الرائدة المظلومة ملك ومسرحها الغنائي

20/08/2015 - 11:34:04

الفنانة ملك الفنانة ملك

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

شرفت بتكليف وزارة الثقافة ممثلة بالمركز "القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية" بمسؤولية إصدار كتاب توثيقي عن الفنانة القديرة "ملك" وفرقتها المسرحية بمناسبة إعادة افتتاح مسرحها. كانت مهمة شاقة ومحفوفة بكثير من المخاطر نظرا لعدم توفر كثير من البيانات والمعلومات الأساسية اللازمة، فللأسف برغم أهمية هذه الفرقة التي لا يختلف عليها أحد إلا أننا لا نجد بالمكتبة العربية سوى مجرد إشارات ـ قدمت على عجالة وبصورة غير دقيقة ـ بعدد قليل جدا من المراجع والإصدارات الصحفية، مع غياب المعلومات التوثيقية اللازمة للتأريخ ولعل من أهمها القائمة التفصيلية لعروض الفرقة. 


  وأحمد الله لتوفيقه لي في تقديم أول مرجع متكامل عن هذه الفرقة المهمة لأستكمل جهودي في التوثيق والتأريخ لمسرحنا العربي. ويجب التأكيد على أن أهمية فرقة "أوبرا ملك" لا تعود فقط إلى قيمة ومكانة مؤسستها "ملك" كمطربة وملحنة شهيرة ومرموقة، ولكن يكفي أن نذكر لهذه الفرقة تحملها بمفردها مسؤولية المحافظة على "المسرح الغنائي" وفن "الأوبريت" خلال أربعينيات القرن العشرين، والتي شهد المسرح المصري خلالها كسادا فنيا وهبوطا كبيرا، دفع كبرى الفرق المسرحية إلى إغلاق أبواب مسارحها وإطفاء أنوارها ـ باستثناء "الفرقة القومية" وفرقتي "الريحاني" و"الكسار" ـ كما دفع كبار الفنانين وأشهرهم إلى الانضمام إلى "الفرقة القومية" أو العمل في الملاهي الليلية والصالات.


    ويكفي أن أسجل لتأكيد أهمية فرقة "أوبرا ملك" أن "الفرقة القومية" التي حظيت بالرعاية الكاملة كأول فرقة مسرحية تابعة للدولة، وضمت نخبة من أفضل العناصر الفنية – وحظيت بفرصة الاستقرار وتقديم العروض المتميزة فنيا بعيدا عن سيطرة شباك التذاكر - لم تستطع خلال الأربعينيات وبالرغم من جهود الفنانين القديرين/ زكي طليمات وفتوح نشاطي سوى تقديم خمسة أعمال غنائية فقط (شهرزاد، قطر الندى، يوم القيامة، عزيزة ويونس، العشرة الطيبة)، مع ملاحظة أن الفرقة تغير اسمها عام 1942 ليصبح "الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى" بهدف إحياء "المسرح الغنائي" وفن "الأوبريت" واجتذاب الجمهور.


    ويحسب لفرقة "أوبرا ملك" خلال الأربعينيات - بخلاف ماسبق ذكره - ما أرسته من تقاليد فنية رصينة  للمحافظة على الموسيقى العربية والغناء الشرقي الأصيل، حيث استطاعت أن تمثل مدرسة مهمة لتخريج دفعات متوالية من المطربين والممثلين القادرين على المشاركة بعروض المسرح الغنائي، فحققت أيضا أهدافا أخرى سامية ولعل من أهمها المحافظة على الجمهور المتذوق لفنون الموسيقى والغناء العربي، وكذلك اجتذاب جمهور جديد من الشباب.


    الفنانة/ ملك محمد (واسمها الحقيقي "زينب محمد أحمد الجندي") لمع اسمها منذ العشرينيات، وهي من مواليد حى الجمالية بالقاهرة عام 1902، وتنتمي لأسرة ثرية، وقد توفيت في 28 أغسطس عام 1983 بعد رحلة فنية ثرية اشتهرت خلالها باعتبارها مطربة وملحنة موهوبة وعازفة عود متمكنة ومتميزة.


    بدأت "ملك" مشوارها الفني وهي طفلة عام 1912 بالغناء في الأفراح، وكانت تقوم بتقليد منيرة المهدية وغيرها من المطربين والمطربات، ويحسب لها في البدايات حرصها على صقل موهبتها بالدراسة واكتساب الخبرات، حيث تفرغت عدة سنوات للاستماع وحفظ إبداعات السابقين، كما حرصت على دراسة أصول الغناء عن طريق بعض الموسيقيين الكبار وفي مقدمتهم الملحن الكبير إبراهيم القباني والفنان المعلم عبده قطر، والملحن المبدع زكريا أحمد، كما تعلمت أيضا العزف على العود على يد الموسيقار محمد القصبجي.


    كان عام 1925 بدايتها الفنية الحقيقية عندما انضمت إلى تخت منيرة المهدية، ولكنها سرعان ما نجحت في شق طريقها الخاص والاستقلال بعملها، فشاركت بغناء بعض الطقاطيق والأدوار بين فصول مسرحيات فرقة "أولاد عكاشة"، وفي نهاية العام نفسه تنقلت بين أكثر من فرقة مسرحية، فاشتركـت بالغناء في مسرحيات كل من: فرقة "الجزايرلي"، وفرقة "فوزي منيب"، وفى سبتمبر 1926، انضمت كمطربة وممثلة إلى فرقة "أمين صدقى"، واشتركت في التمثيل والغناء ببعض المسرحيات ومنها: "الكونت زقزوق" و"عصافير الجنة"، ثم عادت إلى تختها لتغنى الطقاطيق بكازينو "البسفور" بالقاهرة، وما قد لا يعرفه الكثيرون أن الخطاط محمد حسني البابا (والد نجاة الصغيرة وسعاد حسني) هو الذي اختار لها اسمها الفني "ملك"، وذلك بعدما تألقت في عالم الغناء، وسرعان ما انتشر الاسم وأصبحت تُعرف به.


    وخلال مسيرتها الفنية المتميزة استطاعت أن تسحر بصوتها كمطربة وبموهبتها كملحنة وبأوتار العود كعازفة كبار شخصيات المجتمع، الذين حرصوا على سماعها والاستمتاع بفنها وفي مقدمتهم أمير الشعراء أحمد شوقي الذي لم يبخل عليها بفرصة غناء أشعاره، كما نجحت في تقديم عدد كبير من الأغنيات الرومانسية لكبار الشعراء والملحنين مما دفع محمد التابعي إلى أن يطلق عليها لقب "مطربة العواطف" بسبب غلالة الحزن والأسى التي كانت تغلف صوتها، وهو لقب ذاع وارتبط بها في الوسط الفني.


    وعندما شعرت "ملك" بعد ذلك بقدرتها الإبداعية ومهارتها الموسيقية اتجهت إلى التلحين، فكانت بذلك أول فنانة مصرية تجمع بين الغناء والتلحين والعزف على العود في آن واحد، ولم تكن تغني في حفلاتها العامة بالمسارح سوى ألحانها، أما في الإذاعة فقد غنت لملحنين آخرين.


    وبعد اكتسابها المزيد من الخبرات الفنية وتألقها موسيقيا، تعاظم طموحها الفني فأقدمت عام 1941 على تأسيس فرقة غنائية خاصة، وأطلقت عليها "أوبرا ملك". فإذا كانت "منيرة المهدية" أول مطربة تؤسس فرقة مسرحية، فإن "ملك" أول مطربة تنشئ مسرحا خاصا باسمها.


    يحسب للفنانة ملك نجاحها في تكوين فرقة باسمها تضم نخبة من نجوم التمثيل المسرحي والغناء، ومشاركتها لهم في تقديم مجموعة من المسرحيات والأوبريتات على مسرح برنتانيا أو على مسرحها الخاص بعد ذلك بدءا من عام 1941، ومن أهم تلك الأعمال: "مايسة"، "مدام باترفلاي"، "بنت الحطاب"، "سفينة الغجر"، "طباخة بريمو"، "الطابور الأول"، "عروس النيل"، "بنت بغداد"، ومن عروضها الأخرى: "سعدى"، "العقد الفضي"، "جواهر"، "الأميرة والمملوك"، "بنت السلطان"، "عمرو بن العاص"، "كليوباتره"، "ليالي شهرزاد"، "فتاة من بورسعيد". وقد قامت "ملك" في جميع عروض الفرقة بأداء جميع أدوار البطولة تمثيلا وغناء، إلى جانب وضعها للألحان، وكان يقاسمها البطولة الغنائية: إبراهيم حمودة وعباس البليدي، ويحسب لها إسهامها في نهضة المسرح الغنائي والخروج من أسر الأغنية الفردية إلى مجال أكثر رحابة.


    كما يحسب لها أيضا نجاحها من خلال فرقتها في تقديم أعمال لكبار الكتاب (أحمد شوقي، بيرم التونسي، محمود تيمور، إبراهيم رمزي.. وآخرين)، كما نجحت في استقطاب نخبة من كبار المخرجين (زكي طليمات، السيد بدير، فؤاد الجزايرلي.. وآخرين)، ومهاراتها في الإدارة وجذب مجموعة مواهب وخبرات تمثل مختلف الأجيال وفي مقدمتهم نخبة من النجوم الشباب بالسينما (حسين صدقي، يحيى شاهين، محسن سرحان، صلاح نظمي، صلاح منصور)، وكذلك اختياراتها الدقيقة للمطربين الذين يتمتعون بمهارات الغناء الشرقي.


    وتقتضي الحقيقة أن أسجل أنني رغم تقديري الشديد لإسهامات هذه الفنانة الكبيرة واحترامي لإبداعاتها وخاصة في مجال المسرح الغنائي إلا أن ذلك لا يمنعني من تسجيل بعض الحقائق المهمة وفي مقدمتها:


    إن إطلاقها اسم "مسرح أوبرا ملك" على فرقتها هو مسمى غير دقيق بل يعتبر تجاوزا علميا، نظرا لأن هذا المسمى قد يوحي بنجاحها في تقديم أوبرات أجنبية مترجمة أو أوبرات عربية، وهو ما لم يستطع حتى خالد الذكر سيد درويش تحقيقه في أوبريتاته الخالدة، فالحقيقة كما يعلمها المتخصصون في مجال العلوم الموسيقية أن "الأوبرا" فن له قواعد حاكمة لا تتوافر في الأعمال الموسيقية العربية إلا فيما ندر.


    وبدراسة أفضل أعمالها المسرحية موسيقيا يمكننا رصد توافر عدة عناصر أساسية ومهمة وفي مقدمتها: الدراما، الشعر، الغناء، الألحان، التمثيل، الإخراج المسرحي، الديكورات والملابس والإكسسورات، الإضاءة، ولكن مع ذلك فإن هذه الأعمال تفتقد ويغيب عنها عناصر أخرى مهمة ومحورية بالنسبة للأعمال الأوبرالية ومن أهمها: التأليف الموسيقي حيث كانت الغلبة دائما للألحان والغناء، مع اعتماد جميع ألحانها بالدرجة الأولى - وككل موسيقانا العربية - على النسيج الأحادي (المونوفوني) والذي يؤدي خلاله كل العازفين والمطربين والكورال نغمة واحدة، فضلا على غياب أساليب الأداء وفن الكتابة للأوركسترا.


أضواء على المسيرة المسرحية


    لا شك أن غياب البيانات والمعلومات الأساسية والصور الفوتوغرافية لفرقة مسرحية قدمت أكثر من ثلاثين عملا على مدى أكثر من عشر سنوات يثير كثيرا من التساؤلات، وقد يفتح الباب لتأكيد شائعات سبق ترديدها!!، وبخاصة مع غياب المتابعات الصحفية وعدم وجود أي اهتمام إعلامي بتوثيق هذه الأعمال، فإذا كان من الطبيعي غياب التصوير التلفزيوني لجميع عروضها نظرا لتقديم آخرها عام 1959 (في حين بدأ التلفزيون تصوير المسرحيات عام 1962) فما الأسباب الحقيقية لغياب أو اختفاء جميع صورها الفوتوغرافية من أرشيف الصور بالصحف والمجلات وكذلك بالمركز القومي للمسرح؟! في حين تتوافر صور لعروض تسبقها تاريخيا بكثير!! وما أسباب عدم تصوير عروضها تلفزيونيا خاصة وقد أعلنت الفنانة ملك في بعض الحوارت الصحفية عام 1964 عن اتفاق بينها وبين وزير الإعلام د. عبد القادر حاتم لإعادة تقديم عروضها للتصوير التلفزيوني مثلما تم مع عروض فرقتي "الريحاني" و"رمسيس".


    لقد سبق أن ترددت شائعات تتهم أم كلثوم باستغلال نفوذها القوي لدى السلطة ولدى رجال الصحافة لمحاربة كل الفنانات المنافسات وفي مقدمتهن ملك، وأعتقد أن هذه الشائعات غير منطقية، لأن القديرة أم كلثوم لو كانت تفرغت لتخطيط تلك المكائد والدسائس ما استطاعت الوصول أبدا إلى تلك المكانة السامية، والتي تطلبت منها استثمار موهبتها وذكائها بالتفرغ فقط لأعمالها لمواصلة الإبداع المستمر.


    وأرى أن عدم توثيق أعمال الفرقة قد يعود إلى أسباب متداخلة ومتشابكة يمكن إجمالها في عدم اهتمام ملك بالتوثيق لأعمالها، لانشغالها الدائم وتحملها بمفردها مسئولية الإنتاج والإدارة والتلحين والتمثيل والغناء، إضافة إلى احتراق مسرحها في يناير 1952 وتلف جميع الوثائق والصور، بخلاف سفرها بعد ذلك وإقامتها بالعراق الشقيق لعدة سنوات، فإذا أضفنا إلى ذلك غياب المجلات المسرحية المتخصصة خلال فترة توهج الفرقة بالأربعينيات وبالتالي غياب الحركة النقدية، يمكننا إيجاد عدة مبررات منطقية لهذا النقص في المعلومات ولغياب الصور.


    وفي النهاية تجدر الإشارة إلى أن ملك نجحت في تسجيل اسمها في التاريخ الفني، باقتحامها مجال المسرح الغنائي كملحنة، خاصة وأن عددا قليلا جدا من المطربات قد نجحن في التلحين لأنفسهن، كما أن أكثرهن توقفن بعد فترة قصيرة من الزمن.