العربة الرمادية

16/08/2015 - 10:50:52

العربة الرمادية العربة الرمادية

هالة زكى

عنوان الرواية التي تصدر في سلسلة روايات الهلال الشهرية للكاتبة الروائية بشري أبو شرار بتاريخ ١٥ / ٨ / ٢٠١٥.  


رواية " العربة الرمادية " تدور حول عذابات وتداعيات نفس إنسانية محملة بهمومها وهموم  من حولها الذين يشبهونها حيث جدلتهم في وشيجة نفسية واحدة , وأخذتنا لدروب من رماد وقد أقامت على جسدها وروحها , مشوار تحث فيه الخطى , تلملم الدلالات والترميز في أنحاء روايتها , لتجد نفسك أمام نفس معذبة في آتون حيرتها وتشظيها المتمثلة بعربة من رماد , والتي فيها قد يختزل مشوار حياة .....


الرواية هي مرثية فقد عظيم في روح امرأة مأزومة بوجع الحكاية , حكاية قد تلونت برماد الأرض حين تصير حياة في عربة كانت تجوب بها طرقات المدينة , ويم مضت عنها عربتها خلعت عنها كل ألوان البهجة , سكنت حنجرتها صرخات مدوية بأن تستعيد حياتها في عربة رمادية ذهبت ولن تعود , امرأة هذه العربة هي امرأة الإشكالية , تلوذ بعربة تآكلت وهبطت عزيمتها عن المضي في طرقات مدينة أحبتها , تلوذ بغطاء صوفي صاحبها في مواسم الشتاء , لم تغرها أغطية صوفية تشد انتباه المارين , بل هو ذاته الغطاء الصوفي الذي تآكلت حوافه ونخرته الثقوب , تغيب في مدينة ومدينة ومع كل عودة لها يسكنها يقين أن عربتها التي غيبها الرماد ستكون في انتظارها على رصيف المحطة كما كانت في زمن ربيعي يضج بالحياة , تتجاذبها الهواجس بأنها ستعود وحيدة في صقيع ممتد , تحت زخات المطر , امرأة تعيش وقتها , تنشد سلاما , وتعلن في نهاية يومها وفي يدها حبة دواء قد تعيد ضربات قلبها إلى حالتها , وقد تعيدها من جديد على حافة الوقت , تبحث عن أجزاء ماتت في كيانها المتهالك , تجمع أشلاءها , تلوذ بحجرتها القسية , بين اصطكاك ألواح خشبية تستلقي فوقها , تعبت منها , تتساقط كما أوراقها ونهاراتها حتى عربتها التي صارت هناك , امرأة تتسع فجوة اغترابها في كل مكان تصل إليه , في حياة تضيق حلقاتها عليها , تتسرب منها الأيام , تقاوم للنهوض لتحيا من جديد , حتى وإن كان ما تكتب عليه من أوراق هي يوميات رمادية ..... تفرد يدها على ساقها , تبحث عن اللاشىء , يطالعها سواد مكحلتها , تسقط دمعات تلسع بياض العين , تزيحها , وكأن كل ما تبقى من هذا البكاء أثار من سواد مكحلتها ..... تود لو تطير صرختها في وجه الكون " غريبة أنا ... واتسعت مساحات غربتي يوم فقدت عربتي الرمادية "


امرأة تجسد كل معاني الفقد بكل تجلياته وصوره , حين تقتفي أثر شخوص رحلوا , وتعلق من كلمات كتبوها على باب مكتبها  " جون ملتون " " ليست الكتب كائنات ميتة , بل هي حياة كامنة شأن أرواح من كتبوها .... "


تستمد كيانها من المنمنمات الصغيرة , حتى استطاعت أن تتماهى في ثقوب الخشب التي لا يكف السوس عن نخرها على مدار الوقت , سوس يراها ولا تراه , كومة السوس المنخور صارت مهزومة كما تشعر هي , لتعود وتؤكد أنها رحلت يوم رحيل عربتها الرمادية , ومن تداعيات الحالة المأزومة أنها حين حازت على عربة جديدة سوداء , اعتلتها ذرات تراب تائهة في فضاء مدينتها , تلمع تحت وهج الشمس وكل ما صار بداخلها من نور وبهجة توارى خلف أيامها الآفلة , تساقط السوس في أرض حجرتها , وتكسر أجنحته , وسرير لها ما زال قائما لم يعلن عن انهزامه , رواية تثير الجدل , تأخذنا لعمق فلسفي في عبثية الحياة وإشكالية النهايات المنبعثة لبدايات جديدة.


هذه الرواية غير نمطية .... قد تبدو وقد أخذتنا لحافة النهاية , ولكن في طياتها براعم لكل البدايات المشرقة .....


" بشرى أبو شرار " كاتبة وزعت نفسها في نفوس كثيرة , واحتست قراح الغربة والغربة حارقة , فأحرقت جزءا من نفسها بأعواد ثقاب من صناعة الضعف العربي , فألهبت خيالها بشريط ذكريات مفعمة بحكايات عشق منقوصة وحنين ملوث بعصى غليظة وبؤس حالك , لكنها كانت مشرقة بشمسها وفكرها وحضورها بحكايات متجددة والمنقسمة في أنحاء كثيرة ." بشرى أبو شرار " كاتبة ممزقة الذات بين المكان والنشأة ومكان الحنين ومكان الحياة , إنها ترصد شموسا كثيرة حتى قمر الظهيرة لم يسلم من عشقها , فتحرجنا وتحرج التاريخ وتحرج الواقع ." بشرى " كاتبة التحام بمكان غير ملتئم وحنين جارف له , فالذكريات مثل حكاية المكان ممزقة مفقودة كالشهب في واد سحيق يحجبنا عنه جدار أو جدارية , وهم صنعناه بأنفسنا , وصاغته بشرى بلغة شعرية محيرة , لغة تتسم بالعمق وتعدد الظلال والشظايا ورموز تفضح واقعا مؤلما , رغم شموسه ورغم قمره , لغة كاشفة لمكنونات التناقض والتمزق النفسي لشخوصها ....