أين مقبرة الملكة نفرتيتى ومومياتها؟

19/08/2015 - 2:18:50

تتحقيق تكتبه : أمانى عبد الحميد

تناقش اللجنة الدائمة داخل وزارة الآثار الطلب الخاص بعالم الآثار البريطاني نيكولاس ريفز للقيام بحفائر علمية داخل منطقة تل العمارنة في الوقت الذي التزمت فيه الوزارة الصمت ولم تبدِ أية ردود أفعال حيال ما قام به «ريفز» المتخصص في آثار وادي الملوك بالإعلان بشكل منفرد، مخالفا بذلك كل التقاليد العلمية عن وجود مقبرة الملكة نفرتيتي داخل غرفة خفية خلف الجدار الشمالي لمقبرة الملك توت عنخ آمون على اعتبار أنها والدته وليست زوجة أبيه إخناتون, مما أثار جدلاً كبيراً بين علماء المصريات حول العالم حول حقيقة ما كشف عنه «ريفز» خاصة في ما يتعلق بعلاقة نفرتيتي والملك توت ومقبرتها الخفية وبالتالي احتمال العثور على مومياء جميلة الجميلات وسيدة الأرضين زوجة الملك الثائر نفرتيتي.


فجأة وبلا أية مقدمات أعلن عالم الآثار البريطاني نيكولاس وأستاذ علم المصريات بجامعة «أريزونا» الأمريكية عن اكتشافه للموقع الخفي لمقبرة جميلة الجميلات «نفرتيتي» من خلال مجموعة من الافتراضات القائمة على بعض الصور لعملية المسح الضوئي لمقبرة الملك توت عنخ آمون؛ حيث أكد أنه عثر على باب سري في غرفة دفن الفرعون الصغير قد يوصل إلى ما يبحث عنه علماء الآثار منذ أكثر من مائة عام، وهو المثوى الأخير لنفرتيتي، أشهر ملكات مصر القديمة وزوجة أكثر فراعنتها أهمية وإثارة للجدل قبل ٣٣٠٠عام،


الكشف الجديد استند إلى صور أشعة بالغة الدقة ومسح «ديجيتال» ثلاثي الأبعاد لجدران غرفة دفن الفرعون الذهبي التي اكتشفها هوارد كارتر قبل ٩٣ سنة، من خلال ملاحظة وجود «طيفي» لغرفتي دفن قام بعزلهما بناة القبر أنفسهم، إحداهما تؤدي برأيه إلى غرفة «محتويات» ضيقة, أما الثانية تقود إلى غرفة يتوقع أن يتم العثور داخلها على ما وصفه «ريفز» بأنه: “أهم اكتشاف فرعونى وهى غرفة دفن نفرتيني..”, بل يقول في دراسته: إن المقبرة “لا تخص توت عنخ آمون وحده بل تحوي في جوفها مومية والدتها الملكة نفرتيتي..” ويدلل على اكتشافه بأن الموت المفاجئ للملك الشاب توت أحدث ارتباكاً في القصر الملكي الفرعوني, لم يبنوا مقبرة تليق به سلفاً، ولأن التقاليد تفرض تنظيم جنازة للملك بعد ٧٠ يوماً فقط على وفاته، وقعوا بمأزق كان الحل عبارة عن البحث عن مقبرة في «وادي الملوك» ووقع الاختيار على واحدة صالحة سبق أن تم تصميمها بديكور متواضع لشخص نبيل، إلى أن عثر عليها البريطاني هوارد كارتر في ١٩٢٢.


وفي المقابل أكد د. محمود عفيفي رئيس قطاع الآثار المصرية بوزارة الآثار أن «ريفز» أعلن عن دراسته دون الرجوع لوزارة الآثار برغم أنه تقدم بطلب للقيام بحفائر علمية داخل منطقة آثار تل العمارنة التي تحوي آثار مدينة “آتون” عاصمة مصر خلال فترة حكم إخناتون وزوجته نفرتيتي التي استمرت ما يزيد على ١٧ عاماً, ولم يتقدم بطلب للقيام بحفائر داخل وادي الملوك أو لاستكمال ما أعلن عنه من اكتشاف مقبرة الملكة نفرتيتي, مشيرا إلى أنه من غير المقبول أن نقوم بهدم أحد جدران مقبرة أشهر ملوك مصر القديمة من أجل بحث أو دراسة لم يتم حتى الآن ثبوت صحتها, قائلا: « لاتزال وزارة الآثار واللجنة الدائمة تبحث في مدى صحة نظرية ريفز..».


في حين يؤكد د. زاهي حواس وزير الآثار السابق ورئيس البعثة العلمية المصرية الوحيدة التي عملت بوادي الملوك أن ما أعلن عنه عالم الآثار البريطاني لا أساس له من الصحة وأنها ليست السابقة الأولى له والتي يدعي فيها اكتشاف مقبرة باستخدام أشعة الليزر ثلاثية الأبعاد ثم يتم اكتشاف عدم دقتها, وأوضح أنه لا توجد خلال عصر الأسرة الـ ١٨ مقبرة داخل مقبرة على الإطلاق وهو طراز غير موجود إلا في الأسرة الـ ١٩ وكان الملك يبنيه لنفسه وليس لشخص آخر, وبالتالي فمن المستحيل أن مقبرة الملك توت عنخ آمون أن تحوي مقبرة أخرى للملكة نفرتيتي التي يصفها «حواس» بقوله:»لا هي أمه وليس لها صلة لها بالملك توت..».


ويعتقد من وجهة نظره الأثرية د.»حواس» أن نفرتيتي قد حكمت بعد إخناتون تحت اسم « سمنخ كارع» من مدينة «آتون» بتل العمارنة وليس الأقصر, وهنا يقول : « لا يمكن لكهنة آمون أن يسمحوا لامرأة مارقة أن يكون لها مقبرة في وادي الملوك..» والدليل أن الملك توت نقل فقط مومياء والده إخناتون فقط إلى المقبرة ٥٥ , لذا يؤكد د. «حواس» أنه لايمكن أن تكون هناك مقبرة على الإطلاق لنفرتيتي في وادي الملوك, علاوة على أن هناك ملكتين حكمتا مصر تم دفنهما في وادي الملوك هما «تاؤورست» و”حتشبسوت” ومقابرهما ليست متجهة إلى الشرق بل من الشمال إلى الشرق, إلا أن «ريفز» يرى أن نفرتيتي نجحت في احتواء ثورة كهنة آمون وحكمت بعد إخناتون من الأقصر وليس من «آتون» بتل العمارنة.


ويوضح «حواس» أن الجدار الشمالي للمقبرة يحوي رسوماً لاثنى عشر قردا يمثلون ساعات الليل فيما هو موجود في العالم الآخر, أما الجدار الغربي فيحوى مشهد قيام الكاهن «آي» بعملية فتح الفم للمك توت عنخ آمون وهي طقسة جنائزية للمك عند وفاته ومعناها «فتح الفم لكي تأكل في العالم الآخر» وفوق كل منهم اسمه مكتوب بالهيروغليفية, والتي يرى»ريفز» أن المشهد يحوي نفرتيتي والملك توت وأنه يرى خطوطا وظلالا تثبت وجود حجرتين خلف حجرة الدفن مما دفعه إلى القول بأن من بنى المقبرة جعلها قسمين منفصلين، أحدهما عثر فيه كارتر على مومياء توت عنخ آمون، فيما بقي الآخر مجهولاً، وهو الأمر الذي رفضه «حواس» تماما لأن «كارتر» أمضى أكثر من عشر سنوات يدرس المقبرة بعد اكتشافها وعلى حد قوله :” الفرصة كانت متاحة أمام كارتر لاكتشاف خبايا المقبرة ..ولو كانت هناك خبايا لكان اكتشفها..» وكان من السهل فتح الجدار واكتشاف ما هو موجود خلفها، وفي ذلك القسم يعتقد “ريفز” أنهم وضعوا جثمان نفرتيتي.


لذا يطالب «حواس» تشكيل لجنة أثرية من خمسة علماء متخصصين في منطقة آثار وادي الملوك، ويقترح ان تضم علماءً مثل كنت ويكس, بيتر لاكوفارا, وأمين قسم المصريات في المتحف البريطاني ومتحف اللوفرومعهم نيكولاس ريفز، علاوة على مصاحبة عالم آثار مصري يقوم بدراسة خرائط “آدم لو” التي استعملها في التدليل على اكتشافه, ويقوم بفحص المقبرة وتفنيد أسانيده,على أن يتم استعمال جهاز رادار متقدم لفحص إمكانية وجود غرفة اخرى خلف الجدار الشمالي والغربي للتأكد من صحة ما قاله «ريفز»,خاصة أن «ريفز”أعلن أن ٨٠٪ مما تم العثور عليه في مقبرة توت عنخ آمون «لا تعود إلي الملك، بل للملكة نفرتيتي، زوجة إخناتون، المغضوب عليه من كهنة أحبطوا ثورته الدينية وجاءوا بابنه إلى العرش، ثم قضى «ربما قتيلاً» وعمره لم يتجاوز التاسعة عشر.


في حين أكد د. حسن سليم أستاذ الآثار المصرية بجامعة عين شمس والذي عمل مع «ريفز» لسنوات داخل المتحف البريطاني أن ما قدمه «ريفز» قد لا يمثل دليلا قويا على وجود مقبرة نفرتيتي بسبب امتلاء جبل البر الغربي بالتصدعات والفجوات التي قد تبدو وكأنها فراغات أو مقبرة خفية, لكنه يعود ويقول : « علم الآثار قائم على الفرضيات التي تحتاج لدراسة وبحث لإثباتها أو نفيها أو حتى بقائها كاحتمال وارد..دون أن يكون هناك دليل دامغ على صحة ما يقوله عالم الآثار..» ومن الناحية العلمية يؤكد د.»سليم» أن الدراسات كشفت أن المقبرة كانت معدة للكاهن «آي» وليست للملك توت عنخ آمون لكن وفاته بشكل مفاجئ دفع الكهنة لاستخدامها وبنى «آي» مقبرة أخرى له في وادي القرود, ورغم ذلك أن كل الكتابات الهيروغليفية داخل المقبرة تحمل اسم الملك توت, كما يوضح أن الفكرة التي طرحها «ريفز» بأن نفرتيتي هي والدة الملك توت وليست زوجة أبيه وأنها هي من تظهر معه على جدران المقبرة وليس «آي» هي فكرة قديمة ولم يلتفت إليها العلماء نظرا لضآلة احتمالاتها, خاصة أن هناك نصوصاً أثرية صريحة تؤكد عدم صحة نظريته, ويشير إلى إمكانية القيام بحفائر داخل مقبرة الملك توت دون أن تمثل خطراً عليها, لكنه يعود ويتساءل قائلا : “ من الذي سيقوم بالحفائر العلمية السليمة؟..” ,


وفى عام ٢٠٠٧ قامت شركة «فاكتوم آرت» الإسبانية بالمسح الضوئي ثلاثي الأبعاد باستخدام أشعة الليزر ضمن مشروع بناء نموذج طبق الأصل لثلاث مقابر أثرية بوادي الملوك وهى مقبرة الملك توت عنخ آمون، ومقبرة نفرتاري، ومقبرة سيتي، وذلك خلال فترة تولي د.زاهي حواس للمجلس الأعلى للآثار؛حيث إنه اتفق مع جمعية الحفاظ على مقابر البر الغربي السويسرية على ضرورة حمايتها عن طريق بناء نماذج طبق الأصل منها وكانت البداية بمقبرة الملك توت, وقام الاتحاد الأوربي بتمويل المشروع, وقام بعملية المسح بالليزر الأسباني “آدم لو”، وللأسف قام بنشرها على الإنترنت رغم أن ذلك مخالف للقوانين لأن من يملكها هو الجانب المصري, وعلى صور «لو» اعتمد «ريفز» في بحثه وبنى عليها نظريته.