محمد عبلة: الحكومة تلعب بالنار بإدخال الثقافة في صفقة توازنات

19/08/2015 - 2:05:27

  محمد عبلة فى حوار ه للزميله شيرين صبحى محمد عبلة فى حوار ه للزميله شيرين صبحى

حوار: شيرين صبحى

يلعب الفنان محمد عبلة دوره السياسي مضطرا، يدرك أن هذا يأخذ من وقته كفنان، ورغم أنه يعرف يقينا أن الفن أكثر خلودا من أي شيء، لكنه يعلم أيضا أنه كلما ازداد عدد محبي الفنون، فهذا يعود عليه بالنفع في النهاية. يقول: الفنانون يتركون مراسمهم ويقومون بأدوار أخرى لأنها إذا أظلمت سوف تظلم على الجميع..!


يخشى عبلة أن يكون تجاهل الثقافة أمرا مقصودا من حكومة المهندس إبراهيم محلب، يحذر من إدخال الثقافة في لعبة التوازنات مع التيارات الإسلامية، لأن أي اخفاقات ستؤدي إلى كارثة. يردد: ما لا يستطيعون فهمه أن المثقفين سوف يؤدون دورهم، فالأفضل أن يؤدوه دون تصادم!


قلنا لعبلة: أنت فنان وسياسي وعلاقة السياسة والثقافة دائما تتسم بالشد والجذب ومحاولات من السلطة لإخضاع المثقف أين نحن من هذه العلاقة الآن؟


قال: هناك أدوار يلعبها الإنسان أحيانا مضطرا مثل حالتي. وعيي السياسي الحقيقي بدأ في ٢٠٠٤ مع حركة كفاية، وفكرة أن يصرخ أحد ويحتج، خاصة مع وجود سطوة أمنية قوية أيام مبارك. وجدت أناسا أكبر مني سنا ينزلون الشارع ويحتكون. لوحاتي كان بها التزام وبعد اجتماعي ولمحات سياسية، لكني اكتشفت أن الرسم وحده ليس كافيا، لشرح وجهات نظر يتبناها الإنسان.


لكن رؤية المبدعين لم تكن واضحة بالدرجة الكافية التي تجعلهم يؤثرون في الشارع المصري؟


آليات تحريك الشارع لا أحد يستطيع أن يتنبأ بها بشكل حقيقي، هناك أشياء كثيرة جدا كان يمكن أن تحرك الشارع، لكنه تحرك لأسباب أخرى. الناس كانت في حالة نوم وثبات شديدة جدا وكثيرون وأنا منهم بدأوا يقتنعون أنه لن يتحرك، لكن تحدث المفاجآت. فعلا الشعب المصري له كتالوجه الخاص، لا أحد فينا يستطيع القول أنه يحرك الناس لأنه لا يمتلك تلك المفاتيح. لكن بشكل عملي في ٢٠٠٤ عندما عملنا أول تظاهرة لحركة كفاية أمام مجمع التحرير كنا حوالي ٦٠ أو ٧٠ شخصا وتم إحاطتنا بألفين من الأمن وبدأوا يضيقون علينا الخناق. كان يشارك عبدالوهاب المسيري وجورج إسحاق وغيرهم، بدأت أنظر كيف أنهم يمتلكون القوة التي تجعل حالة الذعر الأمني تظهر هكذا.


بدأت أهتم أكثر وكونا ما يسمى «أدباء وفنانون من أجل التغيير»، وبدأ عملي يتغير حيث مزجت بين عناوين الصحف والرسم، لإيصال رسالة بصرية مقروءة عن الوضع في مصر. أيضا الظروف ساعدتني عندما حدثت مشاكل في جزيرة القرصاية، حيث أعيش ومحاولة الاستيلاء عليها بالقوة، التف حولي أهل الجزيرة وحدثت احتكاكات كثيرة مع الأمن والجيش.


في القرصاية قلت للأمن أن الأهالي لهم حق ولابد أن يأخذوه، فسألوني هل يستطيعون أن يقفوا أمام الأمن؟ قلت نعم، قالوا بماذا؟ قلت ليس بالسلاح أكيد ولكن بالفن. فظلوا يضحكون! فأردت فعلا إثبات أن الفن يستطيع فعل شيء، وبدأت أعمل حركة مقاومة شديدة جدا من ٢٠٠٧ إلى ٢٠٠٩ قوامها الفن.


لعب الفن والثقافة دورا في الميدان أثناء ثورة يناير ووصل ذروته قبل ٣٠ يونيو عندما قلتم للوزير الإخواني ارحل واستوليتم على الوزارة؟


أنا ثالث شخص دخل وزارة الثقافة، سبقني صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر، كنا حوالي ١٢ شخصا اكتملنا على الظهر وأعلنا أننا استولينا على الوزارة وأرسلنا برقيات أنه لن يدخلها وبالفعل هذا ما حدث. بعد اعتصامنا بأسبوعين أعلنا أننا لن نقيل الوزير وحده بل نريد رحيل محمد مرسي! بالفعل المثقفون لهم دور لا يتخلون عنه، لأنهم يمتلكون البذرة التي تجعلهم يستمعون ويخزنون، لكن في لحظة ما عندما يشعرون بالخطر يتحركون. هذا ما أعيب عليه الآن المسئولين في مصر أنهم لا يستطيعون إدراك أن المثقفين «على آخرهم» لكنهم أذكياء بالطبع ويحسبون الأمور ويدركون أن الظروف غير ٣٠ يونيو تماما.


بعد ٣٠ يونيو قنع المثقفون وسلموا الراية فهل ردت الدولة الجميل واهتمت بالثقافة؟


لا مطلقا، نحن انتظرنا ثم بحثوا في الوزارة وقدموا وجوها قديمة على أساس أن لها رصيدا عند البعض، حتى يضمنوا عدم الاحتجاج، ويمتصوا اتساع دائرة الرفض، لكن الحقيقة أن هذا لم يرض غالبية المثقفين، وحدثت احتجاجات كثيرة على جابر عصفور وصابر عرب، لكن طوال الوقت كنا نتلمس هل هذه الحكومة لديها رؤية للثقافة أو انتباه لأهمية دورها؟ وعندما جاء الوزير الجديد قلنا إنه ربما لديهم خطة أو فكرة خاصة أنه شاب ووجه غير معروف وهناك احتمال أن تكون لديه ملكات خاصة، وخصوصا أن الغالبية العظمى من المحتجين بالفعل ليس لديهم مصلحة وبعضا منهم طُلب توليهم الوزارة لكنهم رفضوا. عن نفسي يهمني أن يكون شابا ليس شرطا أن يكون لديه تاريخ لكن مهما أن يدرك لماذا جاء وما الذي عليه فعله!


ليس بالضرورة أن يفعل الوزير شيئا في ستة أشهر، لكن ضروريا أن يكون ناويا فعل شيء وهذا يتضح هل تصدر في شيء مهم، أم «جاء في الهايفة وتصدر»، عندما تشعر أنه يبدأ بـ»الهايفة» إذن لا فائدة!.


هناك شيء آخر مهم أن أي شخص يأتي لا يقرأ الخريطة الثقافية لمصر، هل يتصور أن الأفراد هم الفاسدون، لكن المنظومة نفسها فاسدة، مثلا رئيس هيئة الثقافة الجماهيرية يصل دخله إلى أرقام فلكية وكلها بالقانون، فهو رئيس كل الاجتماعات واللجان. هناك إشكالية أن المبدعين يعملون موظفين، ولا أحد يستطيع الاقتراب من منطقة أن يكون الثواب على قدر العمل.


هل طرحتم هذا في لقاءكم مع رئيس الوزراء إبراهيم محلب؟


منذ شهور شعرت أن هناك خطورة وحدثت محمد العدل، وعرض خالد يوسف أن يحدد موعدا مع رئيس الوزراء، وبالفعل وجدنا كل الناس لديهم غضب من تصرفات الوزير وأدائه، ليس لأنه أطاح بفلان، فهذا يمكن اعتباره لضرورات العمل، لكن التغيرات تعطي دلالات، منها ما يدل على الغباء الشديد عندما تنحي أشخاصا فاعلة تقدم خدمات جليلة، كما أنك تفعل هذا دون حجج واضحة تقنع الجماعة الثقافية. آداء الوزير يدل على أنه لا يريد العمل، وهذا تكنيك كان يفعله الإخوان، في قصور الثقافة والفنون التشكيلية هناك منتقبات وأشخاص يكرهون الفن. هناك إخوان تم زراعتهم داخل الوزارة، أعرف أحدهم وعندما سألته ماذا كنتم تفعلون؟ قال: خطتنا كانت ألا نعمل..!


هل أعطاكم محلب إجابة؟


للأسف نحن لدينا حلم، ونتصور أن رئيس الوزراء شخص مثلنا فنان وانفعالي، لكن هؤلاء ليسوا مثلنا أبدا. ردوده دبلوماسية ولا يريد أن يتورط، وقلت له إن الخوف كله أن يكون الأمر مقصودا.


أين المعضلة تحديدا؟


هم يلعبون بالنار عندما يدخلون الثقافة في صفقة توازنات، يمكن أن تعطيهم وزارة الزراعة أو غيرها لكن لا تعطيهم وزارتا التعليم أو الثقافة مطلقا.


من هم؟


الدولة تريد عمل توازنات مع التيارات الإسلامية، فعندما تدخل الثقافة جزءا من هذه الصفقة فهذا لعب بالنار. الدولة لن توافق أن تنقلب إلى إسلامية لأنها رفضت هذا من قبل، ولن تتركها للمثقفين حتى يديروا المعركة. ذهابنا لرئيس الوزراء معناه إذا كانوا لا يعرفون أن هذا الرجل انتماءاته إخوانية فهذه خطورة، وإذا كانوا يعرفون فهذه خطورة لابد من الانتباه إليها. لأن أداءه كله يسير في طريق الإخوان.


هناك قانون الاعتياد، فإذا مررت بأي قصر ثقافة ووجدت نشاطا سوف تستغرب جدا. فاروق حسني عمل أشياء إيجابية كثيرة وسلبية مثلها وهذه كانت خطته. لم يكن شريرا ولكنه أراد أن ينجح، قال إن الفاسد في كل الأحوال سوف يسرق سواء عمل أم لا لهذا قام بتشغيله. أصبح هناك تعود على الفساد. وأصبحت هناك توليفة مقننة للفساد لدرجة أن كل موظفي الوزارة يعتقدون أن لا شيء ينفع غير هذا.


الوزير الحالي جاء أثناء رمضان وأوقف كل الأنشطة بجرة قلم، رغم أن كل الناس أخذت مرتباتها والديكورات تم تنفيذها وكل العروض كانت جاهزة. كانت فرصتك في رمضان لكي تحارب الارهاب. كل هذا يجعلنا نرى أن الوزير بالفعل جاء بنفس منهج الوزير الإخواني علاء عبدالعزيز الذي أطحنا به وليس هناك أي إشارات مطمئنة.


أنت من مؤيدي فكرة إلغاء وزارة الثقافة مع استمرار الكيانات الكبيرة مثل المجلس الأعلى للثقافة؟


نعم، الوزارة عبء كبير جدا، لابد أن تحدث ثورة إدارية للناس لأن الوزارة بها ٣٥ ألف موظف لابد إعادة تأهيلهم بحيث يكونون قادرين على العمل، هناك على الأقل ٣٠ ألفا لا يعملون!


إذا حصلت الفكرة على قبول هل لديكم تصور كيف تسير الأمور؟


منذ ٢٠١١ ولدينا تصور كامل لإعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة، وعملنا مؤتمرا كبيرا لمناقشة الأمر وهناك ورق مكتمل، المجلس الأعلى ضرورة لأنه من يضع السياسة الثقافية، لأن الثقافة بها ثوابت ومتغيرات، من الثوابت مثلا نشر التنوير وكيف تدفع الناس للتفكير ومن المتغيرات أين تتوجه خارجيا بثقافتك، عندما تريد الانفتاح على الصين غير تركيا غير أفريقيا. سألت محلب «أنتوا قلتوا له هو جاي يعمل إيه؟» لأنه حدثت أحداث كثيرة ولم يدل الوزير بدلوه، مثلا مشكلتنا مع أثيوبيا علاجها في المقام الأول ثقافي وهو كيف نخفف حدة العداء لأنهم يعتقدون أن المصريين يريدون أخذ كل شيء، فالدعاية المضادة لمصر لابد أن تعالج ثقافيا. قبل الثورة الفنان محمد ناجي كان له دور كبير جدا في جعل هيلا سيلاسي يحب مصر، والمصريون لأول مرة يرون الطبيعة الأثيوبية وأصبح هناك لوحات الحبشة. الفن له دور مهم جدا. أتمنى أن يكون لدى وزرائنا هذا الفهم.


ولكن هل دور الفنان أن يوعي الدولة كيف تقوم بدورها؟


أنا متورط في هذا الأمر. أولا بشكل شخصي ونفعي جدا هذا يعود علي في النهاية حيث يزداد عدد من يحبون الفن، الفنانون يتركون مراسمهم ويقومون بأدوار أخرى لأنها إذا أظلمت سوف تظلم على الجميع. كلما ازداد الوعي والاحساس بالجمال يصبح هناك مردود، أسعد لحظاتي أن أرسم، لكن في النهاية هناك التزام مجتمعي، لأن الفنان ليس صانع لوحات بل يرسم لضرورة، أعرف يقينا أن الفن أكثر خلودا من أي شيء آخر.


هناك مبدعون في لجان عديدة بالوزارة لكن الجانب البيروقراطي يخصم من رصيدهم نحن ضد أن يقوم المبدع بإدارة وزارة الثقافة؟


المبدعون الذين يعملون باللجان غالبا يصيبهم اليأس أو التكلس ولا يقدمون جديدا وبعضهم ينسحب وهناك جانب من الشللية؟


كنت عضوا في أحد لجان المجلس الأعلى للثقافة مرتين، وقدمت استقالتي في المرتين. داخل اللجان قل «ريان يا فجل» لكن ليس هناك آلية للتنفيذ. هناك لجنة الحكماء الذين اعتقدوا أن دورهم هو الجوائز، لكن دورهم أن يأخذوا محصلة توصيات اللجان لصياغة السياسة الثقافية.


هل هناك نماذج اتفاقية في الخارج تصلح للتطبيق في مصر؟


النموذج في ألمانيا مثلا، هناك معهد جوتة مهمته نشر الثقافة الألمانية في العالم، أما في الداخل ألمانيا فهناك ما يشبه معهد جوته، ليس مهمته إنتاج ثقافة بل شراءها، يدعم الإبداع الذي يحقق صدى ويختار منه ما يمثل ألمانيا في الخارج.


في فرنسا هناك دعم من الدولة للثقافة والأنشطة مستقلة ربما هذا أقرب لنا؟


فرنسا لديها وزير ثقافة لكن صلاحياته مختلفة عنا تماما، هو يعمل من خلال شيء مثل المجلس الأعلى للثقافة، ويكون منصبه شرفيا لكن الوزارة لا تنتج ثقافة بل تبحث عن نماذج، وهناك ثوابت يتم تدعيمها.


لماذا لا يكون منصب أمين المجلس الأعلى للثقافة بالانتخاب؟


المفترض أن أمين المجلس أقوى من الوزير لأنه الجهة الرقابية على الوزير، وبالتالي لا يفترض أن يختاره الوزير. عندما قلت للأمين الحالي مكانك أقوى من الوزير. قال: أنت تعلم أننا في مصر! قلت له: نعم وأنت راض ألا يكون لك صوتا وستظل طوال عمرك بلا صوت!


المجلس الأعلى لابد أن ندرك قوته، ووجهت دعوة بالاستقالة الجماعية من اللجان والمجلس، فكيف يقبل المثقفون أن يكون هذا وزيرهم! شخص لا يعرف ماذا يفعل وليست لديه خطة يعمل بها، وهذه كارثة. كل هذا يحدث حولنا وليس لنا رأي فيه كثقافة.


عندما جلست مع رئيس الوزراء هل شعرت أنهم اختاروا هذا الوزير لكي يغيروه؟


هو لا يقول، لكن تشعر أن هناك مؤامرة.


مؤامرة ممن؟


هناك نظرة ضيقة لدى الحكومة أننا نريد أن نمر بهذه المرحلة، «نمشي الأمور المرة دي». يمكن أن تفعل هذا في الكهرباء أو غيرها لكن الأمر لا يصلح مع الثقافة لأن أي إخفاقات كارثة.


عندما سألنا وزير الثقافة عن الخطاب الديني قال لماذا لا نتحدث عن تجديد الخطاب الثقافي؟


هو يعرف ماذا يريد، إننا لا نريد خلافا مع الأزهر، د. عصفور لم يرد الخلاف مع الأزهر الذي أراد أن يكون جهة رقابية، ويكون هناك موظفون من الأزهر في هيئات الوزارة. د. عصفور لم يكن يريد أن يعطي هذه اللقمة لشيخ الأزهر، لكنه ليس وعيا منه ولم يلمس لب الموضوع وحوله إلى خلاف بينه وبين الأزهر.


إلى أين تسير الأمور؟


كل خوفي أن الجماعة الثقافية لن تهدأ وسوف تنفجر ويصبح هناك أجواء سيئة، مع الوقت سوف يشعرون بالخنقة، لا يجب أن ننظر إلى الـ٢٠٠ شخص الذين يستطيعون العيش ولا يحتاجون شيئا، هناك آلاف من الشباب هذه حياتهم، وهؤلاء مع الوقت زاد عددهم، عندما نغلق عليهم هذا المجال سيحدث انفجار أكيد.


إذن نحن بإزاء تصعيد أكبر مما حدث أيام الوزير الإخواني؟


بالطبع، ليس لدرجة احتلال الوزارة، لكن بأساليب أخرى، سوف يعبرون عن استيائهم بوسائل كثيرة، “سيبك من عواجيز الفرح الذين يثورون ويهدأون”.


مازلنا في حالة حرب على الإرهاب ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة؟


نحن أصلا جنود في المعركة، ووجودنا يرعب الإرهابيين. المتطرفون بدأوا يستخدمون أساليب المثقفين لتوصيل رسالة إرهابية ونجحوا في هذا، فما بالك أنت تريد إرسال رسالة سلام ولا تريد استخدام المثقفين، هذا غباء!


هل يمكن تصعيد الأمر بمقابلة السيسي شخصيا؟


بالطبع، قلنا هذا بالفعل لمحلب.