نور على نور

19/08/2015 - 3:45:45

بقلم - نجوان عبد اللطيف

كان عادل هو فارس أحلام أختى الكبيرة المراهقة وصديقاتها ذات الـ١٣ عامًا، كانوا يجتمعون فى منزلنا عقب كل حلقة ليتحدثوا عن هذا الشاب النحيل والتزامه وأفكاره المتطورة، وجرأته فى انتقاد السلبيات حتى ولوكانت عادات وتقاليد أوعرفا متبعا، أما أنا وزميلاتى الأطفال كنا نرى فى «عادل» الابن الاصغر فى عائلة مسلسل «القاهرة والناس» البطل أو الشخص النموذج.. ابن ثورة ٢٣ يوليو التى ندرس تاريخها فى مادة الدراسات الوطنية، الابن الذى لا يريد للثورة التى يؤمن بها أن تحيد عن أهدافها الستة، كان نور الشريف هو الأبرز بين نجوم المسلسل الرائع القاهرة والناس الذى كنا ننتظره أسبوعيا على مدى ٥ سنوات، كل الأسرة من الأطفال إلى الشباب إلى الكبار، كان أول ظهور له على شاشة التلفزيون دخل بهذا الدور بيوتنا، واحتل مكانًا فى قلوبنا شعرنا جميعًا أنه «واحد مننا».


لم يخب نور أحلام الصغار، ظل هو الفارس بالتزامه فنيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، منذ اللحظة الأولى قدم نور نفسه على أنه ابن ٢٣ يوليو وظل ناصريًا فى حياة عبد الناصر وبعد رحيله، ولكنه لم يكن أبدًا من دراويش الناصرية، قام ببطولة فيلم الكرنك الذى أخرجه الناصرى أيضًا المخرج الجميل على بدرخان، والذى كان أول فيلم ينتقد التعذيب فى نظام ناصر، وإن كان نور اعترف مؤخرًا بمبالغة الفيلم والتركيز على قضية التعذيب دون النظر للصورة مكتملة، وأشار إلى أنه لم يكن ناضجًا سياسيًا.


رغم الحملة الكبيرة، التى خاضها نظام السادات ورموزه الإعلامية على نظام عبد الناصر، إلا أن نور الشريف الذى لم يغريه ذهب المعز، ولم يخش سيفه، ظل مخلصًا لأفكاره وقناعاته ولم يخف يومًا ناصريته، بل على العكس أراد نور انتقاد سياسة الانفتاح اقتصادى السداح مداح وإطلاق بور سعيد مدينة حرة للتجارة والتهريب للبضاعة المستوردة، بدلًا من تهيئتها لكى تكون مدينة صناعية لتصدير منتجاتنا، فكان أول فيلم من إنتاجه «أهل القمة» مع سعاد حسنى وعزت العلايلى، هذا الفيلم الذى استفز وزير الداخلية آنذاك النبوى إسماعيل بعد أن شاهده قبل عرضه بناء على معلومات وردت إليه فقرر منع عرضه، ولكن نور لم يستسلم وكان يعرف أن الرئيس السادات مغرم بالسينما، فلجأ إليه وأرسل له الفيلم، أمر السادات بعرضه بعد حذف مشهد واحد.


لم يعبأ نور بالمقاطعة العربية لنظام السادات بسبب مضيه فى الصلح المنفرد مع إسرائيل، وذهابه إلى القدس وعقده اتفاقية السلام، حيث كان نور من الأغلبية الرافضة لهذه الاتفاقية، فكان ملبيًا للدعوات العربية، لم يتخلف عن عروض أفلامه ولا المهرجانات ولا الاحتفالات فى شتى أنحاء الوطن العربى، لأنه كقومى عربى كان مؤمنًا بأن مصلحة أمته العربية أن تكون موحدة وفى القلب منها مصر.


تعرض نور لمضايقات كثيرة من زبانية نظام السادات، من يضع العقبات أمام إنتاجه ومن يكيل له الهجوم والانتقاد من إعلامىِ السلطة، بل وتعرض لحملة شرسة تشكك فى وطنيته، قادها فريق من إعلامى السادات والسلطة فى زمن مبارك، بسبب إنتاجه لفيلم الشهيد المناضل الفنان الفلسطينى الرائع ناجى «العلى»، الذى كان يسخر فنه لنصرة القضية الفلسطينية، ولم يخش يومًا لا العدو الإسرائيلى ولا الحكام العرب والسياسات العربية المتخاذلة، حتى ممارسات الثورة الفلسطينية الخاطئة وزعيمها ياسر عرفات لم تسلم من انتقاداته، ونال الرئيس السادات وسياسته الصلح مع إسرائيل منفردًا، وتوقيعه معها اتفاقية السلام، نصيبًا وافرا من سخرية ريشته وقلمه.


ولكن نور الشريف كان عنيدًا صلبًا وقف فى وجه الحملة الوقحة بأخلاقيات الفرسان، لم نجده يومًا يتناول هؤلاء بالتجريح أو التطاول، كما فعلوا معه، رغم أن بيوتهم جميعًا من زجاج.. ومضى فى طريقه.


كان حلم نور الشريف لعب دور عبد الناصر وإنتاج فيلم عن حياته، فى مكتب الأديب الكبير يوسف القعيد، مدير تحرير «المصور» فى ذاك الزمن البعيد، حيث كان هذا المكتب الصغير هو ملاذنا ومدرستنا نحن الصحفيين الشبان، حيث تتواصل فيه المناقشات السياسية والفكرية والثقافية دون رقيب، فى مكتب القعيد صاحب الأيادى البيضاء علينا التقينا د. لويس عوض ود. على الراعى وألفريد فرج، وجمال الغيطانى، شفاه الله وأمد فى عمره، وبهاء طاهر ورجاء النقاش ومحمود درويش وسميح القاسم، والطاهر وطار وأحمد عبد المعطى حجازى، والأبنودى، وبهجت الرسام، وحلمى التونى كثير من القمم الأدبية والفكرية والفنية فى مصر والعالم العربى، التقينا بهم وجهًا لوجه واستمعنا إليهم فى حالة من الثراء المعرفى والفكرى ربما من الصعب تكرارها للأجيال التالية، وكان لقاء نور الشريف فى هذا المكتب الصغير الفقير ذى الجدران المتهالكة والمقاعد المعدنية الرمادية «أيديال»، كان نور يسعى فى ذاك الوقت لتحويل رواية «الحرب فى بر مصر»، إحدى أهم روايات القعيد إلى عمل سينمائى (فيما بعد أخرجها الراحل العظيم صلاح أبوسيف فيلم المواطن مصرى) كان يجلس بالساعات يتناقش مع القعيد حول الرواية وشخوصها، وكان قارئًا لكل ما كتب القعيد، كنا نشارك فى هذه المناقشات، وكان نور النجم الكبير هو ومحمود ياسين يتربعان عرش السينما فى ذاك الوقت، وكنا مفاجئين بهذ التواضع الجم تواضع الكبار غير المفتعل، أبهرنا نور بثقافته وعمق رؤيته، كان حلمه أن يجسد شخصية عبد الناصر، ولكنه كان طموحًا فى أن يكون إنتاجًا ثريًا، كان يمضى بالساعات فى أرشيف دار الهلال المظلم باستثناء ضوء من لمبات نيون قديمة، غارقًا فى دوسيهات يمسح عنها التراب بمنديله دون تأفف، يرفض أن يسلط عليه الموظفون هواء المروحة المتهالكة إنتاج المصانع الحربية، ويحرموا أنفسهم كرامة له، كان يقول لنا أبحث عن وصف دقيق لحالة مصر اجتماعيا واقتصاديًا وسياسيًا قبل قيام ثورة يوليو ليعلم الناس كيف غيرت مصر وكيف كان عبد الناصر يعمل من أجل الفقراء، كان يريد أن يحصل على إجابة لسؤال عن حريق القاهرة ومن فعله، يبحث بجدية فى أوراق الأرشيف ويسأل عن كتب، أيام على مدى أسابيع يقوم بعمل جاد، استطاع أن يجعلنا نحن الصغار نشعر بتقدير أكبر لمهنة التمثيل، كان نور يحب أن يحكى لنا عن نشأته فى حى السيدة زينب، كابن لأسرة فقيرة والده بقال، وتولى تربيته من بعده عمه النجار، كان مغرمًا بتصوير نجيب محفوظ لحياة فقراء المناطق الشعبية بالقاهرة وبتفاصيلها التى عاش بعضها، كان يتبنى مواقف معارضة للسياسات الرأسمالية المتبعة، والفساد الذى استشرى، كان يتحدث عن أن دخول مجال الإنتاج ليس من أجل المال ولكن لتقديم رسالة معينة وللدخول بالسينما المصرية لعوالم جديدة، وأنه غامر بمخرجين شبان مقتنعًا بأن لديهم جديدا، سمير سيف وعاطف الطيب وعلى عبد الخالق وغيرهم.


وبعد سنوات عندما مثل أحمد زكى دور ناصر سألت نور عن إحساسه، قال: حلم لم أحققه ولكن حققه الرائع أحمد زكى، قال الله أعطانا موهبة لها حدود، ولكنه أعطى أحمد زكى موهبة بلا حدود.. قال هذا الكلام وهو فى قمة نجوميته.. كم كان جميلًا؟


نور الفنان الذى كانت أفلامه نورًا أضاء حياتنا، كما لم يبخل على جمهوره لم يبخل عليه جمهوره، الذى سانده فى معاركه لم يقبل التشكيك فى وطنيته، ولم يقبل تلفيق فضيحة وهمية حتى الآن لم يتكشف من وراءها إلا أن نور الشريف أشار فى حديث له مؤخرًا اتهم إسرائيل وبعضا من أعوانها، جمهور نور الذى كان طوال حياته، هو وأسرته رمزًا للأسرة المصرية المحترمة دافع عن نور ورفض تصديق أى سفالات تنال من هذا العظيم، وبكى فى رحيله كل البيوت المصرية حزنت على فراق نور الشريف، قالت لى صديقة أنا مش عارفة أنا زعلانة قوى كده ليه أجبتها علشان نور واحد مننا، بكل مافى هذه الجملة من معنى.


رحل نور وللأسف لم تسجل أعماله المسرحية كلها أذكر منها سهرة مع الضحك وبكالوريوس فى حكم الشعوب، وللأسف ضاعت حلقات القاهرة والناس (٢٤٠) لم يبق منها سوى ١٧ حلقة على حد قول مخرجها الكبير محمد فاضل، نور الشريف يستحق من الدولة وأجهزتها، أن تحفظ تراثه، الذى هو جزء من تراثنا، ولا تتركه يضيع أويسرق، بل تحاول أن تلملمه من هنا وهناك، نور كان نورًا لأمته وسيظل بأعماله نورًا على نور.