كلاب تعوى.. وقافلة تسير!

12/08/2015 - 11:53:29

  المرزوقى المرزوقى

بقلم - أحمد النجمى

من العبث أن تفكر فى اسم من نحت الحكم العربية القديمة ، ليس فقط لأن من نحتوها كثيرون ، ولكن لأنهم مجهولون ، وقد تدهشك قدرة العربى القديم على قول الحكمة ، وعلى قرض الشعر ، هذا أن الإنسان العربى فى ذلك الزمان - قبل أكثر من أربعة عشر قرناً - لم يكن متعلماًًًً ، لكنه كان عبقرياً بالفطرة ، من هنا عاش إنتاجه الأدبى والفكرى والعقلى إلى الآن ، ولذلك نستعير من الحكمة العربية القديمة واحدة من أفضل ما أخرجته لنا ، نرد بها على السفهاء: الكلاب تعوى والقافلة تسير !


فأما (الكلاب) فهى حين تعوى، فإنما تفعل ذلك بالفطرة، كلما شاهدت شيئاً يتحرك، سواء أكان هذا الشىء جماداً - كالسيارة - أو حيواناً، كالإبل التى كانت القوافل تمر بها فى الصحارى قديماً، أو تعوى حين ترى عدوها التاريخى: القط. وأما (القافلة) فهى الإبل التى تحمل البضائع والتجار والمسافرين من الشمال إلى الجنوب أو بالعكس فى صحارى الجزيرة العربية قديماً، وقد لاحظ الحكيم العربى القديم أنه مهما كان نباح كلاب الصحارى عالياً فإن القوافل تمر ، والإبل لا نخاف الكلاب، بل لاتنظر أصلا إليها، أما التجار فهم مطمئنون كل الاطمئنان إلى أنهم سيمرون بالقوافل .. سنة الله فى كونه ..!


وصارت هذه الحكمة مثلاً سائراً .. يمكن تطبيقة باطراد على آلاف الحالات، لاسيما تلك الحالات التى يحاول فيها الصغار، صغار الشأن والقيمة، التطاول على كبار الشأن والقيمة، وهذا أعداء معروف من قديم الزمان، أن يحاول (الصفر) مهاجمة (المائة)، وأن يحاول (الدميم) مهاجمة الإنسان سليم البنية والصورة، وأن يحاول منعدم الحضارة (الصفر) فى التحضر ، مهاجمة أصحاب أعظم الحضارات وأصحاب أعلى درجات التحضر .


قافلة مصر تسير باطراد ، قناة السويس الجديدة صارت جزءاً أصيلاًًً من خارطة مصر والشرق الأوسط والعالم كله ، الدولة المصرية أثبتت أنها قادرة على صنع المزيد من المعجزات ، مادام على رأسها رئيس حقيقى ، زعيم له قامة تاريخية .. اسمه «عبدالفتاح السيسى»، ومادام المنفذون هم أبطال القوات المسلحة، وفى الطريق حزمة من المشروعات الوطنية العظيمة التى ستضاعف قدرات مصر الاقتصادية فى محيط قناة السويس ، وهكذا تسير القافلة المصرية سيراً حسناً ، بينما تتعثر قوافل عربية فى دول متعددة .. الطريق ملىء بالكلاب الضالة ، طريق القافلة المصرية به من أصحاب المغانم كثيرون ، الكلاب كثر .. حول القافلة ، لكن القافلة تسير !


المرزوقى


قبل نحو أسبوعين .. خرج علينا من طريق الغرب - تونس - من يعوى على قافلتنا .. إنه «المنصف المرزوقى» ، رئيس تونس الانتقالى ، الذى لفظة الشعب التونسى الشقيق ، فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، وفضل عليه «السبسى» رئيساً .


قال المرزوقى إن «الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى تخطى الدكتاتورية إلى الفاشية» ، يعنى صار (يتبنى آراء منافية أو مخالفة للمنظومة القيمية للأيديولوجية الليبرالية ومؤسساتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية) وفق تعريف الفاشية فى «ويكيبديا» - مؤسوعة الإنترنت الشهيرة - وأشهر الفاشيين كما هو معروف «موسولينى» فى إيطاليا خلال الثلاثينيات والنصف الأول من الأربعينيات .


هذا القول الفاجر الداعر من «المرزوقى» ، لايجافى الحقيقة فقط، ولا يفتئت عليها وحسب ، بل يستهين بالعقول ، لأن من يستقبل هذا الكلام سوف يحلله، ويجده مهترئاً.. فينبرى يستهين بالمرزوقى، فالسيسى انتصر لثورة شعبية جارفة أطاحت حكم المحظورة (ثورة ٣٠ يونيه المجيدة)، والشعب المصرى اختار دستوره فى يناير ٢٠١٤ ، وانتخب السيسى لأربع سنوات فى مايو ٢٠١٤ ، أين هى الفاشية ؟ الغريب أن «الفاشية» هى التهمة الواجب إلصاقها بالفترة التى حكمها المرزوقى ذاته لتونس .. تلك الفترة التى شهدت تسليم بلاده للجماعة المحظورة ، وعطلت تحويل ثورة تونس ضد المخلوع «زين العابدين» إلى واقع .. أما ثورة ٣٠ يونيه فهى تتحول إلى واقع اقتصادى - اجتماعى (مشروع قناة السويس الجديدة الذى جرى افتتاحه الأسبوع الماضى نموذجاً لهذا التحول ..) ، بينما الإرهاب يضرب أشقاءنا فى تونس ، بفعل الفترة التى قضاها المرزوقى حاكماً مؤقتاً لهذه الدولة الشقيقة ، وكلما وقعت ضربة إرهابية جبانة بالشعب التونسى ، فإن أهلنا فى تونس يستنزلون اللعنات على فترة المرزوقى، الذى كان «خيال مآتة» .. و«زوجاً محللاً» للإرهاب فى بلاده ، تلك التى سلمها تسليماً للإخوان ، حتى نجح الشعب التونسى العظيم فى إقصائه - وإقصائهم - بالانتخابات الرئآسية الأخيرة .


الغريب أن المرزوقى كان يتم تضيفه فى بداية ظهوره على المسرح التونسى عقب إطاحة زين العابدين، كسياسى يسارى ، ولكن التجربة الواقعية المرة لحكمة البشع ، لم تسفر إلا عن رجل يدعى الإنتماء لليسار، والحرية والعدل الاجتماعى، لكنه يتحالف مع أكثر التيارات ممارسة للإرهاب الفكرى وأشدها إنتماء للرجعية .. وذهب المرزوقى بعيداً عن المنصب غير مأسوف عليه ، مشيعاً بلعنات مثقفى تونس ، ولولا أنه أقل من أن نفرد له مساحة أكبر للنقد.. لفعلنا!


العطية


وقبل أقل من أسبوعين ، وتواكباً مع الحدث الجليل «افتتاح القناة الجديدة» خرج علينا من طريق الشرق هذه المرة - قطر - من يعوى كذلك على قافلتنا.. «خالد العطية» ، لعل كثيرين هنا فى مصر لايعرفون الاسم .. هو وزير خارجية الكيان القطرى ، النظام الحاكم فى قطر، نحن - ويعلم الله - لا نود الإساءة إلى الشعب القطرى الشقيق ، ونعلم أنه يتوق إلى التخلص من «تميم» و«موزة» وهذه العصابة التى تحكمه رغم أنفه ، ونعلم أنه ليس كل أمراء آل ثان من الخونة مثل تميم وأمه وأبيه، بل منهم من يعشق مصر، وينتمى إلى عروبته خير إنتماء، لكن ثمة عصابة تنتمى لآل ثان تحكم ، وتزج باسم قطر فى مؤامرات على مصر وعلى العالم العربى ، المأساة فى سوريا وراءها هذه العصابة ، المأساة فى ليبيا وراءها هذه العصابة ، العراق .. اليمن.. فى كل بؤرة عربية متفجرة، تجد «دينا ميت آل ثان» سبباً للتفجير .. حاولت قطر كثيراً أن تقوم بتفجير الأوضاع فى مصر ، لكنها عجزت ، برغم تمويهلا هذه المؤامرات التى لاتنقطع بمليارات الدولارات، وبرغم إيوائها للجماعة المحظورة فى «الدوحة» وحمايتها لهم ودفعها مليارات أخرى تمويلاً لأنشطتها الإرهابية.. قال «العطية» فى لحظة جنون من تلك اللحظات التى نعرفها فى عقول آل ثان ، ولم نعد نندهش منها إنه «لو طلب من قطر أن تكون وسيطاً بين الإخوان و«نظام» السيسى فلا مانع لديها من القيام بهذه المهمة» ..!


وقال العطية إن الذين يتكلمون عن صدع فى العلاقات المصرية - القطرية يصيبونه بحالة من الضحك ، لأن هناك تعاملات كثيرة بين الدولتين ..!


تجرأ العطية وقال «نظام السيسى» ، وهو مصطلح سياسى خبيث معروف ، ومذموم .. لايطلق إلا على الدول المحكومة بنظم استبدادية .. ولو كان حسن النية لقال بين (الدولة المصرية) و(الإخوان).. وحتى فى هذه الحالة لم يكن من الممكن تمرير تصريحه ، لأن الإخوان جماعة إرهابية محظورة فى مصر ، وهى ليست دولة أخرى لكى يتم السعى فى التفاوض بينها وبين الدولة المصرية، وهى سياسياً.. لاتملك ثقلاً ولا تمثل عبئاً فى الشارع المصرى حتى يتم التفاوض معها ، اللهم إلا عبء تمويلها وتخطيطها للعمليات الإرهابية ، وهو عبء تقوم «الدولة المصرية» بالتخلص منه بنجاح .. صحيح إن رد فعل «الخارجية المصرية» كان رائعاً وسريعاً ومباشراً ضد تصريحات «العطية»، لكنه يمثل حالة.. نعم، «العطية والنظام الذى ينتمى إليه، يمثلان حالة .. نظام «آل ثان» ينتمى فى طبيعته إلى القرون الوسطى، يتصور «تميم» ومن يشيرون عليه أنهم يستطيعون تجاوز حدود دويلتهم الصغيرة ، وممارسة دور العمالقة.. بالمال والمال فقط .. يدعمون به الإرهاب، ليسقطوا الأنظمة ، لصالح من؟ تلك هى المسألة.. هل من مصلحة نظام ينتمى إلى القرون الوسطى ويكره الديمقراطية كراهية التحريم أن يقيم ويمول نظماً ديمقراطية خارج حدوده ؟ بالطبع ؟ بالطبع لا، وإلا فإن رياح الحرية ستهب على عرشه ، وتسقطه من فوق هذا العرش. إنه يدعم كل هذه المتغيرات الكارثية فى الخارطة العربية ليقدم خارطة الشرق الأوسط فى النهاية ، كهدية لواشنطن التى تدعم عرشه، و«الدولة الصهيونية» التى تملك مكاتب للتمثيل الدبلوماسى فى الدوحة» ويعمل جهازها الاستخبارات «الموساد» فى قلب هذه العاصمة العربية ..!


النظام القطرى الراهن يتداعى، وصفحة «إدعموا الجيش القطرى» على موقع «فيس بوك» رائجة لدرجة تدعو للإعجاب (حتى كتبة هذه السطو، تخطت الصفحة مليونى عضو..)، وثمة تظاهرات يتم قمعها فى «الدوحة» ضد النظام، لاتبث «الجزيرة» - فضائية النظام الموشك على السقوط - لقطة واحدة منها.. والنظام الحالى لم يعد صالحاً للبقاء .. لأن سيدته وتاج رأسه - واشنطن - لاتفضل اللعب بالكروت المحترقة .. وقد صار «العطية» وزيراً لخارجية هذا الكيان المحترق ، ويستحق - فى الواقع - الرثاء لحالة ، فضلا عن الرثاء لعقله الذى راح ، وجعله يصدر هذا التصريح ، الذى يخرج عنه نطاق العقل .. من الأساس.


القافلة تسير ، ومصر ستبقى ، وستنجح تجربتها.. و«السيسى» هو عنوان هذه التجربة ، وبينما سيحتفل المصريون بمزيد من الإنجازات الوطنية الكبيرة، سيسيح العطية وتميم وموزة وغيرهم من حكام قطر الحاليين، مع المرزوقى وأمثاله.. سائحين فى العواصم الأوربية.. وستلعنهم شعوبهم ، تلك التى ستكون أفضل حالاً بكثير بعد زوال حكمهم !