مكاسبها تتعدى ٣٥ مليار جنيه وتدعى الخسارة: شركات المحمول تذبح المصريين بالخدمة الرديئة

19/08/2015 - 2:38:30

تقرير يكتبه : عبد اللطيف حامد

سوء خدمات المحمول محليا تحول مؤخرا لظاهرة لا تخطئها العين، وجميع الأطراف تدرك المشكلة دون وضع حد لها، فالمشتركون بح صوتهم من الشكاوى عن طريق خدمة العملاء فى الشبكات الثلاث مرورا بالذهاب إلى الفروع التابعة لها وانتهاء بالاستغاثات المتكررة بجهاز الاتصالات على رقم « ١٥٥ « لكن شركات المحمول ودن من طين وودن من عجين رغم أن مكاسبها سنويا تتجاوز ٣٥ مليار جنيه، أما جهاز الاتصالات فلا يعترف بالمشكلة أصلا فى معظم الحالات. خبراء الاتصالات المحايدون والبعيدون عن سيطرة شركات المحمول يقطعون بأن المسئولية الكاملة عن سوء الخدمة تتحملها الشركات، لأنها لا يهمها إلا المكسب المستمر، وعندما تراجعت إيراداتها بنسبة قليلة خلال السنوات الأخيرة توقفت عن ضخ استثمارات جديدة فى الشبكات لرفع كفاءتها للحفاظ على نفس معدل الأرباح، ثم جهاز الاتصالات لأنه تبنى أسلوب «الطبطبة» عليها، ولم يستطع فرض غرامات تتناسب مع حجم الضرر الواقع على نحو ١٠٠ مليون مشترك بسبب الخدمة السيئة، وليس مجرد مبالغ هزيلة لا تقيم لها الشركات وزنا.


شكاوى العملاء من سوء خدمات المحمول لا تتوقف .. «خدمة الندامة، والجميع يعرف أنها سيئة، وكل يوم فى النازل سواء المستخدمين أو الشركات أو جهاز الاتصالات» هكذا قال محمد حسين ـ موظف ـ مضيفا أن الحل الوحيد لإصلاح الشبكات مطاردة الشركات بتحرير المحاضر ضد مسئولى الشركات، وجرجرتهم فى ساحات المحاكم طالما أننا بندفع فلوس يبقى من حقنا نحصل على خدمة محترمة.


وفى نفس الاتجاه يقول على حسن ـ مقاول ـ «خدمة المحمول بقت حاجة لا تطاق خصوصا فى حالة الاتصال بالعمال الذين يعملون معى فى المحافظات، لأننى أضطر لإجراء عشرات المكالمات حتى أجد رقما فى الخدمة «.


ويبرر عامر فاروق ـ محامى ـ استخدامه لثلاثة موبايلات فى وقت واحد بأن سوء الخدمة أجبره على هذه الحيلة للتغلب على مشكلة الشبكات، وفعلا فى أوقات كثيرة يتصل من شبكة لكن لا يحدث الاتصال، وعندما يجرب من الأخرى يسمع جرسا فورا، وبالتالى لن يترك زبائنه تحت رحمة الشبكات لأن الأهم مصالحهم وقضايهم، ويتحمل مشقة التحرك بما يشبه السنترال بخطوطه الثلاثة.


ويستغرب عبد الباقى أبو طالب ـ مصرى مقيم بالسعودية ـ من عدم تعرضه لأزمات شبكات المحمول، أو الاضطرار لطلب الرقم أكثر من مرة أو تكرار انقطاع المكالمة عند التحدث فى التليفون فى أى مكان بالمملكة السعوية رغم الضغط الكبير على الشركات من ملايين المعتمرين والحجاج بصفة مستمرة لكن العكس يحدث فى مصر عند قضاء اجازته السنوية، وفى الوقت نفسه لا يعانى الامرين عند الاتصال بأصدقائه فى عواصم أخرى غير القاهرة.


سوء خدمات المحمول واضحة للجميع خلال الفترة الاخيرة سواء الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات أو شركات المحمول وبالطبع المشتركين، لأنهم يعانون الأمرين عند استخدام المحمول، وكثيرا ما يسمعون الرسالة القائلة «عفوا الهاتف الذى تتصل به ربما يكون مغلقا أو خارج نطاق الخدمة»، وأحيانا يجد المتصل شخصا آخر يرد عليه على غرار ما كان يحدث قديما فى التليفون الأرضى، ولن أتطرق إلى انقطاع المكالمات أكثر من مرة خلال المكالمة الواحدة، واضطرار المستخدم لتحمل تكلفة مكالمة جديدة ـ وبالفعل انقطعت المكالمة فقلت له هذا دليل واضح على صحة حملتنا ضد سوء خدمات المحمول ـ ولا مبررات على الإطلاق للشركات أن تتحجج بأن إيراداتها تراجعت فى العامين أو الثلاثة الأخيرة بنسبة ٢٠ فى المائة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة أو ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه أو غيرها من العوامل، لأن العملاء لا ذنب لهم خصوصا أن أقل شركة لديها أكثر من ٢٠ مليون مستخدم، وهم ملتزمون بدفع تكاليف الخدمة بشكل اضطرارى سواء أصحاب خطوط الفواتير أو الدفع مسبقا، وفى الوقت نفسه سعر الخدمة محليا عادل ويحقق مكاسب معقولة للشركات، والتقديرات تشير إلى أن إيراداتها سنويا تتجاوز ٣٥ مليار جنيه، إلى جانب أن تحسين الخدمة سيجذب مشتركين جددا خصوصا فى خدمة الإنترنت بدلا من فقدان الثقة فى الشبكة والبحث عن أخرى.. هكذا يرى المهندس مقبل فياض عضو مجلس ادارة جمعية اتصال وخبير تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات .


مسئولية شركات المحمول


ويحمل المهندس فياض المسئولية الكاملة عن سوء خدمة المحمول لطرفين أولهما الشركات الثلاث لأنها لا يهمها إلا المكسب المستمر عاما بعد الآخر، وعندما تراجعت ايراداتها بنسبة قليلة خلال السنوات الأخيرة توقفت عن ضخ استثمارات جديدة فى الشبكات لرفع كفاءتها وتحسينها من أجل المحافظة على نفس معدل الأرباح، بغض النظر عن توابع ذلك على مستوى الخدمة بدرجة جعلتها غير مرضية، وثانيا: الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات لأنه تبنى أسلوب «الطبطبة» على شبكات المحمول مؤخرا، وأصبحت الشركات أقوى من الجهاز بالفعل فى العامين الأخيرين، ولم يستطع اتخاذ قرارات قوية ضدها تتناسب مع حجم الضرر الواقع على نحو ١٠٠ مليون مشترك بسبب الخدمة السيئة، ولابد من قيادة مؤهلة ومجلس إدارة قوى يضم خبراء فى مجال الاتصالات للجهاز، يركز على جودة الخدمات المقدمة للجمهور وفقا لتقارير شفافة يستند فيها لقياسات واضحة من الفنيين الموجودين به، وهم أصحاب قدرات كبيرة إلى جانب دراسة شكاوى المشتركين على مستوى الجمهورية، وتوقيع الغرامات على الشركة المخالفة بحيث تكون مؤثرة بالفعل، وليس مجرد مبالغ هزيلة لا تقيم لها الشركات وزنا كما حدث فى الفترة الماضية بفرض الجهاز غرامة قدرها ٢٥٠ ألف جنيه فقط علي إحدى الشركات.


ويطالب عضو مجلس ادارة جمعية اتصال وخبير تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات جهاز الاتصالات بوضع خطة حاسمة للقضاء على ظاهرة الخطوط مجهولة البيانات التى تزيد الضغوط على شبكات المحمول، رغم أن الخدمة الحالية سيئة من الأصل، وليست فى حاجة لمزيد من الأحمال، وعلى مسئولى الجهاز عدم التهاون مع شركات المحمول خوفا من أية ضغوط سياسية من الحكومات التابعة لها هذه الشركات لأن هذه «نقرة وتلك نقرة أخرى»، لكنه يعترف بوجود هذه الضغوط، وأهمها تدخل سفراء دول فرنسا وبريطانيا والإمارات لدى الحكومة المصرية لمنع تمرير الرخصة الموحدة خلال وجود المهندس طارق حلمى، وإلغاء المؤتمر العالمى للإعلان عن هذه الرخصة خير دليل، ولابد لأن يتحاور الجهاز كمنظم ومراقب لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات مع مسئولى شركات المحمول الثلاث لإصلاح منظومة الاتصالات ورعاية حقوق المستلك المصرى، وهذا يتطلب سرعة اختيار رئيس جديد للجهاز صاحب خبرة فى مجال الاتصالات تحديدا مع قدرة على التفاوض فى ظل شبكة علاقات مع القائمين على أمر شركات المحمول لحسم المشكلات الموجودة وعلى رأسها سوء الخدمات والرخصة الموحدة.


رابطة مشتركى المحمول


ويقول المهندس محمد عبد النبى كبير مستشارى الاتحاد الدولى للاتصالات للمنطقة العربية السابق إننا ننتظر دورا أقوى للجهاز القومى للاتصالات فى مراقبة شبكات المحمول كما ينبغى، ولا يترك المشتركين فريسة للشركات مما أدى إلى سوء الخدمات، مطالبا بتأسيس رابطة أو اتحاد لمشتركى المحمول فى مصر من أجل الحفاظ على حقوق العملاء، وتأمين خدمة على درجة عالية من الجودة أسوة بما يحدث فى جميع دول العالم المتقدم، واجبار الشركات على تبنى سياسات لتحسين الخدمة بعيدا عن حرصها الدائم على جمع الإيرادات بمعدل يقدر بنحو ٣٥ مليار جنيه سنويا، وتحويلها إلى دولها دون مراعاة لظروف مصر الاقتصادية، ولا تتوقف الشركات عن العروض الجديدة لجذب مشتركين جدد أو زيادة المكالمات رغم أن القدرة الاستيعابية للشبكات لا تكفى هذه الأعداد الضخمة خصوصا فى أوقات الذروة نهارا.


وفى الوقت نفسه لا يبرئ كبير مستشارى الاتحاد الدولى للاتصالات ساحة المشتركين من سوء سلوكيات الاستخدام لخدمة المحمول، فالمفترض أنها شخصية، وفى وقت الضرورة، وأى مكالمة لا يجب أن يزيد معدل استعمال المحمول عن ٢٠ دقيقة فى اليوم بأى حال حفاظا على الصحة، كما أنها بمثابة خدمة عامة، ولابد من ترك المساحة الأكبر للأغراض العامة والمجتمعية خصوصا فى أوقات الطوارئ كحدوث الحرائق أو الحوادث وغيرها، وعلى جهازى الاتصالات وحماية المستهلك القيام بحملات توعية للمواطنين بالمخاطر الصحية والمجتمعية معا لكثافة استخدام المحمول، والتنبه إلى عدم الانسياق وراء حيل شركات المحمول لزيادة الاستخدام بصفة مستمرة.


ويقترح المهندس عبد النبى قائمة من الحلول للتخفيف على الشبكات وتحسين الخدمة حسبما تفعل العديد من الدول الغربية، منها زيادة سعر الدقيقة خلال الفترة من ١٠ صباحا إلى ٦ مساء حتى تقتصر المكالمات على الشغل، وتخفيض سعر الدقيقة بعد الساعة ١٢ ليلا لمن يريد أن يتكلم فى الأمور غير الضرورية، ومن الممكن تخفيض أسعار المكالمات فى أيام الإجازات لتقليل معدلاتها فى أيام العمل، ويفضل أن تقوم الشركات بالتنسيق مع جهاز الاتصالات بقطع المكالمة بعد مرور ٥ دقائق على أساس أن الشبكة ليست لمشترك واحد يتحدث من خلالها كيفما شاء، ووضع ضوابط لعدم منح الشخص الواحد أكثر من خط لأن هناك مشتركين كثر يحملون ٣ و٤ خطوط فى وقت واحد مع توعية المشتركين أن خدمة المحمول تلغرافية وليست للحب والمعاكسة واهدار وقت الفراغ، ويستشهد بموقف بعض أعضاء الاتحاد الذين كانوا يلجئون لكبائن التليفون الأرضى للحديث مع المتصلين بهم خلال الاجتماعات بدلا من استخدام المحمول فترة طويلة، علما أن مصر عضو فى الرابطة العالمية لمشغلى المحمول، وهى المرجعية الرئيسية فى العالم لتشغيل شبكات المحمول، ومتابعة أدائها، وتقديم خدمات العون والمشورة الفنية والتشغيلية فى أى مكان فى العالم، ويمكن طلب المساعدة منها فى مواجهة سوء الخدمة ليأتى خبراء مؤهلون لدراسة المشكلة ووضع حلول لها.


ويطالب بعقد اجتماع موسع لتشكيل لجنة تضم جميع أطراف منظومة الاتصالات فى مصر مع بعض الخبرات الدولية لدراسة الرخصة الموحدة للتغلب على مقاومة شركات المحمول لها، ومدى استفادة المشتركين منها، وجدواها الاقتصادية خصوصا أنها موجودة فى معظم الدول، ويمكن إسناد هذا الملف لجهاز أو هيئة تابعة لوزارة التجارة الداخلية على غرار أمريكا واستراليا لوضع خارطة طريق لإصلاح مرفق الاتصالات محليا، وتحديد مدى الاحتياج لشبكة رابعة للمحمول من عدمه.


لا إنفاق على البنية التحتية


أما د. ماجد عثمان وزير الاتصالات الأسبق فيرى أن سوء خدمات المحمول فى السنوات الثلاث الأخيرة بدرجة واضحة يرجع فى المقام الأول إلى تراجع معدلات إنفاق شركات المحمول على البنية التحتية للتتناسب مع الزيادة المستمرة فى حجم المشتركين، رغم أن المفترض ضرورة تخصيص نسبة لا تقل عن ٥ فى المائة من إيرادات كل شبكة سنويا من أجل عملية التطوير والتحديث بشكل تدريجى ومستمر، وبالطبع عدم مراعاة هذه القاعدة لعدة سنوات متتالية كما حدث مؤخرا يحتاج لزيادة هذه النسبة لتدارك تبعات التجاهل بغض النظر عن أسبابه مع الانتباه إلى أن شركات المحمول خلال السنوات الأخيرة تراجعت مكاسبها، ومن الممكن حدوث خسائر لها نظرا لثلاثة عوامل أولها دخول الشبكة الثالثة التى زادت المنافسة فى السوق لجذب عملاء أكثر، وتقديم عروض أفضل لصالح العملاء، وثانيها أزمة السياحة فى ظل الأجواء الأمنية الصعبة خصوصا بعد ٢٥ يناير ٢٠١١، وهنا فقدت شركات المحمول مصدرا مهما للدخل متمثلا فى الخطوط السياحية، وثالثها التطور التكنولوجى فى وسائل الاتصالات وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعى كالفيس بوك وتويتر والواتس آب والفايبر وغيرها فانخفض معدل استخدام المحمول سواء فى المكالمات أو الرسائل.


ويلفت إلى أن صناعة الاتصالات تفتقد إلى وجود استرايجية واضحة تحدد الأهداف والتوقعات خلال المرحلة المقبلة على غرار العديد من الدول التى حققت قفزات كبيرة فى هذا المجال كسنغافورة وكوريا الجنوبية، وهذه المسألة ليست بدعة أو اختراعا بل هناك تجارب كثيرة يمكن دراستها والاستفادة منها مع إدخال بعض التعديلات الصغيرة وفقا لمتغيرات الموقف المحلى، وهنا المسئولية تقع على الدولة متمثلة فى مجلس إدارة الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات برئاسة وزير الاتصالات لضبط مسار هذه الصناعة الحيوية من خلال وضع أسس وضوابط لتنظيمها عن طريق إعطاء فرص متساوية لكل الشركات فى المنافسة دون تحيز أو محاباة، وإتاحة تقديم الخدمات المختلفة لكل المشغلين فى القطاع بنفس المزايا والتسهيلات كخدمات المحمول والأرضى والإنترنت، والتخلص من حالة اللخبطة والعشوائية التى تخلق فئة من أصحاب المصالح الذين يحاولون الحفاظ على الحالة الراهنة بسبب المكاسب الشخصية كعضوية مجلس إدارة فى أكثر من شركة، وبالطبع يحصل على عدة مكافآت.


ويقول: بصريح العبارة لابد أن تكون صناعة تنافسية كما يوجد فى الدول الناجحة، وهذا يقتضى عدم تفضيل الشركة المصرية للاتصالات على شركات المحمول فى سيطرتها على خدمات الإنترنت، أو امتلاكها نسبة من شركة فودافون وامتلاك هيئة البريد لحصة فى شركة اتصالات، لأن هذا يضعف موقف جهاز الاتصالات فى اجبار شركات المحمول على تحسين الخدمة أو عمل استثمارات جديدة، واحيانا يتخوف من خروج هذه الكيانات من السوق والذهاب لدول اخرى بحثا عن تسهيلات، مضيفا أن ذلك ليس مجرد كلام نظرى بل تعرض له شخصيا عندما كان وزيرا خصوصا مع شركة اتصالات التى دفعت نحو ١٦.٧ مليار جنيه بينما عانت فى الحصول على الترددات المطلوبة بسبب البيروقراطية، فكان من الصعب مطالبة إدارتها بضخ استثمارات فى بنيتها التحتية، وفى الوقت نفسه لابد من عدم المبالغة فى اعتبارات الأمن القومى أكثر من اللازم حتى لا نتأخر فى تقديم خدمات تصب فى صالح المواطنين والشركات معا كخدمة «الكاش فون» التى انتظرنا السماح بها مدة ٣ سنوات من ٢٠١١ إلى ٢٠١٤ رغم أنها حققت نجاحا ورواجا فى كينيا، ووفرت معدلا لا يستهان به من فرص العمل فى المشروعات الصغيرة للفئات التى ليس لديها حسابات فى البنوك.