعبان وحية.. عندما رأى الملك هذا تقدم وقتل الثعبان وقتل وزيره الحية.


تحولت الغزالة أمامهما إلى فتاة غاية فى الحسن .. فاندهشا !!..


طمأنتهما بأنها أميرة ابنة ملك الجان.. أما الثعبان والحية فمن مملكة الشياطين اختطفاها من والدها وأرادا إجبارها على الزواج.


كانت مصرة على الرفض وبقتلهما أنقذت من خطر داهم.. ولهما هدية.. رفض الملك والوزير المقابل .. أصرت .. وقدمت للملك فتاة جميلة وللوزير غلاماً أسود جميلاً..


تركتهما الأميرة وظهر الرجل القصير الذى سأل الملك.. هل تريد قائد جيشك ؟ اندهش الملك ولم تطل دهشته لاختفاء القصير ورؤية قائد الجيش الذى أنقذ الملك من المتاهة.


ابتسمت بداخلى للإنقاذ غير المحقق فى الواقع وتواجده فى الأساطير..


اختفى كل شىء عند سماعى صوت فرملة مفزعة .. صرخ واستعان كل راكب بالله أن يحميهم من مخاطر الطريق.. ومرت الدقائق بعدها سمعت صوتاً متسللاً فتحرك رأسى بملل.. تسلل الصوت أكثر.. نظرت ناحية الصوت.. الظلام لا يظهر الملامح..


استمر تسلل الكلام الهامس متدرجاً إلى الارتفاع قليلاً «أخاف من الطريق وعرباته.. ومن الليل .. لا تندهشى برغم المظهر القوى لجسدى فبداخلى طفل عمره خمس سنوات»..


لم أعلق..


«أمى وأبى فقدا فى حادث عربة.. مثل التى مررنا بها الآن.. تركانى بعدها وحيداً ومعذباً .. نهرتنى زوجة خالى بصوت مخيف عندما بكيت قائلة: لا أحب وجود طفل يبكى وسط أولادى.. سأضعك فى بيت أمك وحيداً.. أيقنت أن تهديد زوجة خالى تستطيع تحقيقه ومن لحظتها جمعت صوت بكائى داخل مكان معتم فى شريان قلبى وأحكمت الإغلاق بغشاء رقيق.. لا يراه أحد غيرى»..


وطمأنت نفسى بأنهم لو فتشوا بداخلى لن يروا شيئا مما أخفيه.


«تمر السنوات .. أطل بحذر على المكان الصغير المعتم.. ألاحظ كبر حجمه أخاف وأحاول الضغط عليه حتى يعود صغيراً.. فأتألم.. تتراكم الأعوام .. ويكبر ما أحبسه.. وذات مرة وأنا ضاغط عليه خرجت صرخة طويلة.. حاولت إيقافها فلم أستطع وتواصلت إلى أعلى .. ثم هبطت من علوها على جسدى فحولته إلى صرخة هامسة ذات أنين..


كل هذا وأنا مغمض العينين..


أحسست بعدها بيد حانية تمسح وجهى.. فتحت عينى.. رأيت أمى .. وملابسها بيضاء نقية.. انتفضت.. فتراجعت عنى قليلاً.. وتعثرت فى ثوبها الذى رفعته بيدها رأيت بقعة دم فى نهايته.. وعند رؤيتها لخوفى وضعت يدها المرتعشة على مكان الإخفاء


قالت: لا تقلق .. أنت تكبر.. وتكبر كل أجزائك ...


وتركتنى.


ومن يومها وأنا مطمئن لكلام أمى».


«عندما رأيتك تصعدين العربة.. قمت مهرولاً ومددت يدى لأساعدك.. ولكن تركت يدى واستعنت بمسند الكرس أفسحت لك مكاناً بجواري واكتفيت بانكماش جسد حتى تجلسى أنت مستريحة فلا تهربى.. لا تهربى».


الصوت المضطرب يدهشنى !..


بيدى المترددة من تفسيرات بشر لا أطمئن إليهم.. ربت على يده ليطمئن ويهدأ.. برعب الخائف أمسك يدى.. حاولت فك حصاره ليدى.. لم أستطع..تماسكت لأكون أكثر صلابة .. وأتخلى عن ضعفى الإنسانى.. عجزت أمام الرعب القادم ممن يجلس بجوارى منكمشاً .. وعشت معه حالة فزعة.


الجو المظلم وضوء العربات الهارب من مطاردة الطريق.. يزيد من إحساسى بالخوف تخلصت برفق من ضغط يده الخانق.. بعد أن وعدته بتحقيق ما يريد.


قطع لحظات الصمت .. الوحدة قتلتنى.. لقد وعدت بأنك ستسمعيننى..


لا تتخلى عن وعدك»


الإرهاق.. والتوتر المحبوس داخلى جعلنى لا أنطق..


حاولت تهدئة نفسى.. وخرجت كلمات متعثرة لا أجيد صياغتها.. بعدها..


رأيت خروجا هادئاً لكلامى: «أنا .. أنا إنسانة معذبة أرهقها الألم من الإحساس.. أطلب من الله أن يمحوه من داخلى حتى أتوازن وأعيش مستقرة.. نشرات الأخبار تمزقنى.. رؤية مصاب تفزعنى.. خوف دائم على كل من أعرفهم.. رؤية جرح فى يد طفلتى يربكنى .. صراخى عندما أضيق يحولنى بعدها إلى كتلة لوم لنفسى.. والآن أهرب بالصمت أرجوك لا تكلمنى فى شىء .. قدرتى على الاحتمال فقدت».


«لا تهربى من وعدك.. حديثى معك لن يكون مؤلما.. أنا قادر على سجن كل ما يؤلمك أكرر رجائى لرؤيتك..»


وأنا عاجزة عن نطق وعد غير واثقة من تنفيذه.


أمام الإلحاح وضيق الوقت قبيل نزولى وعدته.. ولكن ما حدث لى بعدها منعنى من الوفاء..


فإلى الآن وأنا معذبة بوعد لشخص احتاجنى ولم ألتزم بما وعدت ..


يزداد قلقى وخوفى عليه كلما تذكرته..


كان حلمى لحظة وصولى إلى بيت أسرتى هو النوم والهرب من سماع أى شىء.. ولكن الذى هرب هو النوم رغم تناولى المهدئ.. واستحال تحققه حتى أذان الفجر..


بعدها ارتديت ملابسى وانتظرت ظهور الضوء.. وخرجت لزيارة قبر أمى .. فى الطريق أحاول ترتيب ما أقوله عند زيارتها.. ظهرت حكايات أخرى وتشابكت داخل عقلى الذى توهج وتذكر موضوعات قريبة وبعيدة.. متناثرة ومتقاربة حتى حولتنى إلى كتلة من الشتات المتحرك داخل عقل سيدة مجهد لا تملك القدرة على التركيز فى موضوع واحد ..


أخرجنى من المتاهة صوت حارس القبور.. فانتبهت لوصولى إليها.. تغيرت خريطة المكان .. ظهرت مدافن حديثة مكان الأرض المزروعة .. دلنى الحارث على الطريق.. وعند وصولى رأيت قبر أمى مفتوحاً.. تجمدت فى مكانى وقبل أن أفتح فمى تكلم هو.. «الأسرة شيدت مدافن جديدة قريبة من هنا.. وأصبحت مقبرة الوالدة مهجورة يعد أن وضعت سارقة القبور يدها عليها»..


مرات عديدة أغلقها.. وفى نفس اليوم تفتحها.. وأحضرت عمال المقابر الحديثة معى وأغلقناها ! ولكنها فتحت .. حتى يئست .. لا تحزنى فقد مر على وفاتها أكثر من عشرين عاماً.. فماذا تبقى منها؟


انحنيت أزيح التراب المتراكم أسد الفوهة التى احتلتها سارقة القبور.. أفكر فى طريقة للحماية من السارقة التى أعلنت تحديها لكل محاولة غلق ما وضعت يدها عليه.


أضاف الحارس وهو يساعدنى.. هذه ليست أول مقبرة فهناك العديد ممن احتلته وفشلت كل الطرق لاسترداد ما أخذته.. ولم يكن هناك غير الهرب من المكان حفاظاً على رفات الموتى الجدد.


تنفست تراب الموتى ورائحتهم وتغطت يداى به.. بعد انتهائى من سد الفوهة .. وقفت أتأمل الرخامة أعلى المقبرة.. رأيت اسم أمى باهتاً متآكلاً فبكيت حال أمى وما حدث لها .. ونسيت ما جئت لأقوله.