فى معركة القانون الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام .. وبدأ الجهاد الأكبر ضد أعداء الحرية

19/08/2015 - 2:33:54

  جلال عارف بين يحيى قلاش وضياء رشوان على منصة «اللجنة الوطنية» جلال عارف بين يحيى قلاش وضياء رشوان على منصة «اللجنة الوطنية»

تقرير يكتبه: أحمد أيوب عضو اللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية والإعلامية

على مدار أكثر من مائة وخمسين اجتماعا على مدار عام كامل كان الهدف الأول والأخير للجنة الوطنية لصياغة التشريعات الصحفية والإعلامية هو كيف نخلق المناخ المناسب لصحافة حرة وإعلام وطنى لا يخدم سلطة أو نظاما، وإنما يخدم المواطن والمجتمع.
كان الهاجس المسيطر على الجميع أن ٩٠ مليون مصرى، وليس أبناء الأسرة الصحفية والإعلامية فقط، ينتظرون منا جميعا كيف سنعيد إليهم الإعلام المصرى بشقيه، ليكون معبرا عنهم مدافعا عن قضايا الوطن. . نقاشات كثيرة واختلافات عديدة ومشادات واعتراضات، لكن كانت النهاية دائما لصالح المهنة وحمايتها والمجتمع وحقه فى صحافة وإعلام حر مستقل محترم.


كنا جميعا أثناء المناقشات محملين بعبء ثقيل متمثل فى ميراث عقود طال فيها الصحافة والإعلام ما طالهما من سلبيات وإيجابيات، إخفاقات ونجاحات، انحيازات بعضها للمهنة والبعض الآخر لمن فى السلطة أو من بيده القرار، وضعنا جميعا أمامنا الأسباب، التى كادت تؤدى بالمهنة إلى الانهيار، وفى المقابل تجارب دول عديدة من كل قارات العالم، من فرنسا وأمريكا إلى غانا، كل هذا بهدف واحد، أن نقدم مشروعا موضوعيا معبرا عن الواقع وحاميا للمهنة، مشروعا لا يعطى الصحافة والإعلام حصانة خارج الحدود المتفق عليها دوليًا، لكن فى الوقت نفسه يمنع بحزم كل محاولات سلطوية أو مالية لإختراق مهنة الضمير وتلوينها أو إفساد أهلها.


بقدر ما كنا حريصين على حماية الصحفى والإعلامى وضمان القدر الأكبر من الإستقلالية له، بقدر ما كانت أعيننا جميعا لا يغيب عنها حق المجتمع فى الحقيقة وإعلام البناء وليس الهدم والتخريب.


ما بين نقابة الصحفيين ومقر المجلس الأعلى للصحافة والشركة القومية للتوزيع توزعت الجلسات سواء للجان الفرعية الأربع أو للجنة التنسيقية وتنوعت المناقشات وتعددت الرؤى والأطروحات، التى لم يشارك فيها أعضاء اللجنة فقط، وإنما الغالبية العظمى من أبناء المهنة من خلال جلسات الاستماع، التى عقدت فى قلب المؤسسات الصحفية أو فى ماسبيروأو داخل مقر نقابة الصحفيين، لكن فى النهاية كان الإجماع على أن يكون ما نقدمه هو مشروع لإنقاذ المهنة وحماية الوطن.


فى الجلسات التى حضرت أغلبها، شاركت وزاملت عددا من كبار الصحفيين والإعلاميين وأبناء جيل الوسط والشباب، فكان المشهد داخل اللجنة وكأنه حوار بين الأجيال، شباب يريدون الوصول إلى أعلى سقف فى الحريات، التى تتخطى أحيانا فى أحلامها حتى الدستور الجديد، وكبار تفرض عليهم خبرة السنين ألا يغالوا وأن يضعوا كل نص بميزان من ذهب، وما بين الرأيين كانت الخلاصة أن نتجه جميعا إلى ما يحقق معنى الحرية المسئولة، فقدمنا نصوصا اتفقنا جميعا على أنها الأفضل لتنظيم مهنة الصحافة والإعلام فى تاريخ مصر وربما منطقة الشرق الأوسط، بل وترتقى بأوضاع المهنة فى السنوات المقبلة لتنافس فى ضوابطها ومعاييرها وقواعدها أقدم دول العالم فى الحريات الصحفية.


ولن أكون مبالغا إذا قلت إن السمات الشخصية لأعضاء اللجنة الوطنية، وخاصة من كانوا حريصين على حضور الجلسات والاجتماعات وقدراتهم وتفهمهم للمهمة وطبيعة المخاطر التى تواجه المهنة، كان لها دور بالغ الأثر فى إنجاز المشروع بنجاح.


فخبرة وروية رئيس اللجنة جلال عارف وسعة صدره لكل ما يطرح، وذكاء ضياء رشوان ومهارته فى تضييق مساحات الخلاف، ومهنية صلاح عيسى، ونقابية يحيى قلاش وتمسكه بأقصى حدود للحرية والحماية للمهنة وأبنائها، والثوابت المهنية والنقابية، التى تحملها أمينة شفيق وترفض التفريط فيها، وحيوية وحسم الوكيل خالد ميرى، حرفية كارم محمود وثقافة ودقة وقانونية جمال فهمى، وأفكار ياسر رزق الواقعية المنضبطة.


وفى المقابل حنكة الإعلامى المخضرم حمدى الكنيسى، وتشدد سيد الغضبان، وموسوعية جمال الشاعر وفطنة ومهنية على عبد الرحمن.. والرؤية الواقعية للدكتور العميد حسن عماد وثراؤه العلمى وسعة الاطلاع للدكتور محمود علم الدين، وأستاذية الدكتورة هويدا مصطفى وبساطتها.. والمعارضة الجادة لجمال عبد الرحيم، ومشاغبات أحمد أبو الفتوح وعامر الوكيل وعلى أبو هميلة، وتجارب ياسر عبد العزيز التدريبية، وهموم العاملين بالمهنة التى يحملها بحب العم حمدى مصيلحى، وعقلانية صالح الصالحى وحيوية أفكاره، ودأب الدكتور علاء عبد الهادى وأدبه وأدبيته، كلها كانت بحق أسبابا فاعلة ومؤثرة فى أن تتجاوز اللجنة كل الخلافات، وأن تقفز على كل العقبات، وأن تصل إلى خط النهاية بمشروع يرضى عنه الجميع رغم كل المحاولات، التى بذلت من البعض للتعطيل.


التوافق كان هو السمة الغالبة لحسم أغلب المواد، نحو مائتى مادة على الأقل من المشروع حظيت بالتوافق، لكن هذا لم يمنع من الالتجاء إلى التصويت مرة وأحيانا أكثر من ذلك من أجل حسم الخلاف حول بعض المواد الجدلية، والتى كانت سخونة النقاش حولها دليلا واضحا على جدية أعضاء اللجنة، وحرصهم على أن يخرج المشروع بالشكل الأنسب.


لا أدعى أن رضاء كل الأعضاء عن المشروع كان بنسبة مائة بالمائة، لكن الأهم أن كل من شاركوا من الأعضاء ارتضوا بمبدأ الأغلبية الحاسمة.


اختلفنا حول مدد رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارة، وزاد الخلاف والجدل حول مادة الجمع بين رئاسة التحرير ومجلس الإدارة، ووصل إلى غضب البعض، واشتد النقاش حول المواد الانتقالية، وأحقية رئيس الجمهورية فى اختيار بعض أعضاء الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام والمجلس الأعلى للإعلام، وكذلك القطاعات التى سيؤول إليها الوضع فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون.


تباعدت الآراء حول رأسمال الشركات المساهمة، التى تنشئ وسائل الإعلام، وكيفية التعامل مع المواقع ووسائل الإعلام الإلكترونية، وسن المعاش للصحفيين والإعلاميين والعمال والإداريين.


لكن رغم الخلافات التى وصلت فى بعض الأحيان إلى حد الانفعال والانسحاب من الجلسات، فالجميل أنه سريعا ما كانت تعود الأمور إلى طبيعتها ويتفق الجميع على أن المصلحة العامة هى التى تحكمهم، ومن أجلها لا مانع من التنازل بل والتضحية بالآراء الشخصية.


بعض المواد استغرقت مناقشتها أكثر من عشر ساعات وامتدت لأكثر من جلسة كى نصل فيها إلى تصور أقرب إلى الواقع، ومواد أخرى أجلت لأخذ الرأى القانونى حولها، ومواد توقف حسمها على كلمة أو لفظ واستغرق النقاش حول هذ اللفظ لساعتين، وفى بعض المواد وصلت الدقة إلى الاستعانة من أجلها بخبراء فى الإدارة والقانون كى لا نفتى فيما لا علم لنا به، ولم يكن كل هذا لأن اللجنة لديها سعة من الوقت أو رفاهية تمديد الجلسات، فكنا جميعا نعلم ضرورة إنهاء المشروع فى أسرع وقت، لكن كان الحرص دائما على أن تخرج كل مادة بالشكل واللغة والتصور الأفضل، الذى يحقق المصلحة المهنية والمجتمعية ويتوافق عليها الجميع، كان الهدف، كما قال جلال عارف، أن يخرج قانون يليق بصحافة مصر وإعلامها، وبوطن له تاريخ وحضارة وشعب قام بثورتين من أجل الحرية.


فى سبعة أبواب جاء المشروع، الذى يجمع لأول مرة بين تنظيم مهنتى الصحافة والإعلام فى متن واحد، ليؤكد على الثوابت المهنية ويحصد ثمار النضال النقابى ويجسد مكاسب ثورتى الشعب من خلال ميزات منحها ليس لمهنتى الصحافة والإعلام وإنما للمجتمع.


مكاسب حققت وبحرفية شديدة المعادلة الصعبة، حق الصحفيين والإعلاميين فى الحصول على المعلومات وحق القارئ أن يعلم وحق المواطن أن يشارك وحق الوطن أن يحمى نفسه ويضمن الاستقرار.


الجهد كان كبيرا والعمل كان صعبا، أحيانا كانت تمتد الجلسات لسبع ساعات متواصلة لتنتهى فى الثانية بعد منتصف الليل، لكن دون ملل لأن الجميع كانوا يدركون قدسية المهمة، التى اجتمعوا من أجلها، ولأن العمل كان مخلصا والغاية كانت واضحة فقد خرج المشروع بمكاسب عديدة للمهنة صحافة وإعلاما أوجزها رئيس اللجنة جلال عارف فى نقاط عديدة.


الأول إلغاء كل العقوبات السالبة للحرية فى قضايا النشر من كل القوانين ليتحقق بذلك الحلم، الذى طال انتظاره لجموع الصحفيين.


الثانى وضع كل النصوص والقواعد التى تضمن استقلالية المؤسسات الصحفية والإعلامية الوطنية لتكون معبرة عن المجتمع وليس حكومة أو حزبا أو رئيسا أو نظاما.


الثالث توفير المناخ المناسب لهذه المؤسسات كى تحقق أساليب الإدارة الرشيدة وكى لا تظل فى حالة تذلل للحكومة وتسعى دوما لإرضائها ولو على حساب المهنة من أجل توفير المرتبات والحوافز.


الرابع تغيير تركيبة مجالس الإدارات والجمعيات العمومية فى المؤسسات الصحفية القومية لتكون الأغلبية فيها للأعضاء المنتخبين لتكون أكثر تعبيرًا عن العاملين فى المؤسسات، وفى الوقت نفسه إلغاء أى تمييز فى العضوية بين العمال والإداريين والصحفيين، ليس هذا فحسب، وإنما وصل الأمر إلى تحديد دورتين فقط للعضو المعين، بينما ظل الباب مفتوحا أمام العضو المنتخب لأى عدد من الدورات.


الخامس وضع قواعد شفافة وموضوعية لاختيار رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات تضمن ألا يكونوا منتمين لحزب أو تيار سياسى وألا يتم اختيارهم بمنطق المحسوبية والمجاملات والسيطرة السياسية على وسائل الإعلام.


السادس تجريم الاعتداء على الصحفيين والإعلاميين أثناء تأدية عملهم وضمان حرياتهم الكاملة، بل وحماية قناعاتهم وحظر إجبارهم على أداء ما يخالف السياسة التحريرية، التى تعاقدوا على أساسها.


السابع حظر فصل الصحفيين إلا بعد عرض الخلاف بين المؤسسة والصحفى على النقابة لتسوية النزاع وإصدار قرار ملزم لجميع الأطراف وعدم الاعتداد بأى تصرف يخالف ذلك.


الثامن المد التلقائى للصحفيين حتى الخامسة والستين إلا فى حالات محددة ونادرة، مع جواز المد للعمال والاداريين بشروط معينة.


التاسع إلغاء الديون الحكومية المتراكمة منذ عقود على المؤسسات وتثقل كاهلها وتعطل أى محاولات لإصلاح أحوالها.


العاشر ولأول مرة وضع نصوص تنظم عمل المواقع الإلكترونية حتى يكون من خلال مؤسسات تضمن المهنية والجدية.


الحادى عشر وضع ضوابط وحدود لحصول القنوات الفضائية على الترخيص كى تكون ضمانة للجدية وتحقيق أكبر قدر من الالتزام بقواعد المهنية، وفى الوقت نفسه منع كل أساليب وأشكال الاحتكار لوسائل الإعلام.


الثانى عشر التأكيد على مراقبة تمويل كل المؤسسات الصحفية والإعلامية الخاصة والحزبية والقومية لضمان الشفافية فى التمويل ومنع أى تمويل مشبوه ووضع عقوبات رادعة لمن يتلقاه.


الثالث عشر الإلزام بمواثيق الشرف الصحفية والإعلامية ومعاقبة كل من يخالفها سواء كصحفيين وإعلاميين أو كوسائل صحفية وإعلامية.


ولأن المشروع ليس فقط للصحفيين والإعلاميين وإنما للمجتمع بكامله فقد كانت اللجنة حريصة على أن تضمن كل حقوق المواطن والمجتمع فى صحافة وإعلام يعبر عنهم، ولذلك فقد حقق المشروع مكاسب كثيرة وجديدة للمواطنين حددها الدكتور حسن عماد فى عدد من النقاط:


أولها التأكيد على حق المواطن فى الشكوى من أى ممارسات مهنية تنتهك خصوصيته أو تتجاوز حقوقه.


الثانى احترام قواعد المهنة، التى يبحث عنها المجتمع من زمن والتى تتمثل فى الدقة والإنصاف والنزاهة والعدالة والاعتذار عند الخطأ، واحترام حق المتضرر فى الرد وتصويب الخطأ والكشف عن مصادر التمويل.


الثالث التزام الصحفى أو الإعلامى باحترام الحقيقة مهما كانت النتائج ومهما كان موقفه الشخصى من الحدث، مع احترام سمعة الأفراد وخصوصيتهم وتجنب العداء الشخصى وعدم تلوين الأخبار وعدم اللجوء إلى الانتقامية.


الرابع عدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء السياسى أو الدينى وعدم اللجوء إلى صحافة وإعلام إثارة النعرات العنصرية وامتهان الأديان أو الدعوة إلى كراهيتها أو الطعن فى إيمان الآخرين.


وكل هذا سيطبق ويحقق من خلال الهيئات الثلاث التى نص المشروع على إنشائها إعمالا بالدستور الجديد وهى المجلس الأعلى لتنظيم الصحافة والإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، ولأنها هيئات ستلعب دورا كبيرا فى ضبط المشهد الصحفى والإعلامى فقد كان الحرص الشديد داخل اللجنة وخلال كل الجلسات، ومن جميع الأعضاء أن تكون هيئات مستقلة فعلا وليس شكلا وتبلور هذا من خلال تشكيلها المتوازن وطبيعة علاقتها بالسلطات الثلاث فى الدولة وطرق ومصادر تمويلها.


خلاصة الأمر أن المشروع الذى انتهى إليه عمل اللجنة يمثل ترجمة صريحة لأحلام الصحفيين والإعلاميين وتعبير عن دستور راق حقق ما ناضل من أجله المصريون.


بالتأكيد ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد يكون البعض لم يحققوا كل ما كانوا يريدونه أو يتمنونه، وهذا طبيعى فى أى قانون، لكن المهم أن هناك مكاسب كبيرة تستحق ما قاله يحيى قلاش، نقيب الصحفيين، من أن نسعى للحفاظ عليها وتمريرها، فما بين أيدينا الآن مشروع يحتاج الالتفاف حوله من كل أبناء المهنة، وعلى حد قول ضياء رشوان أمين عام اللجنة الوطنية فقد انتهى الجهاد الأصغر وبدأ الجهاد الأكبر، وهو التفاوض الذى سيبدأ مع الحكومة من أجل إقرار المشروع، بالتأكيد لن يكون التفاوض سهلا، ليس فقط لأننا نتوقع أن تكون الحكومة متعسفة، ولو بعض الشيء، وإنما لأن هناك بالفعل فى المجتمع من لا يريد صدور هذا المشروع، بل ويصرون على وضع العقبات فى طريقه، لأنهم أعداء لأى مساحة حرية ولو كانت منضبطة وموضوعية ومسئولة، ولهذا أستعين من ضياء رشوان قوله بأن علينا أن نتوقع مقاومة، ولا مجال أمامنا إلا أن ندع خلافاتنا، فقد قام أعضاء اللجنة بالواجب واختلفوا حول المواد بما فيه الكفاية، بل واستنفدوا كل محاولات الخلاف ولم يبق الآن إلا أن نتوحد من أجل إنجاز هذا المشروع مع الحكومة قبل انتخاب مجلس النواب القادم، ففى الوقت الراهن سيكون التفاوض مع الحكومة فقط، وهذا أسهل وأفضل كثيرا لأنه بعد ذلك، وعند انتخاب مجلس النواب سيكون هناك طرف ثالث لا نعرفه وربما يكون متعتنا بشكل يهدد أحلام الصحفيين والإعلاميين، التى عبر عنها المشروع أو ينتقص منها، فهل يستطيع أبناء المهنة أن يتفقوا ويتوحدوا من أجل مشروع جاء لينصفهم.