سعيد مقبل .. شهيد الجمعة .. عن كمال داود وعن زبانية الفتاوى

20/08/2015 - 11:35:18

سعيد مقبل سعيد مقبل

آمال فلاح - كاتبة جزائرية

حدث ذلك منذ 21 عاما.


كانت القوائم معلقة على مقربة من المساجد. احتوت القائمة الأولى أسماء مسئولين عن وسائل الإعلام وفنانين وصحفيين. وصل عدد الأسماء إلى مئتين، والغريب أن بعض الأسماء كانت قريبة جدا من التيار الإسلامي. أما القائمة الثانية فأكثر حصرا، فيها ثلاثون شخصا سبق أن عبروا بوضوح عن معارضتهم للمشروع الإسلامي.


    كان ذلك قبل أن يسقط أولى الضحايا، وقبل أن يصبح المقياس لاختيارها كونهم عزلا، يقطنون بعيدا عن الإقامات الأمنية المخصصة لأفراد الدولة، ومن شأنهم أن يشكلوا قائمة جوائز يتباهى بها مصاصو الدماء.


    كان يوما باردا من شهر ديسمبر.


    كان يوم السبت، منتصف النهارـ "سعيد مقبل" كعادته يسأل صاحب المطعم مداعبا عن مدى خصوصية كل وجبة، قبل أن يجلس قبالة الكرسي الشاغر وهو مشغول البال؛ فالأخبار تزداد سوءا.


    ليلة البارحة (ليلة الثاني من ديسمبر 1994) اجتاحت الجماعات المسلحة حيا بضواحي العاصمة الجزائرية، وأخرجت صحفيين من شققهم لتذبحهم أمام الملأ، وقبل مغادرتهم الحي أحرقوا معهد التكنولوجيا ومحطتين للبنزين.


    كان سعيد جالسا، وقد بدأ يتلذذ بأكل السلاطة. إحساس ممتع يختلف تماما عن قشعريرة الخوف، وارتعاد المفاصل والعرق البارد المتصبب من الجبهة ومن الظهر. يختلف عن تلك الغصة التي تتكرر يوميا حين تأتي الأخبار سوداء مرعبة تحمل رحيل الأبرياء، وعن نظرات الهلع المجمدة علي عيونهم الفزعة والتفنن المريع في التمثيل بجثثهم.


    كان سعيد يشهر في يده اليمني سكين مطبخ، وفي اليسرى شوكة. لكن الدم سرعان ما تدفق من الجهة اليسرى من وجهه. فجأة ودون انتظار حدث ما توقعه دائما.


    حدث ذلك في أكثر اللحظات استرخاء ومسالمة. أصابت الرصاصة الأولى أسفل رأسه والثانية رقبته. وولى القاتل هاربا.


    حدث ذلك بسرعة. وبسرعة أكبر امتزجت نظرة الطيبة في عيني سعيد مقبل بالتساؤل فالهلع. ثم كانت الغيبوبة.


    كان عددهم قليلا في ذلك اليوم، الجمعة الحزين من آخر شهر ختم القرن البائس. اجتمعوا في المكان الذي كان آخر ما وقعت عليه أنظار سعيد، على مقربة من مقهى "الرحمة " بالجزائر العاصمة حيث اغتيل ومن مقر جريدة "لوماتان" التي كان يرأس تحريرها. كان عددهم أقل بكثير من عدد القراء الذين داوموا لسنوات على شراء الجريدة، ليسرعوا إلى ركن "مسمار جحا" وهم مقتنعون بأنهم سوف يجدون في تلك الزاوية اليومية صدى لأوجاعهم وقرفهم، وأنهم سوف يضحكون، مؤكد سوف يضحكون ملء عذابهم من الموت اليومي من التفقير، ومن عنجهية وغطرسة النظام واحتقاره لهم. فالسخرية وحدها هي الأسلوب الوحيد الباقي لقول الحقيقة.


    كان القراء يثقون به ثقة عمياء، ويصدقون كل حرف يكتبه، هو الذي كان يعلم أنه على رأس قوائم القتل، لكنه لم يغادر، فهو يؤمن بأن لكل شيء ثمنا، وكان مستعدا لدفع ثمن خياراته ومبادئه، ثمن حبه لهذا الوطن.


    في البدء انهالت عليه رسائل التهديد. ونصحه "أهل الخير" من المقربين من النظام بالرحيل. وحين غادر الجزائر َ أغلب مدراء ومسيري الجرائد، بقي سعيد على رأس جريدته، لا مؤنس له سوى تلهف آلاف القراء لمقالته اليومية.


    كانت رسائل التهديد مخيفة. وكان البيت خاويا في المساء؛ فقد طلب من زوجته ومن ابنه أن يرحلا، اتقاء لمصير بشع، فليس لهما أن يدفعا ثمن "نزقه" و"استخفافه" و "وقاحة" قلمه الذي كان لا يغفل عن صغيرة أو كبيرة.


    كان سعيد مقبل يختار الزاوية الأكثر إزعاجا، ليتلاعب كما يحلو لطفل سادي أو مشاغب أن يفعل. يخط خطا لفوق فترتعب أوصال النظام، وخطا لتحت فيستشيط الأصوليون غضبا. يلعب بخبرة وخفة لاعب الشطرنج، ويعرف بدقة متى يسدد خطوطه ومتي يصوبها.


    ينتقد النظام بالحدة نفسها التي ينتقد بها الأصوليين، ويبدع في صب هذا النقد عبر لون صحفي قلما يجيده أصحاب هذه المهنة، وبلغة فرنسية أجادها أكثر من أهلها.


    ظل سعيد مقبل يهزأ بالحكام، وبالسياسات الفاشلة المنتهجة، ويهون من خطر مجموعات لا مشروع اجتماعي لها إلا الكراهية. وفئات الشعب المختلفة تقرأ "مسمار جحا".. تضحك وتضحك وتزداد وعيا بواقعها البائس وبعري المجتمع السياسي وزيفه.


    دام الضحك خمس سنوات كاملة ـ قبل أن تبدأ المجازر الجماعية ـ وكان لا بد لجحا أن يدفع فاتورة تهوره، وثمن ضحك الجماهير التي كفت عن الضحك فجأة.. ذات صباح من يوم بارد حزين.


    ملحوظة: كنت أنوي الكتابة عن كمال داود، فرجعت إلى بدايات الحكاية.